حقّق أبطال العرب المشاركون في دورة الألعاب البارالمبية (بارالمبيك طوكيو 2021) لأصحاب القدرات والهمم، إنجازات تاريخية غير مسبوقة، بعدما حصدوا 57 ميدالية من بينها 17 ميدالية ذهبية و21 ميدالية فضية و19 ميدالية برونزية.

ونجحت كل من تونس والجزائر والمغرب والأردن ومصر والعراق والكويت وعمان والسعودية، في رفع أسهم العرب عالميًّا على منصات التتويج، بين ذهب وفضة وبرونز، في العاصمة اليابانية، في مشهد لفتَ أنظار العالم لتلك الإمكانات والكوادر البطولية غير المعروفة إعلاميًّا لمعظم الشارع العربي.

يأتي هذا التتويج التاريخي، والحصاد الرائع من الميداليات، في وقت تعاني فيه تلك الألعاب من إهمال رسمي وتجاهُل إعلامي وتهميش حكومي، مقابل بعض الألعاب الأخرى مثل كرة القدم، رغم النتائج المخيّبة للآمال في معظم البطولات، الأمر الذي دفعَ الكثيرين للمطالبة بإعادة النظر في خارطة الأولويات الرياضية العربية.

تونس والجزائر تتقاسما الصدارة

تصدّرت تونس قائمة الدول العربية الأكثر حصدًا للميداليات الذهبية والفضية، والثانية في الترتيب العام، حيث حصل لاعبوها على 11 ميدالية (4 ذهب، 5 فضة و2 برونز) لتحتلَّ بها المركز الـ 26 عالميًّا، فيما جاءت الجزائر في المرتبة الثانية بـ 12 ميدالية (4 ذهب، 4 فضة و4 برونز) وإن كانت في المجمل على رأس القائمة، تلاها المغرب بـ 11 ميدالية (4 ذهب، 4 فضة و3 برونز) ثم الأردن الذي سجّل إنجازًا تاريخيًّا غير مسبوق في تاريخ تلك البطولة بعد حصده 5 ميداليات (4 ذهب وبرونزية واحدة).

على مدار أكثر من 40 عامًا نجح الرياضيون العرب من ذوي الاحتياجات الخاصة (البارالمبيين) في حصد 478 ميدالية منذ انطلاق النسخة الأولى من البارالمبية الشتوية عام 1976.

كما حقّقت البعثة المصرية 7 ميداليات (5 فضة و2 برونز) أما الإماراتيون فحصدوا 3 ميداليات (ذهبية واحدة، فضية واحدة وبرونزية واحدة)، ورغم الظروف السياسية والأمنية كان العراق حاضرًا وبقوة على منصات التتويج، حاصدًا 3 ميداليات (ميدالية فضية واحدة وميداليتَين برونزيتَين) تأتي من خلفه الكويت (فضية واحدة وبرونزية واحدة) تليها قطر والسعودية وعمان ولكل منهما ميدالية برونزية واحدة.

وقد لاقت البعثة العربية المشارِكة في تلك المنافسات، التي انطلقت خلال الفترة من 25 أغسطس/ آب الماضي حتى 5 سبتمبر/ أيلول الجاري، تقديرًا كبيرًا لدى اللجنة المنظِّمة وحضورًا مكثّفًا على أجندة وسائل الإعلام العالمية التي شاركت في تغطية فعاليات البطولة.

تجاهل عربي فاضح

لو عُقدت مقارنة بين التناول الإعلامي للمشاركة العربية في أولمبياد طوكيو الأخير للفرق والمنتخبات واللاعبين العاديين، التي انتهت قبل شهر تقريبًا، وبين التناول ذاته للبارالمبية المنتهية بالأمس، ومن قبلها المنافسات العالمية الأخرى لكرة القدم تحديدًا مثل كأس العالم والبطولات القارّية، لوُجد بون شاسع بين هذا وذاك وتلك.

لا يتعلق قياس حجم التغطية الإعلامية للبطولات بشكل أو بآخر بحجم الإنجازات المحقَّقة، فربما تكون خاسرًا وخاوي الوفاض لكن أبليت حسنًا في مباراة واحدة مثلًا، وتُستقبل استقبال الفاتحين في المطارات وعلى منصات السوشيال ميديا والفضائيات.

وفي الجهة الأخرى قد تحقِّق إنجازات غير مسبوقة، ترفع بها اسم بلادك عاليًا، بل تضعه أحيانًا على منصات التتويج الذهبية، لكن ليس معنى ذلك أن تنالَ حظك من الدعم الإعلامي الذي تناله الألعاب والفرق الأخرى، وهو ما ينعكس بشكل كبير على موقع الألعاب البارالمبية على خارطة الاهتمام العربي، إعلاميًّا وتنفيذيًّا.

وبينما تفتح الحكومات العربية خزائنها لفرق كرة القدم التي لا يسجّل التاريخ أي إنجاز عالمي يُذكر لها، نجدها في الجهة الأخرى تمارِسُ كافة أنواع التقشُّف والتقتير حيال الألعاب الجماعية والفردية الأخرى، وفي المقدمة منها ألعاب أصحاب القدرات، رغم أن معظم الميداليات الذهبية التي تزخر بها دواليب الرياضة العربية أصحابها من ذوي الهمم.

وبنظرة سريعة على شاشات الفضائيات ومواقع الصحف وردود فعلها حيال الإنجازات التي يحقِّقها العرب في بارالمبيك طوكيو 2021، يلاحَظ أن هناك حالة من التجاهل أو التجهيل، الأمر الذي دفع الكثير من المحلِّلين والرياضيين بضرورة إعادة النظر في خارطة الأولويات.

تاريخ من الإنجازات المنسية

على مدار أكثر من 40 عامًا نجحَ الرياضيون العرب من ذوي الاحتياجات الخاصة (البارالمبيين) في حصد 478 ميدالية، منذ انطلاق النسخة الأولى من البارالمبية الشتوية عام 1976، مقارنةً بـ 108 ميدالية هي إجمالي حصيلة أقرانهم من غير ذوي الهمم منذ المشاركة الأولى لهم عام 1912.

المشاركة الأولى للعرب كانت في بارالمبياد تورنتو في كندا عام 1976، حينها حصدَ المصريون 8 ميداليات منوَّعة من بينها 5 ذهبيات، وكانت هي فاتحة الخير على العرب في بقية المشوار، ففي النسخة الثانية في آرنم الهولندية عام 1980 رفعت مصر رصيدها إلى 14 ميدالية منها 4 ذهبيات.

وتعدّ النسخة الثانية من البارالمبيات نقطة تحوُّل حقيقية في مشوار العرب في تلك البطولة العالمية، حيث شملت المشاركة إلى جانب مصر كل من الكويت والسودان، حيث حققت الأولى 5 ميداليات بينها ذهبيتَين، أما السودان فحصل على ذهبية واحدة.

أما في البطولة الثالثة التي أُقيمت عام 1984 في بريطانيا وأميركا، فنجحت الكويت في التفوق للمرة الأولى على مصر برصيد 8 ميداليات بينها ذهبية واحدة مقابل 7 ميداليات لمصر بينها ذهبية واحدة، فيما تعددت المشاركات العربية لتشمل إلى جوار الدولتَين الأردن الذي حصد فضية وبرونزيتَين، والبحرين التي حصلت على برونزيتَين.

وفي دورة سيول الكورية عام 1988، اتّسعت رقعة المشاركات العربية لتشمل الكويت التي حافظت على صدارتها عروبيًّا بـ 17 ميدالية بينها 4 ذهبيات، تلتها مصر في المرتبة الثانية بـ 8 ميداليات منها ذهبية وحيدة، والبحرين بـ 3 بينها ذهبية، ثم تونس التي تذيّلت القائمة ببرونزيتَين.

استعادت مصر تفوقها العربي في الألعاب البارالمبية مع بطولة برشلونة عام 1992، حيث حصدت 20 ميدالية من إجمالي 28 ميدالية حصدتها كافة البعثات العربية المشاركة، الأمر تكرّر في دورة أتلانتا بالولايات المتحدة عام 1996 حين حقّق المصريون 30 ميدالية من إجمالي 43 ميدالية عربية، فيما حصدت الجزائر 7 ميداليات والكويت 3، فيما حقّقت تونس ميداليتَين والبحرين ميدالية واحدة.

الفجوة الكبيرة بين الإنجازات التي حقّقها ذوو الهمم مقارنة بغيرهم في مختلف الألعاب وعلى مرّ التاريخ، لا بد أن تكون دافعًا للمسؤولين لإعادة النظر في موقع تلك الألعاب تحت مجهر العناية والدعم.

وفي سيدني عام 2000 حصد العرب 56 ميدالية منوَّعة، وقد شهدت تلك البطولة حضورًا فلسطينيًّا هو الأول من نوعه، حيث حقّق لاعبو المنتخب العربي أول برونزية في تاريخهم، ثم تأتي دورة أثينا عام 2004 التي سجّلت الرقم القياسي للعرب من الميداليات، بإجمالي 77 ميدالية، لكن سرعان ما تراجعت في دورتَي بكين عام 2008 ولندن عام 2012، برصيد 75 و66 ميدالية على التوالي.

استعاد العرب تفوقهم مرة أخرى مع بطولة ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 2016، حيث حصدوا 74 ميدالية متنوِّعة، هذا في الوقت الذي حصل فيه اللاعبون العرب المشاركون في الأولمبياد العادية على 14 ميدالية فقط، بفارق قدره 60 ميدالية بين بعثتَي العرب هنا وهناك.

بلُغة الأرقام فإن الفجوة الكبيرة بين الإنجازات التي حقّقها ذوو الهمم مقارنة بغيرهم في مختلف الألعاب وعلى مرّ التاريخ، لا بد أن تكون دافعًا للمسؤولين لإعادة النظر في موقع تلك الألعاب تحت مجهر العناية والدعم، لما لذلك من نتائج إيجابية متوقّعة، سواء على الجانب النفسي والمجتمعي لهؤلاء الأبطال أو على مستوى التتويج الرسمي للعرب عالميًّا.