مع سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل تسابقت التقارير العربية والأجنبية لتتحدث عن احتمالية صعود محتمل للفصائل الجهادية (القاعدة وداعش)، التي قد ترى في التجربة الطالبانية مثالًا يحتذى به للوصول إلى أهدافها، وهنا برزت بعض الأسئلة عن العلاقة التاريخية التي تجمع الحركة بالفصائل الجهادية الأخرى، لا سيما تنظيم القاعدة، وكثرت الاتهامات والمبالغات بشأن حقيقة هذه العلاقة.

في وقت سابق أصدرت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة وفرع القاعدة في سوريا سابقًا) بيانًا رحبت فيه بسيطرة طالبان على أفغانستان، واعتبرت ما حدث بمثابة فتوحات، معلنةً أنها "تستلهم صمودها وثباتها من هذه التجارب الحية والأمثلة الشاهدة على التمسك بخيار المقاومة والجهاد وصولًا لنيل الحرية والكرامة المتمثلة بإسقاط النظام المجرم وأعوانه"، وهو ما أثار الكثير من علامات الاستفهام عن مدى تشابه هيئة تحرير الشام وحركة طالبان، كتجربتين جهاديتين من مشربين مختلفين فكريًا وسياسيًا.

خصوصية النشأة والسياق الفكري والعقدي لكلا الجماعتين

نشأت حركة طالبان بولاية قندهار في الجنوب الغربي لأفغانستان على الحدود مع باكستان عام 1994م على يد الملا محمد عمر مجاهد (1959 - 2013)، وذلك بمساعدة مجموعة من طلبة المدارس الشرعية الذين بايعوه أميرًا عليهم، في محاولة للقضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي وإنهاء حالة الفوضى التي كانت تعم أفغانستان وإعادة أجواء الأمن والاستقرار، بعد دخول البلاد في دوامةٍ من النزاعات الفصائلية بسبب الصراع على الحكم بعد انسحاب السوفييت عام 1989.

وينتمي غالبية أفراد الحركة عقديًا إلى المذهب الماتريدي المنسوب إلى الإمام أبو منصور الماتريدي المنتمي أساسًا للمذهب الحنفي، وتعتنق الحركة المذهب الحنفي كمرجعية فقهية تبني عليه آراءها وفتاويها وأحكامها، في حين تنحدر من المدرسة الصوفية الطرقية.

ويشير الدكتور محمد خير موسى في مقاله الذي حمل عنوان: "طالبان.. الخلفية الشرعية، والفرق مع القاعدة وداعش، وإمكان التطور" إلى أن "طالبان تختلف عن القاعدة من حيث الانتماء الاعتقادي والمرجعية الفكرية والفقهية، كما وتنظر القاعدة إلى طالبان بناءً على عقيدتها على أنهم مبتدعةٌ منحرفون في الاعتقاد"، وهي ما تعد أولى الفروقات وأوضحها مع فكر القاعدة، الذي ينتمي فكريًا إلى تيار السلفية الجهادية، التي ترتبط هيئة تحرير الشام في أصولها الفكرية مع هذا التيار على الرغم من فك ارتباطها بالقاعدة عام 2016 لأسباب سنتطرق لها لاحقًا في ثنايا التقرير.

طالبان: انسجام مع الهوية العامة للمجتمع

ما يميز حركة طالبان انتماء معظم أفرادها إلى قبائل البشتون التي يستقر معظم أبنائها في شرق وجنوب البلاد وتشكل أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان، إذ يشكل البشتون أعلى القوميات حضورًا وتمثيلًا داخل صفوف الحركة، وبذلك قدمت الحركة نفسها كجزء لا يتجزأ من تركيبة المجتمع الأفغاني، وامتلكت قاعدة شعبية ومرجعية قبلية ودينية أفغانية استمدت منها فعاليتها وتأثيرها في عموم الساحة الأفغانية، فضلًا عن حرصها على عدم احتواء كوادر أجنبية ومهاجرين من غير الأفغان في صفوفها.

وقد حرصت طالبان فعليًا منذ نشأتها على عدم الاصطدام مع حواضنها الشعبية ومرجعياتها القبلية أو استفزاز الجهات الدولية والإقليمية عبر تبنيها لمشاريع خارج حدود أفغانستان القطرية، فقد أصرت الحركة على حصر نطاق حراكها السياسي وعملياتها العسكرية داخل الأراضي الأفغانية، مبتعدةً عن الخطاب الجهادي "الأممي"، مؤكدة عبر خطاباتها وبياناتها على القيم الوطنية ومصالح الشعب الأفغاني، وأنها "لن تسمح لأحد باستخدام أراضيها لشن هجمات خارجية"، ولعل في إصرارها على تسمية "الإمارة الإسلامية الأفغانية" وإعلانها تشكيل الإمارة لاحقًا بحضور 1500 شخصية أفغانية وغياب أي عنصر مهاجر أو أجنبي ما يدل على حرصها على الظهور بلباس وطني أفغاني.

ومما يدعم ذلك ربما انضمام مجموعات شيعية في ولاية باميان (معقل الطائفة الشيعية في أفغانستان) إلى طالبان في العام 2016، وسماح الحركة عقب سيطرتها على كابل للأقلية الشيعة الأفغانية بتنظيم فعاليات عاشوراء وتوفيرها الحماية للحسينيات، بل وزيارة أحد قيادات الحركة لأحد مجالس العزاء الحسيني الشيعي، وتصدير الحركة لهذه النقلة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن انسجام الحركة وتناغمها مع الحاضنة الاجتماعية، واستفادتها من مرجعيتها القبلية والمذهبية، لا يعني أبدًا أن ممارساتها وبعض سلوكياتها كانت مقبولة لعموم الشعب الأفغاني، بل أثارت بعض الممارسات المنسوبة للحركة حفيظة شرائح واسعة من المجتمع الأفغاني باعتبارها تعديًا وتدخلًا في خصوصيات الفرد، لا سيما فيما يتعلق ببعض السلوكيات والتصرفات والقيود التي تفرضها الحركة على الصعيد الاجتماعي والتعليمي وعلى صعيد العلاقة مع المرأة والإخلال بحقوقها ومكتسباتها.

"تحرير الشام": تقلبات فكرية وتحولات برغماتية

مرت هيئة تحرير الشام بالعديد من التحولات والتقلبات الفكرية والهيكلية والتغييرات في الخطاب والهوية، التي لامست أحيانًا قضايا جوهرية قام عليها التنظيم في مرحلة من المراحل، بدءًا بإعلان مؤسس التنظيم أبو محمد الجولاني بيعة تنظيم القاعدة ردًا على إعلان البغدادي الوصاية على جبهة النصرة وتوحيد رايتهما تحت مسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، مرورًا إلى انقلاب الجولاني على المشروع القاعدي وتحوله من جبهة النصرة إلى تنظيم جبهة فتح الشام، معلنًا فك ارتباطه بالقاعدة، وصولًا إلى الإعلان عن هيئة تحرير الشام مع فصائل أخرى كحركة نور الدين الزنكي، ثم انفصال الزنكي عنها والاقتتال معها، وانتهاءً بمحاولات الهيئة المستمرة لإعادة التموضع في سياق البحث عن الشرعية الدولية من خلال فرض وجودها ونفوذها كفاعل أساسي محلي في بيئة سياسية مفعمة بالتنافس والفوضى.

من تقلبات هيئة تحرير الشام هو محاولتها مؤخرًا إزاحة القيادات المتشددة والأجنبية عن المراكز القيادة داخل صفوفها، أمثال أبو مالك التلي وأبو العبد أشداء وأبو اليقظان المصري

إن المتتبع لتحولات التنظيم الفكرية يلاحظ وجود معلمين أساسين انبثقا عن تلك الانتقالات والتغيرات، وهما: الانتقال من الخطاب الجهادي المعولم الذي ميز حقبة جبهة النصرة، إلى الحديث عن خطاب محلي قُطري وذلك مع الإعلان عن هيئة تحرير الشام"، وهو ما يمكن تتبعه من خلال البيانات والتصريحات التي تصدرها الهيئة ومقارنتها مع مثيلاتها من البيانات التي كان يطلقها التنظيم قبل التحول عن جبهة النصرة، حيث تحرص الهيئة اليوم في خطاباتها على التركيز على مفردات وأدبيات الثورة السورية، إضافة إلى الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي ترسلها إلى الجهات الخارجية لتلميع صورتها أمام القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف السوري وعلى رأسهم الولايات المتحدة، كاللقاء الصحفي الذي قام به الجولاني مع الصحفي الأمريكي مارتن سميث مطلع العام الحاليّ، الذي تحدث فيه الجولاني عن نشأته وسيرته وكيفية انتقاله إلى تنظيم القاعدة، مع "توجيهه رسائل وتطمينات إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية بأن هيئة تحرير الشام لا تشكل خطرًا أمنيًا أو اقتصاديًا عليهم، ولا تخطط لتنفيذ هجمات ضدهم".

أما المعلم الثاني الذي ظهر مع تقلبات هيئة تحرير الشام فهو محاولتها مؤخرًا إزاحة القيادات المتشددة والأجنبية عن المراكز القيادة داخل صفوفها أمثال أبو مالك التلي وأبو العبد أشداء وأبو اليقظان المصري، ليتعدى ذلك إلى اعتقال بعضهم ومحاولة تفكيك وتحجيم باقي التنظيمات الجهادية الأكثر تشددًا، كتنظيم "حراس الدين"، وريث القاعدة الحاليّ في سوريا والإمساك بملف "الجهاديين" كورقة مساومة مع القوى الدولية والإقليمية قد تمكنها ربما من تحقيق اعتراف دولي بحكم الأمر الواقع وقبولها دوليًا كحركة محلية سورية.

هل يمكن لهذه التحولات أن تشكل نقطة تشابه بين هيئة تحرير الشام وطالبان؟

خلال حديثه لـ"نون بوست" ذهب الباحث في مركز الحوار السوري الدكتور ياسين جمول إلى أنه "وفي مقابل التحولات التي حصلت في النصرة حتى هيئة تحرير الشام، سواء في الاسم والخطاب والمرجعية، لم تعرف طالبان أي تغيرات من ذلك، فقد انطلقت بخطاب إخراج المحتل ومحاربة الفساد لتأسيس حكم إسلامي في أفغانستان وبقيت حتى اليوم على ذلك"، معتبرًا أن "هذا الثبات في الأداء عند طالبان من أسبابه ثباتها في خطابها ووضوح مشروعها وتكاتف قياداتها، ما لا يتوافر عند هيئة تحرير الشام، وأن البراغماتية التي تُظهرها قيادة الهيئة لا تخدع الدول ولا العقلاء من الحاضنة، بل تنقلب عليها لأنها خضعت وبدلت وعدلت، بخلاف ما أظهرته طالبان من الثبات على خطابها ومواقفها، فهي متصالحة مع نفسها ومع حاضنتها وكذلك مع الدول في العالم؛ ولا شك أن الوضوح أفضل وأحب إلى الجميع حاضنةً أو دولًا من التلون لأنه يعكس وضوح الرؤية والهدف وكذلك الخطط".

رؤية وأهداف حركة طالبان انسجمت وتناغمت مع حاضنة شعبية واسعة، في ظل امتلاكها روابط إثنية وقومية ومذهبية داعمة لها في بيئة محلية أفغانية

علاوة على ذلك، أثبتت طالبان قدرتها على المناورة السياسية مع الثبات على مبادئها ومقاربتها الخاصة للحل في أفغانستان دون التحول عن جوهر مشروعها حتى بات الحديث مبكرًا عن انعتاقها من التبعية لباكستان بشكل كبير، ودخولها في مفاوضات واتصالات مبكرة (قبل سيطرتها على كابل) مع قوى إقليمية متناقضة المصالح كالهند وإيران وروسيا وباكستان والصين، وذلك وفق أجندة قوامها الندية وتبادل المصالح حتى مع حلفائها الإقليمين.

في المقابل، تماهت هيئة تحرير الشام مع التفاهمات والاتفاقيات الدولية الخاصة بسوريا كأستانة وسوتشي رغم معارضتها المسبقة لها وضربها العديد من الفصائل تحت حجة "الركون لتفاهمات خارجية"، للتحول لاحقًا إلى تقديم تنازلات والقبول بالانتشار العسكري التركي في إدلب، ومن ثم التنسيق المباشر مع الأتراك وحماية نقاط المراقبة التركية في الشمال السوري، وذلك بالتزامن مع تغييرات أساسية على رؤية وتوجهات التنظيم العامة.

وفي هذا الصدد يرى جمول أن تعامل الطرفين مع الوجود التركي يعتبر مثالًا واضحًا على الاختلاف العملي بينهما، إذ يقول: "جبهة النصرة بدأت بتكفير تركيا ومن يتعاون معها، ثم تطورت للسكوت، حتى وصلت مع تحولها إلى مسمى هيئة تحرير الشام إلى السماح بدخول القوات العسكرية التركية المدعمة بآليات ثقيلة بحمايتها، بينما أعلنت طالبان رفضها الوجود التركي لدخول تركيا باسم حلف شمال الأطلسي وطالبت بخروجها مع أنها قوات تدريبية وإشرافية، وبقيت على موقفها وهددت بضربها حتى أجبرت تركيا نفسها على التراجع، ليتم الحديث مؤخرًا عن خطوات تقارب من الطرفين بكل احترام".

في المحصلة، يمكن القول إن رؤية وأهداف حركة طالبان انسجمت وتناغمت مع حاضنة شعبية واسعة، في ظل امتلاكها روابط إثنية وقومية ومذهبية داعمة لها في بيئة محلية أفغانية، وابتعادها عن الخطاب الأممي العالمي وحرصها على تأطير قضيتها بحدود أفغانستان، وعلى عدم إحداث تغير ملحوظ على جوهر مشروعها (مع حدوث بعض التغييرات طبعًا في الأصعدة الاجتماعية لا سيما فيما يتعلق بالمرأة)، الأمر الذي افتقدته هيئة تحرير الشام على طول مسيرتها الجهادية، فقد افتقرت الهيئة القدرة على نسج روابط تمتد إلى شرائح مجتمعية تستطيع الاعتماد عليها كحاضنة شعبية ترتكز عليها في سبيل تحقيق طموحاتها، نظرًا إلى فشلها في تقديم رؤية تتوافق مع هوية المجتمع السوري.

فعلى الرغم من التحولات النوعية التي أحدثتها الهيئة في الآونة الأخيرة، فإن تبنيها بدايةً لشعارات عابرة للحدود وأجندات خارجية متناقضة مع أهداف وتطلعات الشعب السوري، ومن ثم قيامها بانتقالات لطالما كانت موجهة كرسائل للخارج، خدمةً لأهداف سياسية تكتيكية تنم عن برغماتية وانتهازية في سبيل الحصول على مكاسب آنية ضيقة، كل ذلك أفقدها المصداقية والثقة لدى الشارع السوري.