من كان يظن أن قطار التهجير القسري قد توقف في سوريا فهو مخطئ، فالنظام السوري مدعومًا من روسيا وإيران لا يمكن أن يكون جهةً موثوقةً في أي اتفاق، إذ لطالما خرق الهدن وحنث بالمعاهدات، وها هو اليوم يخل بالالتزام باتفاق درعا البلد الذي لم يمض على عقده أيام ويساعده في ذلك "الضامن" الروسي والميليشيات الإيرانية، بعدما أخل هو وحلفاؤه إياهم باتفاق التسوية الأول الذي أبرم عام 2018.

يوم الأربعاء الماضي بدأ تنفيذ اتفاق لوقف التصعيد في درعا البلد برعاية روسية، ومن شأن الاتفاق وضع حد للمعارك التي تشهدها المدينة منذ أسابيع، إذ تشهد المدينة منذ نهاية يوليو/تموز، تصعيدًا عسكريًا بين قوات النظام ومجموعات من أهالي المدينة يرفضون الرجوع تحت حكم بشار الأسد، وذلك بعد 3 سنوات من تسوية تعتبر استثنائيةً على مستوى سوريا.

وفقًا لبيان أصدرته لجنة أهل حوران التي تفاوض باسم أهل المدينة فإن الاتفاق يضم عدة بنود هي: الوقف الفوري لإطلاق النار ودخول دورية للشرطة العسكرية الروسية، وتمركزها في درعا البلد، بالإضافة إلى فتح مركز لتسوية أوضاع المطلوبين وأسلحتهم، ومعاينة هوية الموجودين في درعا البلد لنفي وجود الغرباء، ونشر أربع نقاط أمنية، وأيضًا فك الطوق عن محيط مدينة درعا، وإعادة عناصر مخفر الشرطة.

كما تم الاتفاق على "البدء بإدخال الخدمات إلى درعا البلد، والعمل على إطلاق سراح المعتقلين وبيان مصير المفقودين بعد مضي خمسة أيام على تطبيق هذا الاتفاق".

وفي اليوم التالي للاتفاق دخلت دوريات من الشرطة الروسية إلى أحياء درعا البلد المحاصرة لتنفيذ الاتفاق، ورافق الروس قوات من اللواء الثامن الذي يتبع للفيلق الخامس الذي يعتبر الذراع الروسية جنوب سوريا.

النظام والتلاعب بالاتفاق

لم تمض ساعات على إبرام الاتفاق حتى بدأ نظام الأسد بخرقه، فقد طالب النظام بتسليم قطع سلاح أكثر من تلك المتفق عليها ونشر نقاط عسكرية بعدد أكبر من المنصوص عليه في الاتفاقية، وبحسب الاتفاق كان يجب على قوات الأسد أن تنسحب من محيط درعا البلد وتفك حصارها للأحياء هناك، لكن مصادر أكدت أن الميليشيات المحيطة نصبت قواعد جديدة ومنصات لإطلاق صواريخ "فيل" وهي من نوع أرض أرض.

كتب الناطق باسم لجنة أهل درعا على صفحته في الفيسبوك مساء أمس الجمعة: "وصلنا إلى طريق مسدود" وهو ما كان بمثابة إعلان انهيار المفاوضات وانتهاء الاتفاق بين قوات النظام وأهل درعا، كما أن لجنة التفاوض بدأت بالحديث عن خيار التهجير الكلي إثر انهيار الاتفاق بسبب تقديم القوات الروسية والنظام طلبات "تعجيزية" أبرزها تسليم كامل السلاح ونشر نقاط عسكرية إضافية ضمن المدينة وهو ما رفضه الأهالي.

وفي حديث له قال عدنان المسالمة: "روسيا والنظام طالبا مجددًا بتسليم كامل السلاح في الأحياء المحاصرة بخلاف ما اتفق عليه الطرفان قبل يومين، كما أضافا مطلب شن حملة تفتيش واسعة في الأحياء المحاصرة"، مضيفًا "لجنة التفاوض أبلغت اللجنة الأمنية التابعة للنظام، بأن أهالي الأحياء المحاصرة غير قادرين على تقبّل مطالب ضباط النظام بتسليم السلاح بشكل كامل، وشن حملات تفتيش لكل المنازل في أحياء مدينة درعا"، مشيرًا إلى "عدم قدرتهم على التعايش مع الحواجز العسكرية داخل أحيائهم، خصوصًا عقب تقديم اللجنة الأمنية طلبات جديدة خلال اجتماع بحضور الوفد الروسي، أبرزها زيادة النقاط العسكرية إلى 9 بدلًا من 4 وفق الاتفاق الأخير".

إلى ذلك طلبت لجنة التفاوض من القوات الروسية تأمين طريق لخروج الأهالي من درعا البلد إلى الأردن أو تركيا وذلك نتيجة للتعنت والضغوط التي يمارسها النظام والميلشيات الإيرانية وحصر الاتفاق بدرعا البلد فقط دونًا عن حي السد ومخيم درعا للاجئين الفلسطينيين.

انهيار اتفاقية 2018

خلال عام 2018 وفي أوج حملات التهجير القسري التي كان يشنها على المدن والقرى الثائرة، استفرد النظام بدرعا وشن عليها حملة عسكرية شعواء، تسببت تلك الحملة التي تخللها قصف روسي بنزوح الأهالي، حينها اضطرت الفصائل العسكرية للاتفاق مع النظام على تسوية كانت استثنائية بالحالة السورية، لم تكن تهجيرًا كاملًا بالإضافة إلى أن أهل درعا ظلوا متمسكين بسلاحهم الفردي والكثير منهم بقوا في مدنهم.

تلقى حينها أهالي درعا وعودًا من روسيا بتخفيف القبضة الأمنية والإفراج عن المعتقلين، كان الاتفاق في يوليو/تموز 2018 وتركزت بنوده على تسليم المعبر لنظام الأسد إضافة للسلاح الثقيل ودخول مؤسسات الدولة إلى المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام، إضافة إلى تسوية أوضاع المسلحين والمطلوبين من أبناء المحافظة وإعطاء مهلة ستة أشهر لمستحقي الالتحاق بالخدمة الإلزامية ووقف عمليات الاعتقالات والملاحقات الأمنية والإفراج عن المعتقلين.

ما بعد عام 2018 واجه الاتفاق كثيرًا من الخروقات، وشهدت درعا ومدنها العديد من المعارك الجانبية سرعان ما كانت تهدأ، لكن الذي حصل في درعا البلد في الفترة الأخيرة، كان مؤذنًا بانتهاء الاتفاق، فقد بدأت قوات النظام حصارًا خانقًا وقصفًا عنيفًا، ما أودى بحياة العشرات ونزوح الآلاف، وكما كل مرة يكون السيناريو نفسه، حصار وقصف ودمار ومن ثم تهجير.

وفقًا لعدنان المسالمة فإن "نظام الأسد والروس يريدون الالتفاف على اتفاق 2018 وإبرام اتفاق جديد للسيطرة على المدينة بمختلف الذرائع"، مطالبًا بالعودة إلى الاتفاق، لكن الروس لا ينفون إنهاء الاتفاق أو الالتفاف عليه، إذ سُربت تسجيلات صوتية للاجتماع الأخير بين الجنرال الروسي ووجهاء وأعضاء لجان تفاوض درعا، حين قال الضابط الروسي: "اتفاق التسوية عام 2018 كان مؤقتًا، وجاء لظروف خاصة، ونظام الأسد سيفرض سيطرته على درعا البلد وعلى باقي المناطق أيضًا في محافظة درعا، ومن بينها مدينة طفس".

غير أن ما يدلل على أن النظام يتنصل من اتفاقية 2018 هو عدم تنفيذه لكثير من البنود خاصة تلك التي تتعلق بخروج المعتقلين وتسوية أوضاع المنشقين والمطلوبين وإيقاف الملاحقات والبلاغات الأمنية بحق أصحاب التسويات.

إيران تحتل الجنوب

بعد الحديث عن تهجير كامل وانهيار الاتفاقيات في درعا البلد وما يتبعها، بدأ الناشطون والسياسيون السوريون بالحديث عن احتلال إيران كامل الجنوب السوري بدءًا من درعا البلد وهو ما كانوا يحذرون منه في حال سيطرة النظام على المنطقة، وفي السياق يقول رئيس الائتلاف السوري السابق نصر الحريري: "هذه رسالة لمن كان يراهن على أن إيران دولة يمكن احتواؤها والتفاهم معها، لمن كان يراهن على افتراق واختلاف وتنافس روسي إيراني في سوريا، تهجير قسري وتغيير ديمغرافي وحملة إبادة في درعا تجعل إيران تتقدم خطوة في مشروعها الذي لن ينتهي إلا بابتلاع المنطقة تحت رعاية روسية، ولات ساعة مندم".

 

 

بدوره قال عضو اللجنة المركزية وخطيب المسجد العمري في درعا البلد الشيخ فيصل أبازيد: "الضباط الروس يتكلمون بلسان إيران مع غياب تام لما يسمى النظام".

إلى ذلك أكد عضو لجنة التفاوض أبو علي المحاميد، توقف عملية التفاوض مع النظامين السوري والروسي، مضيفًا "إيران لا تريد الاتفاق في درعا وتسعى لإفشال اي اتفاق يبرم فيها"، ويؤكد الناشط ربيع أبو نبوت ما تحدث به عضوا لجنة المفاوضات حيث يقول: "ما يجري في درعا أن جنرالات روسيا مجرد ناطقين باسم مليشيات إيران مع غياب تمام لما يسمى النظام. فشل المفاوضات ولجنة درعا البلد طلبت تأمين طريق تهجير للجميع إلى مكان آمن خارج سوريا".

 

 

الكاتب الصحفي السوري ياسر الأطرش قال ضمن الموضوع: "بموافقة العالم كله.. إيران تحتل درعا، المنطقة بأسرها ستدفع الثمن، وسيعلم الجيران أي خطيئة اقترفوا، السرطان ينتشر ويتمدد، ولا أخطر من إيران على الإنسانية والإنسان".

أما عبيدة عامر الكاتب السوري فيقول: "من المأساة أن مصطلح "الهلال الشيعي" المعبّر وواسع الانتشار تم صكه واستخدامه للمرة الأولى عام 2004 على يد العاهل الأردني عبد الله الثاني في لفتة بعيدة النظر، ومن الملهاة أن تطبيق المصطلح يتم اليوم في درعا على حدوده وبموافقته بلا أي نظر".

 

 

وفي السياق يقول الناشط السوري محمد عرابي: "هنيئًا للجيران في الجنوب الجار الجديد إيران.. بس للتذكير، الجار الجديد لئيم وطائفي وهدفه الإستراتيجي هو القضاء على العرب السنة حصرًا ولو كلف هاد الشي تدمير حواضرهم وتهجير عشائرهم وكمان ما بيعترف بخط سايكس بيكو".

 

 

يبدو أن وصول إيران إلى الحدود الأردنية السورية لم يعد بعيدًا في حال تم تهجير أهالي درعا، ولن يكون الأردن بأفضل حال من سوريا في حال لعبت به يد إيران، وليس بعيدًا عن ذلك صدرت مناشدات محلية في درعا إلى الأردن والحكومة الأردنية والملك عبد الله الثاني التدخل لوقف العمليات العسكرية على الأحياء التي يقطنها أكثر من 50 ألف نسمة، وفي حال فشل ذلك، فتح طريق آمن للمدنيين باتجاه الأردن.

 

 

ودعا ناشطون أهل الأردن وعشائره بالتحرك من أجل الضغط لإيقاف ما يحصل في درعا، فقال الناشط أبو محمود الحوراني: "أهلنا في الأردن الشقيق يا أبناء العمومة والدم الواحد عائلاتكم في درعا البلد مهددة بالتهجير غدًا، إما أن تخرجوا لتحريك الملف عند جلالة الملك وإما تخرجوا لتعبّروا عن رغبتكم باستقبالهم".