ترجمة وتحرير نون بوست

تُظهِر لنا الصور المنقولة لسباق الدراجات العريق “تور دي فرانس” بلدًا بهيًا. فالسباق الذي انطلق منذ أكثر من قرن لعب دورًا غير هيّن في تشكيل الثقافة الفرنسية ووحدتها، وأعطى الفرنسيين صورةً عن طبيعة بلادهم الممتدة من المتوسط إلى الأطلنطي لم يروها من قبل بهذه الحيوية. بيد أن الشعب الفرنسي الذي يعيش اليوم خلف تلك الصور البراقة المنقولة من بعيد، تنتابه المخاوف من الانحدار التدريجي، والذي يدفع الناس رويدًا للتصويت إلى اليمين المتطرف.

لا مانشافت!
هي كلمة جديدة دخلت المعجم الفرنسي، وتُستَخدَم للإشارة لكل ما يثير غيرة الفرنسيين على الضفة الأخرى من نهر الراين — أو في قول آخر، ألمانيا ونجاحاتها؛ تلك النجاحات التي وُلِدت نتيجة العمل الجماعي الدؤوب الخالي من نعرات الأنانية والذاتية، والخالي أيضًا من قيادات المؤسسات والشركات الفرنسية المُعروفين في مناصبهم بـ”المدير الرئيس”(président-directeur général)، والذين يشكلون عبئًا على فرنسا.

في العيد الوطني، أو يوم الباستيل، والذي يخلّد ذكرى اقتحام سجن الباستيل أثناء الثورة الفرنسية، نشرت العديد من الصحف أراءً مفادها ببساطة أنه لن يضر فرنسا أن تشابه المانشافت ولو قليلًا. فمعدلات البطالة في فرنسا ضعف نظيرتها في ألمانيا، كما أن النمو والاستثمارات في هبوط. لا مانشافت هي الكلمة المناقضة تمامًا لـ”لى مالَيز” (Le Malaise) المتداولة بكثرة هذه الأيام في فرنسا، والتي تشير لجو القلق والغمّ المسيطر على فرنسا هذه الأيام.

“تبدو فرنسا من الخارج مشابهة لكوبا، باستثناء الشمس الحارقة الكوبية، والتي يوجد بدلًا منها هنا اليمين المتطرف”، هكذا عبّرت عن “لى ماليز” إحدى الصحف مؤخرًا، فالبلد “فقير، ومُثقَل بالديون، ومنقسم، ومُهان، ويبدو في وضع شبيه بما كان عليه قبل الثورة (الفرنسية)”. لماذا يسافر الناس إلى فرنسا إذن، وكيف يمرون عليها دون أن يشعروا بهذه الكآبة المنتشرة في ربوعها اليوم؟

هناك شيءٌ ما عبثي في فرنسا. فالمزاج العام لم يكن بائسًا قط كما كان هذا الصيف، وشعبية الرئيس كذلك في الحضيض، إذ يظن المرء يوميًا أنها يستحيل أن تنحدر أكثر من ذلك، ثم يصحو ليجدها قد انحدرت أكثر! الكثيرون فقدوا إيمانهم بأقطاب السياسة التقليدية ويتجهون إذن نحو اليمين المتطرف.

تور دي فرانس هو النقطة المضيئة الوحيدة ربما، بمساره المار عبر الريف الفرنسي المحتفظ بتقاليده، والذي يعيش فيه الفرنسيون الأكثر سعادة وهدوءًا. ولكن هذه أيضًا أسطورة، كما يروى كاتب بمجلة شبيجل الألمانية، والذي تتبع مسار الدراجات عبر فرنسا، والتقط صورة أكثر عُمقًا من تلك التي تبثها عادة وسائل الإعلام.

الهامش الفرنسي
حين بدأ سباق تور دي فرانس، كانت العديد من أسس الثقافة الفرنسية لا تزال في طور الولادة، وكان شعار الثورة الفرنسية، الحرية والمساواة والإيخاء، الذي نجده اليوم أينما ذهبنا، لا يزال منبوذًا من أنصار الملكية والكاثوليكيين.

تم تدشين السباق باعتباره احتفاء بجمال فرنسا، وقد أصبح مجالًا للناس ليعبّروا، كل من موقعه بطول المسار، عن احتفائهم ببلدهم. يُعَد السباق نافذة على فرنسا المهمّشة، البعيدة، الحقيقية، العميقة، وهي اليوم معقل الغضب والسخط العام، حيث يسكن حوالي ٦٠٪ من السكان، و٨٠٪ من العمّال والمتقاعدين والطبقات الوسطى، الخائفين أكثر من سواهم من أي انحدار قد يطالهم. هناك، بعيدًا عن باريس، تنخفض نسب المشاركة في الانتخابات. بيد أنه هناك أيضًا ارتفعت أرصدة السياسيّة الفرنسية مارين لو بِن، زعيمة حزب الجبهة القومية اليميني المتطرف، كما أظهرت انتخابات البرلمان الأوربي.

للوهلة الأولى، يبدو للناظر للريف الفرنسي أنه خالٍ من المتاعب، لكن مع نظرة أعمق وأطول، يتبيّن للناظر هذا الهدوء المُزعِج المُميت. فالكثير من البيوت نوافذها مُغلقة بإحكام، والعديد منها توجد عليها لافتة “للبيع”، وقوائم الوفيات المنشورة في الصحيفة المحلية أطول ثلاث مرات من قوائم المواليد.

يعيش رُبع الفرنسيين في هذه المجتمعات الصغيرة التي لا يزيد تعدادها عن الألفين، وهم منكفئون في الاعتماد على نطاقهم الجغرافي المحلي أكثر من نظرائهم في الريف الألماني. يشعر هؤلاء الريفيون اليوم بخطر يهدد وجودهم، إذ تُشكل التكنولوجيا مساحات جديدة تقضي تمامًا على المسافات بين الأمم. تلك ثورة مناهضة لكل ما قامت عليه فرنسا وقيمها؛ الشعور بالذات الفرنسية، والتعلّق بالدولة. فالفرنسيون يعيشون جنبًا إلى جنب، ولكنهم لا يعيشون مع بعضهم البعض، هم يتتبعون بعضهم بالنظر، ولكنهم يشكون دومًا البرود المتفشي بين الناس، وهو أمر في تزايد.

“لم أشهد غيابًا للإحساس بالأمان بهذا الشكل منذ عقدين أو ثلاثة”، هكذا يتحدّث بيار، الذي يعيش في واحدة من البلدات المرفهة كما يُفتَرض، عن قِطَع الطوب الكبيرة التي توضع اليوم أمام محلات الإلكترونيات لحمايتها من السرقة. بل وتغيرت الأحوال أيضًا في إحدى المخابز في بلدته، إذ يطلب من روّاده الدفع عبر ماكينة آلية لأسباب أمنية. يلوم بيار الحكومة، وكذلك الإنترنت.

الانحدار
يلفت النظر اليوم على الأرفف في المكتبات كتب يبدو وأنها لنوع جديد من الأدب الفرنسي، وعناوينها كاشفة لما تمر به فرنسا: “إعادة اختراع فرنسا”، ”إفلاس فرنسا الفريد”، ”حين تستيقظ فرنسا”، ”أعزائي الفرنسيون: هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟”.

“فرنسا هي رجل أوربا المريض”، كذا يقول جي صرمان، مفكر ليبرالي فرنسي، “الدولة مريضة، والاقتصاد مريض، والتعليم مريض، والبلد ككل مريضة بتاريخ مُفعَم بالعظمة لا يستطيع أحد الفكاك منه”. لم يعد هناك شيء يجمع الفرنسيين، لا التور دي فرانس ولا مفهوم الوطن ولا منتخب الكرة الذي أسعدهم عام ١٩٩٨. لم يعد أحد يشعر حقيقة بأي من تلك الأناشيد والطقوس والمعتقدات، ولا حتى أسماء الشوارع.

“الحرية” هو ربما الاسم الأكثر انتشارًا لشوارع فرنسا، وهو مبدأ عام لا يختلف عليه أحد، ولكن المشكلة اليوم أنه فقد معناه للكثيرين ممن لا يشعرون بأن فرنسا أصبحت بلدهم، لا الفرنسيون الذين يشهدون انحدارًا غير مسبوق منذ دخل النازيون بلادهم أو ربما منذ الثورة، ولا المهاجرون الذين لم يتذوقوا الحرية والمساواة والإيخاء بحق. “أي حرية ومساواة وإيخاء هنا؟”، ساخرًا يسأل سمير عايد، مهاجر عربي كملايين مثله غاضبة من فرنسا لأنها لم تقبلهم، ولأنها أيضًا تنحدر.

يحدثنا رافي أشقر، لبناني يدير محلًا لإصلاح الأحذية في نفس الشارع الذي نشأ فيه الثوري الفرنسي روبسبير بالريف في أقصى الشمال، فيقول: “أنا أفهم الفرنسيين اليوم جيدًا. لم تعد هناك قيم. لا أسرة ولا صداقة. الكُل يبحث عن ذاته وفقط. لذلك يصوّت الكثيرون لمارين لو بِن — بدافع من اليأس ليس إلا.”

من الناحية الأخرى، في الجنوب الغربي، تُحدثنا تريسي جريفِن الإنجليزية التي تعيش هنا وتعمل بإحدى الحانات. إميه هو اسم البلدة الصغيرة التي يُبقيها الإنجليز على قيد الحياة، وهم ثُلث سكانها، وكذلك سيل السياح المتدفق من بريطانيا. في إميه صحيفة إنجليزية وفريق كريكت، ولكن الإنجليز ليسوا فقط هم المعروفين فيها، إذ يشغل النيوزيلانديون حي الميدان الرئيسي بالبلدة.

ما يحدث في إميه يحدث في فرنسا بطولها. فشركة بيجو مملوكة جزئيًا للمستثمرين الصينيين، ورينو أصبحت تقريبًا رومانية ويابانية، ولافارج للأسمنت انتقلت لسويسرا، وقطاع الطاقة في شركة ألستوم استحوذت عليه جينرال إلكتريك. هذا هو حال الصناعة الفرنسية التي خسرت أكثر من مليون وظيفة على مدى السنوات العشرين الماضية، والتي تتضاءل باستمرار أمام السياحة التي ستشكل قريبًا نصف ما يشكله القطاع الصناعي بأكمله، إذ يزور فرنسا الملايين سنويًا (٩٠ مليون العام الماضي فقط).

في روايته “الخارطة والأرض”، يصف الأديب الفرنسي ميشِل ويلبِك فرنسا كما يتخيلها في المستقبل؛ بلد يعتمد على الزراعة والسياحة أكثر من الصناعة، وتزدهر فيه الحرف التقليدية، والفنادق الرومانسية، وهو بالتالي محصّن من التعرّض للأزمات الكبرى. فُزِع الكثيرون من صورة فرنسا التي رسمها ويلبِك حين نُشرَت روايته، ونظروا لها كجرس إنذار، لا كرواية فقط.

لعل الرواية أفرطت في تفاؤلها من تضاؤل الصناعة في مقابل ازدهار القطاعات المعتمدة على الطبيعة إن جاز القول، إذ تبدو الطبيعة في انحدار أيضًا. يدلل على ذلك انحدار المطبخ الفرنسي العريق، حيث تشكل الآن الأطعمة المجمّدة ٧٠٪ مما يُقدّم في مطاعم فرنسا.
***
ينتهي التور دي فرانس بعِدة لفات حول قوس النصر، بعد المرور بقصر الإليزيه وميدان الكونكورد. يعتقد البعض أن الأول هو السبب الرئيسي في الـ”ماليز” الذي تعانيه فرنسا؛ لعله إفراط في تقدير دور الإليزيه، ولكنهم الفرنسيون، الذين حلت الدولة عندهم محل الإله. في ساحة الكونكورد يقف تمثالٌ لامرأه تقطع رأس ملك في شتاء ١٧٩٣؛ حدث لعله فتح جرحًا لم يندمل إلى اليوم، وتمثال يحظى اليوم بحظ وافر من سخرية الفرنسيين التي تنصب على تلك المرأه الواقفة في الأعلى.

المصدر: دير شبيغل