موقع شركة الإسمنت الفرنسية لافارج في منطقة الجلابية في سوريا.

ترجمة وتحرير: نون بوست

هذه الوثيقة لا تترك مجالا للشك، حيث أن الدولة الفرنسية، عن طريق الإدارة العامة للأمن الخارجي، كانت على علم تام بالظروف التي حافظت خلالها شركة لافارج على نشاطها في سوريا، داخل منطقة كان يسيطر على جزء منها تنظيم الدولة. هذه الوثيقة التي كشفتها ليبراسيون، صادرة عن إدارة الاستراتيجية في هذا الجهاز الاستخباراتي، وتحمل تاريخ 26 أغسطس/ آب 2014، كما تحمل ختم سري. وهي تشير إلى وجود اتفاق بين شركة الإسمنت وتنظيم الدولة من أجل استئناف النشاط التجاري.

ويكتسي تاريخ هذه الوثيقة أهمية كبيرة، باعتبار أنها تم تحريرها في وقت كانت فيه لافارج تواصل التحكم في مصنعها الواقع في منطقة الجلابية في شمال شرق سوريا. في تلك المرحلة كانت هذه الشركة متعددة الجنسيات تحرص على مواصلة إنتاج الإسمنت بأي ثمن، على الرغم من الوضع المتفجر في سوريا. وتعرضت منطقة الجلابية لخطر المعارك الدائرة بين عديد المجموعات المسلحة، ومن بينها تنظيم الدولة.

وفيما تشير الوثائق الاستخباراتية السابقة، التي تضمنها ملف هذه القضية في المحاكم الفرنسية، إلى العلاقة مع هذا التنظيم الإرهابي بعد سيطرته على المصنع في 19 أيلول/ سبتمبر 2014، فإن الوثيقة الجديدة تثبت أن جهاز الإدارة العامة للأمن الخارجي كان يعلم بهذه العلاقة حتى قبل هذا التاريخ.

حيث قال هذا الجهاز الاستخباراتي في الوثيقة المكتشفة حديثا: "إن داعش سمح لهم باستئناف الأنشطة التجارية، وبالتالي عمليات النقل على طرقات شمال سوريا بين منبج وعين عيسى والرقة ودير الزور والقامشلي. والسر وراء موافقة هذا التنظيم هو وجود اتفاق." وهكذا فإن الاستخبارات الفرنسية كانت تحصل على معلوماتها حول وضع لافارج في سوريا من قبل مراسل لها لم تكشف الوثيقة عن اسمه. وهذا الاتفاق المشار إليه بين لافارج وتنظيم الدولة كان له ثمن، حيث تشير نفس الوثيقة إلى أن "الاتفاق يتمثل في وضع ثمن محدد مع متغيرات لكل طن يتم نقله."

تحقيق مفتوح منذ حزيران/ يونيو 2017

في ذلك الوقت كان تنظيم الدولة يدير الحياة الاقتصادية في المنطقة التي يقع فيها المصنع. وتشير الوثيقة التي يبدو أن وزارة الدفاع أرسلتها إلى قضاة التحقيق إلى أن: "كميات كبيرة من الإنتاج كانت تنقل بين تركيا وسوريا والعراق، وعمليات النقل هذه كان يسيطر عليها تنظيم داعش." ويشار إلى أن هذه الوثيقة لم يتم تسليمها للقضاء إلا بعد تقدمه بطلب رسمي وبعد موافقة لجنة أسرار الأمن القومي الفرنسية.

ويعكف القضاة على التحقيق في إطار هذه القضية منذ حزيران/ يونيو 2017. وبعد أشهر قليلة من ذلك التاريخ، تم إخضاع العديد من مدراء الشركة، ومن بينهم المدير التنفيذي السابق برونو لافون، للتحقيق بتهم عديدة من بينها تمويل الإرهاب. وفي حزيران/ يونيو 2018، تم أيضا إخضاع الشركة للتحقيق بتهم من بينها التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، وهو قرار يعتبر تاريخيا بالنسبة لشركة عالمية بهذا الحجم، رغم معارضة مجموعة محامي لافارج أمام مكتب التحقيق. وكانت لافارج قد حققت انتصارا ظرفيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، إلا أن محكمة النقض وبطلب من موظفين سوريين سابقين يمثلون الجانب المدني في هذه القضية، قررت يوم الثلاثاء إبطال القرار السابق بخصوص لافارج.

يشار إلى أن التساؤلات بشأن دور الدولة الفرنسية في هذه القضية ليست أمرا جديدا. إذ أنه خلال جلسات الاستماع أمام أحد قضاة التحقيق، كان مدير الأمن السابق في لافارج، جون كلود فيار، قد قدم تفاصيل حول علاقته بالمخابرات الفرنسية. كما أنه دعم أقواله بالكشف عن العديد من التواريخ التي أجرى فيها مقابلات مع الإدارة العامة للأمن الخارجي، والإدارة العامة للأمن الداخلي، وإدارة المخابرات العسكرية. ولدى سؤاله حول المعلومات التي قدمها جون كلود فيار في هذه المقابلات، قال هذا المدير السابق في لافارج: "لم أكن أنتقي المعلومات التي أقدمها إلى أجهزة المخابرات، في تلك الاجتماعات كنت أقدم كل ما لدي من معلومات."

دور مقلق للدبلوماسية الفرنسية

هذا الإصرار من لافارج على مواصلة نشاطها في سوريا من خلال التفاوض مع تنظيمات مسلحة، ستكون له تبعات ملموسة على الوضع المالي لتنظيم الدولة. إذ أنه إلى جانب المداخيل التي حصل عليها بفضل النشاط التجاري للشركة الفرنسية، تمكن التنظيم الإرهابي أيضا من تحقيق الثراء عبر وضع يده على المصنع. حيث تمكن من الحصول على آلاف الأطنان من الإسمنت، وتشير مراسلات إدارة المخابرات العسكرية الفرنسية، التي كشفتها ليبراسيون في وقت سابق، إلى أن "داعش تمكن من الاستحواذ على 65 ألف طن من الإسمنت، بقيمة تقدر بحوالي 6.5 مليون دولار.

كما أن الاتفاق نص على حصول التنظيم بعد ذلك على كمية متبقية تصل إلى 50 ألف طن، بقيمة 5 مليون دولار." هذه الوثيقة صدرت في أواخر العام 2014، وحينها كانت إدارة المخابرات العسكرية تتابع بشكل يومي المفاوضات الجارية، حيث جاء في نفس الوثيقة: "نحن نفهم أن تفكيك مصنع لافارج في سوريا يتواصل لفائدة داعش ورجال الأعمال المتدخلين."

يقول السفير فرانك جيلي: "يجب حماية هذا الاستثمار الفرنسي، إذ أنه في حالة ما حقق تنظيم داعش استفادة مالية من هذا المصنع، سيقرر الأمريكيون في يوم من الأيام قصفه."

وبحسب مراسلة الإدارة العام للأمن الخارجي المؤرخة في 26 أغسطس/ آب 2014، فإن الدور الذي لعبته الدبلوماسية الفرنسية كان فعلا مثيرا للجدل. كما كشفت ليبراسيون أن الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين مكتب وزير الشؤون الخارجية في ذلك الوقت لوران فابيس، والسفير الفرنسي في سوريا فرانك جيلي، تثبت تورط الدبلوماسية الفرنسية في هذا الملف. حيث أن السفير جيلي بشكل خاص كان على تواصل وثيق مع مدير الأمن في الشركة جون كلود فيار.

وبداية من 19 أيلول/ سبتمبر 2014، تواصل جيلي مع مكتب وزير الخارجية فابيس حول موضوع وصول تنظيم الدولة للمصنع. وكانت شركة لافارج حينها تخشى من أن مصنعها سيتعرض لقصف من طرف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ولذلك حاول السفير منع هذا السيناريو.

حيث قال السفير فرانك جيلي: "يجب حماية هذا الاستثمار الفرنسي، إذ أنه في حالة ما حقق تنظيم داعش استفادة مالية من هذا المصنع، سيقرر الأمريكيون في يوم من الأيام قصفه." ويشار إلى أن هذه الرسالة تلقاها أحد المتعاونين المقربين من وزير الخارجية فابيس، وهو مارتن بريان، وأوصلها إلى وزارة الدفاع حتى يتم الحديث مع الأمريكيين."

قلق بشأن ضربة أمريكية محتملة

بعد أيام قليلة، وفي رسالة إلكترونية من السفارة الفرنسية في واشنطن، يؤكد فرانك جيلي أن "هذا الموضوع تم طرحه من قبل مسؤولين عسكريين مع نظرائهم الأمريكيين، ومصنع شركة لافارج ليس ضمن قائمة الأهداف."

إلا أن المخاوف من هذه الضربة الأمريكية تجددت في 27 كانون الثاني/ يناير 2015، ففي ذلك اليوم عبر فرانك جيلي عن قلقه من احتمال استهداف القوات الأمريكية لمصنع الإسمنت، وذلك في مراسلة إلكترونية موجهة إلى مكتب وزير الخارجية لوران فابيس، جاء فيها: "لافارج تعلم من خلال شبكة موزعيها أن تنظيم داعش يحتاج للإسمنت في الموصل. ويجب أن لا يدفع ذلك بالأمريكيين إلى قصف المصنع في إطار محاربة مصادر تمويل داعش." وقد تمكن جيلي فعلا من تحقيق هدفه من هذه المراسلة.

وهنا يطرح السؤال: ما الذي يعرفه هذا السفير وتعرفه الدبلوماسية الفرنسية بشكل عام حول العلاقات بين شركة إسمنت لافارج وتنظيم الدولة؟

لدى سؤاله كشاهد في هذه القضية في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، صرح جيلي بأنه لم يعرف أبدا أن لافارج عقدت اتفاقات مالية مع التنظيم الإرهابي. ولكن في ذلك الوقت الذي قدم فيه جيلي هذه الإفادة، لم تكن وثيقة الإدارة العام للأمن الخارجي، المؤرخة في 26 أغسطس/ آب 2014، قد تم تسليمها للقضاء. والآن بعد أن تم الكشف عنها، حاولت ليبراسيون التواصل مع هذا السفير حول هذا الموضوع، ولكنه رفض الإجابة على الأسئلة.

المصدر: صحيفة ليبراسيون الفرنسية