لا يبدو أن العام الدراسي المقبل (2021-2022) في لبنان سينجو من الخسائر ويتعافى ويعود إلى ما كان عليه الحال قبل انتشار وباء كورونا من ناحية وأزمة لبنان الاقتصادية من ناحية ثانية، فالأمور تزداد سوءًا، والوضع يزداد صعوبةً، ولا شيء يشي بالحل القريب أو يبشر بالخروج من نفق الأزمات المتناسلة التي لا تنتهي فصولها.

فقد عانى القطاع التربوي في الجامعات والمدارس الثانوية والإعدادية خلال العامين الماضيين معاناة كبيرة وشديدة بسبب الإقفال التام جراء انتشار فيروس كوفيد19، وهو ما كان له تأثير كبير على الطلاب والمدارس والجامعات والأهل والأساتذة ودور النشر والمطابع وغيره. 

قبل بضعة أيام أعلن وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال، طارق المجذوب، بدء العام الدراسي للعام 2021-2022 في الـ27 من شهر سبتمبر/أيلول الحاليّ، وقد لاقى هذا الإعلان استهجانًا واعتراضًا من قطاعات واسعة من الأساتذة والطلاب والأهل عبر عنها حجم التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وعكس حجم الأزمة التي يعيشها هذا القطاع من ناحية، وصعوبة الخروج من هذه الأزمة من ناحية ثانية، فما أبرز التحديات التي تواجه القطاع التربوي في لبنان مع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي الجديد؟

التحدي الصحي

خلال العامين الماضيين أرغم الواقع الصحي الذي تمثل بانتشار فيروس كوفيد 19 في لبنان المدارس والجامعات على الإقفال لفترات طويلة والاستعاضة عن التدريس الحضوري بالتدريس عن بعد من خلال منصات التواصل الاجتماعي لا سيما منصة "زووم".

إلا أن هذه الطريقة كانت لتعويض الطلاب وليست حلًا حقيقيًا في ظل عدم خبرة الأساتذة بالعمل على هذه المنصات، وكذلك الطلاب والأهل، فضلًا عن سوء خدمة الإنترنت في لبنان، ومع ذلك مثلت هذه الوسيلة حلًا جزئيًا للتعويض عن التدريس الحضوري، وامتدت هذه العملية حتى أواخر العام الدراسي الفائت رغم توفير اللقاحات على اختلافها للبنانيين وحصول نسبة كبيرة منهم على اللقاح. 

اليوم يعود الواقع الصحي ويمثل تحديًا حقيقيًا أمام العام الدراسي المقبل، فوزارة الصحة اللبنانية عادت وحذرت من انتشار الفيروس المتحور، كما أن عداد الإصابات عاد يسجل أرقامًا مرتفعة وحالات وفاة جديدة حتى من أولئك الذين حصلوا على اللقاح، وهو ما أثار هواجس أصحاب المدارس والأهل على حد سواء بالنسبة لعودة أبنائهم إلى التعليم الحضوري في المدارس، وهو ما يهدد إلى الآن العام الدراسي المقبل، فالكثير من المدارس لم تحسم أمرها بعد في مسألة التعليم الحضوري، وكذلك بالنسبة للجان الأهل في المدارس الحكومية والخاصة، وما ينطبق على المدارس الثانوية والإعدادية ينطبق أيضًا على الجامعات.

التحدي الاقتصادي

تشكل الأزمة الاقتصادية في لبنان تحديًا لكل القطاعات دون استثناء، ومنها القطاع التربوي، فقد فقدت الليرة اللبنانية قرابة 90% من قيمتها أمام العملات الأجنبية الأخرى، وتراجعت قدرة اللبناني الشرائية في وقت ما زال دخله الشهري بالليرة اللبنانية كما هو.

بمعنى آخر، ما زال راتبه مليون أو مليون ونصف ليرة بما يعادل أقل من مئة دولار شهريًا، بينما زادت مصاريفه ونفقاته الشهرية على الدواء والمحروقات والكهرباء والنقل وغيره، وللتذكير فإن سعر صفيحة البنزين (20 لترًا) في السوق السوداء وصل إلى 600 ألف ليرة لبنانية، وثمن قارورة الغاز زنة 10 كيلوغرامات وصل إلى 150 ألف ليرة، وثمن صفيحة المازوت للتدفئة وصل إلى 500 ألف ليرة، ورسم الاشتراك للحصول على الكهرباء من مولدات خاصة بلغ مليون ومئتي ألف ليرة مقابل 5 أمبيرات كهرباء شهريًا، والدواء حدث ولا حرج، والنقل تضاعف أضعافًا مضاعفة، وكل ذلك فاقم من الأزمة الاقتصادية والحياتية، وراح يضغط على القطاع التربوي بشكل كبير. 

الأزمة الاقتصادية تركت ندوبها وآثارها على المطابع ودور النشر التي كانت بداية كل عام دراسي تشكل بالنسبة إليها سوقًا وموردًا ماليًا

فالأساتذة في القطاعين الحكومي والخاص يطالبون برفع رواتبهم وبدلاتهم المالية، لأنه لم تعد لديهم قدرة على تحمل الأعباء أو الانتقال من بيوتهم إلى مدارسهم، والأهل يرفضون أي زيادة على الأقساط المدرسية بسبب عدم قدرتهم على السداد، والمدارس والجامعات باتوا أمام خيارات أحلاها مر بالنسبة إليهم، فهم ليس لديهم قدرة على زيادة الأقساط المالية على الأهل، وليس لديهم قدرة على رفع رواتب المعلمين والمدرسين، وبالتالي فهم يبحثون عن حل سحري لهذه المشكلة لأن الكثير من الناس قد يلجأون إلى الإبقاء على أبنائهم في المنازل دون تعليم هذا العام، أو أنهم سيعمدون إلى إرسالهم إلى المدراس من دون تسديد البدلات المالية التي ستتوجب عليهم، وبالتالي فهذا يعني أزمة جديدة ووضعًا خطيرًا يتهدد العام الدراسي.

أما الجامعات فحالها ليس أفضل، فهي تواجه ما تواجهه المدارس، وبالمناسبة هي كثيرة، حتى إن راتب ودخل الأستاذ الجامعي بات محلًا للتندر في العديد من المجالس، وهو أيضًا ما يهدد العديد من هذه الجامعات بالإقفال. 

كما أن الأزمة الاقتصادية تركت ندوبها وآثارها على المطابع ودور النشر التي كانت بداية كل عام دراسي تشكل بالنسبة إليها سوقًا وموردًا ماليًا قد يساعدها على الاستمرار والبقاء حتى العام الذي يليه، وهي اليوم تلملم جراحها وتحاول تخفيف خسائرها والعمل قدر الإمكان من أجل الصمود والبقاء عله تكون هناك فرصة للنجاة في المستقبل.

تحدي الحضور والتواصل

لجأت العديد من المدارس والجامعات إلى التفكير بالاستعاضة عن التدريس الحضوري هذا العام بالتدريس عن بعد بسبب كلفة الانتقال إلى المدارس والجامعات، سواء بالنسبة للطلاب أم الأساتذة، وبسبب ندرة مادتي البنزين والمازوت سواء لتسهيل النقل أم لتسهيل التدفئة في المناطق الجبلية شتاءً، غير أن التعليم عن بعد عبر اعتماد منصات التوصل الاجتماعي بات يواجه مشكلة أيضًا في لبنان، فالانقطاع المزمن للتيار الكهربائي على مدار اليوم أثر بشكل كبير على شبكة الإنترنت التي غالبًا ما تكون مفقودة بسبب انقطاع الكهرباء، وبات من الصعوبة اعتماد هذا الأسلوب في التعليم بخلاف العامين الماضيين اللذين كانت الكهرباء أفضل حالًا من اليوم بكثير.

ومن هنا فإن اللجوء إلى هذا الخيار بالنسبة للمدارس والجامعات لم يعد أمرًا سهلًا وليس حلًا، وبالتالي فإنه بات يمثل تحديًا كبيرًا أمام العام الدراسي المقبل.

الأزمة التي تعصف بلبنان تفتك بالعديد من القطاعات التي تتهاوى واحدًا بعد الآخر وقد لا يكون من السهولة بمكان عملية النهوض بها من جديد

تسرب المعلمين

أمام أزمة البلد الاقتصادية والحياتية، وأمام شعور الكثير من اللبنانيين بانعدام فرص الحل والخروج من المأزق، وأمام التحديات التي باتت تواجه كل لبناني وتدفعه إلى البحث عن مخرج خاص به، برز تحدٍ جديد أمام القطاع التربوي وأمام غيره من القطاعات تمثل بتسرب العديد من المعلمين والأساتذة من ذوي الخبرة، في المدارس الإعدادية والثانوية والجامعات، إلى الخارج بحثًا عن فرصة عمل أفضل تساعد صاحبها على تجاوز وتخطي هذه المرحلة.

وفي هذا السياق سُجل هجرة أعداد مهمة من أساتذة الجامعة اللبنانية أو الجامعات الخاصة، أو حتى المدارس الخاصة والحكومية إلى الخارج، غير أن هذه الأرقام لم تتضح بعد، لكنها بكل تأكيد، ستظهر جلية مع بدء العام الدراسي بعد أسابيع، فضلًا عن ذلك فإن لجوء المدارس إلى التعليم عن بعد، أو اضطرارها إلى الإقفال القسري، ترك العديد من المعلمين والمعلمات دون عمل فراحوا يبحثون في الداخل والخارج عن أي فرصة للحصول على لقمة العيش. 

خلاصة الأمر، الأزمة التي تعصف بلبنان تفتك بالعديد من القطاعات التي تتهاوى واحدًا بعد الآخر وقد لا يكون من السهولة بمكان عملية النهوض بها من جديد هذا إذا افترضنا أن الأزمة انتهت من الغد.