قسرية وقيصرية كانت ولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في لبنان، فالرجل كاد أكثر من مرة أن يعلن اعتذاره عن تشكيل الحكومة بسبب العراقيل والعقبات التي وضعت في طريق مساعية للتشكيل، والرجل رأى مكلفَين قبله قد اعتذرا بسبب تلك العراقيل: السفير اللبناني في برلين مصطفى أديب الذي اعتذر عن إكمال مساعي تشكيل الحكومة بعد تكليفه بأسبوعين، والرئيس السابق سعد الحريري الذي صبر 11 شهرًا على التكليف ثم اعتذر بسبب تلك العراقيل، وكاد الرئيس نجيب ميقاتي، المكلف الثالث بتشكيل الحكومة، أن يعتذر في ربع الساعة الأخير لولا تغير بعض الظروف وتذليل بعض العقبات والعراقيل وتشكيل الحكومة التي أُعلن عنها يوم الجمعة.

لا يمكن إدراك إمكانية تعافي لبنان من أزماته التي بلغت ذروتها تقريبًا مع انهيار الليرة وفقدان المواد الأساسية من الأسواق اللبنانية أو ندرة وجودها، إلا في ضوء معرفة الأسباب التي كانت تحول دون تشكيل الحكومة رغم المصاعب والأزمات التي كان وما زال يعانيها لبنان.

في محاولة تتبع أسباب عرقلة تشكيل الحكومة، وبشكل سريع، يتضح لنا أن هناك أسبابًا داخلية تتصل بمنطق المحاصصة والاستئثار بالسلطة والكيدية بين القوى السياسية ومحاولات الاستحواذ على كل شيء أو تكريس أعراف دستورية جديدة تطيح بالدستور لصالح إنتاج دستور جديد يكرس الهيمنة أو الاستئثار أو ما شابه ذلك.

وهنا يأتي الحديث عن عناد رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر من خلفه، منطلقين من محاولة ما يُطلق عليه استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية، كأن هذه الصلاحيات سُلبت منه ولم تكن خلاصة حوار اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية والانتقال عبر وثيقة وطنية جديدة إلى الجمهورية الثانية!

أراد رئيس الجمهورية ميشال عون والتيار الوطني الحر برئاسة صهره النائب جبران باسيل استعادة هذه الصلاحيات من خلال تكريس أعراف جديدة، حتى إنهما سميا التكتل النيابي الذي يرأسه باسيل بـ"لبنان القوي"، وعهد ميشال عون بـ"العهد القوي".

كان لذلك أثر كبير في تعقيد وعرقلة مساعي تشكيل الحكومة، وهو ما أخر ولادتها وتشكيلها 13 شهرًا، وبالمناسبة فإن الحكومة قامت على المحاصصة الحزبية والسياسية، وعلى التوازن الطائفي والمذهبي، وعلى قطبية مخفية غير معروفة تتمثل بحصول رئيس الجمهورية فيها على أكثر من ثلثي الوزراء، ما يعني إمكانية تعطيل الحكومة وحتى إقالتها في أي وقت. 

أمام الحكومة الحاليّة مجموعة تحديات مهمة وخطيرة في آن واحد

في الأسباب الخارجية لتعقيد وعرقلة مساعي تشكيل الحكومة كان يختفي خلف المشهد الداخلي والعقبات الداخلية التنافس أو الصراع الأمريكي الإيراني، وحتى بعض القوى الدولية والإقليمية الأخرى، فذلك شكل سببًا رئيسيًا وأساسيًا في عملية تأخير تشكيل الحكومة.

كان كل طرف يستعمل لبنان ساحة وأداة ضغط بوجه الطرف الآخر، وكان الاستحقاق الحكومي أبرز الملفات التي تستغلها تلك الأطراف الخارجية لأن لبنان يقع في منطقة التجاذب الإقليمي، وبالتالي فإنه استُخدم في هذا التجاذب، وما زال، كما أن كل طرف إقليمي أو دولي يحاول أن يفرض هيمنته أو وصيته على لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر. 

أما وقد تشكلت الحكومة وصارت أمرًا واقعًا، فهل يعني ذلك أن لبنان سيتعافى من أزماته التي يئن تحت وطأتها ويعاني من ثقلها؟

أمام الحكومة الحاليّة مجموعة تحديات مهمة وخطيرة في آن واحد، لكن قبل ذلك لا بد من التذكير أنها حكومة قصيرة العمر نظريًا لأنها محكومة بإجراء الانتخابات النيابية في مايو/أيار من العام المقبل، وهي في ضوء الانتخابات حتمًا ستكون مستقيلة. 

أما التحديات التي تواجه حكومة الرئيس ميقاتي حاليًًّا فمنها التحدي السريع المتمثل بإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المعيشية الخانقة، وهذا يحتاج إلى إجراء مفاوضات جدية وحقيقية مع الدول المانحة أو صندوق النقد الدولي أو الدول العربية، وهنا تُطرح جملة شروط وإصلاحات من هؤلاء أبرزها إحداث إصلاحات دستورية وقانونية وإدارية وغيرها تضع حدًا لحالة الفساد والفوضى في البلد، وربما هي في جوهرها لها علاقة بترسيم الحدود مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبملف النفط والغاز في المتوسط، وبملف سلاح حزب الله في الداخل.

وهنا لا يملك الرئيس ميقاتي أمام هذه الملفات عصا سحرية تخوله إيجاد حلول أو قناعات لأولئك الداعمين، ما يعني أنه قد يقع بين مطرقة صندوق النقد والدول المانحة من ناحية وسندان الرفض الذي قد يواجهه في الداخل اللبناني انطلاقًا من اعتبار البعض أن تلك الاصلاحات المطلوبة دوليًا هي عملية تطويع للبنان وإلحاقه بالمحور الذي يطبع مع "إسرائيل" من ناحية ثانية، وبالتالي فلن تكون مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي لحل الأزمة الاقتصادية ميسرةً وسهلةً وتسمح بالتعافي السريع.

التحدي الثاني الذي لا يقل أهمية لكنه قد لا يكون على السرعة والعجلة ذاتها هو تحدي إجراء الانتخابات النيابية في وقتها، أي في مايو/أيار المقبل وإدخال بعض التعديلات على القانون الانتخابي الذي يعتبره البعض في لبنان غير منصف. 

وجود حكومة قد يخفف من بعض آثار الأزمة الاقتصادية المعيشية

فيما يتصل بهذا التحدي فإن الاعتبار الذي يحكم مختلف القوى، لا سيما المتخندقة في هذا المحور أو ذاك، هو كسب المعركة الانتخابية المقبلة، لأنها ستحدد سياسة ومستقبل لبنان على مدى سنوات أخرى، لذلك فإن مختلف القوى ستستخدم كل ما لديها لكسب تلك المعركة، ومن بين ذلك مسألة تأجيل الانتخابات أو حتى عدم إحداث أي تعديل على شكل القانون الانتخابي، وعليه فإن ذلك يُعد تحديًا مهمًا وكبيرًا لضمان إجراء الانتخابات من ناحية، وضمان نزاهتها وشفافية النتائج من ناحية أخرى. 

بهذين المعنيين يمكن القول إن حكومة الرئيس ميقاتي التي ستنال ثقة المجلس النيابي كما هو واضح من توزع موازين القوى في المجلس النيابي، ستكون محكومة بكل هذه الاعتبارات الداخلية والخارجية، ولعل أبرزها مسألة المحاصصة التي قامت على أساسها، وبالتالي فإن ذلك سيعيق عملها السريع لإخراج لبنان من أزماته الكثيرة.

إن تشكيل الحكومة لن يعني تعافي لبنان سريعًا من الأزمات التي يعانيها، لأنه جزءٌ لا يتجزأ من المنطقة ومشاريعها، وبالتالي سيكون مصيره مرتبطًا بهذه المنطقة، غير أن وجود حكومة قد يخفف من بعض آثار الأزمة الاقتصادية المعيشية أو ينظم وضعها ويخفف ولو نسبيًا أو مرحليًا من الضغوط التي تحيط باللبنانيين من كل حدب وصوب.