من المظاهرات الشعبية في اليمن احتجاجًا على تردي الوضع الاقتصادي

من المظاهرات الشعبية في اليمن احتجاجًا على تردي الوضع الاقتصادي

اندلعت مظاهرات شعبية في المناطق اليمنية المحررة، احتجاجًا على تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية للمواطنين، فيما حاولت الأطراف السياسية اليمنية (الحكومة والمجلس الانتقالي) توظيف ذلك واستغلاله للضغط السياسي لتنفيذ مآربهما دون العمل على معالجات جذرية وسريعة لأوجاع الناس من الوضع المأساوي في المناطق المحررة.

تلك المظاهرات جاءت نتيجة دعوات من المجلس الانتقالي الجنوبي لأنصاره في محافظتي المهرة وشبوة شرقي اليمن، إلى الخروج للشوارع ومطالبة المجلس الانتقالي بفرض سيطرته على غرار ما قام به في أرخبيل سقطرى أواخر يونيو/حزيران 2020، بعد مظاهرات مفتعلة ضد حزب الإصلاح (إخوان اليمن)، انتهت بسيطرة عناصره على الجزيرة.

شماعة الإخوان في اليمن، أصبحت الطريقة الوحيدة لتعليق المجلس الانتقالي عليها الأخطاء التي يرتكبها في المحافظات المحررة وخصوصًا الجنوبية، بهدف تنفيذ أجندة فصل اليمن، لكن هذه المرة انقلب السحر على الساحر.

فمنذ توقيع اتفاق الرياض بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، يراوغ المجلس الانتقالي الجنوبي ويرفض الالتزام ببنوده ويمارس سلطته كأنه الدولة، بل وفوق ذلك أطلق يد جماعاته المسلحة للسيطرة على كل مرافق الدولة الخدمية وابتزاز المواطنين.

وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2020، عادت الحكومة اليمنية إلى عدن، بناءً على توقيع آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض بين طرفي الصراع المناهض لجماعة الحوثي المدعومة بقوة من إيران، وكان أمامهما مهمات جسيمة يفترض العمل عليها، لخدمة المواطن وإنعاش الحياة اليومية في المناطق المحررة، إلا أن المجلس الانتقالي الجنوبي عاد مجددًا لمضايقتها، وأطلق عناصره لاحتجاز تعسفي لوزراء في الحكومة الشرعية في شوارع عدن أو لرفض تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتارة يدعو لمظاهرات بهدف اقتحام قصر معاشيق عدن.

مرة بعد أخرى، يحاول المجلس الانتقالي الجنوبي، استغفال الشعب اليمني، ويتهم الحكومة اليمنية، وتحديدًا حزب الإصلاح الذي يسيطر على القرار السياسي والعسكري للحكومة اليمنية، أنها سبب انهيار تلك الخدمات

ونتيجة لأفعال المجلس الانتقالي الجنوبي، أصبحت الحكومة اليمنية في عدن، مجرد أسماء لا صلاحيات لهم، فكان من الطبيعي أن يعود كل الوزراء إلى الرياض، حاملين هموم ملفات شائكة، يصعب أن يتم حلها بالطريقة التقليدية، لا سيما أن الإمارات العربية المتحدة، تسعى بكل ما أوتي لها من قوة دبلوماسية واقتصادية لإفشال حكومة المناصفة، لأسباب غير معلومة حتى الآن.

أصبح المجلس الانتقالي الجنوبي متحكمًا بكل المرافق الحكومية منها الاقتصادية والأمنية والخدمية، وأصبح هو من يتحكم بالقرار السياسي في غالبية محافظات الجنوب المحررة، وهو المسؤول الأول عن كل الإخفاقات والنجاحات إن وجدت، لكنه فشل فشلًا ذريعًا في إدارة المرحلة.

خلال الأشهر القليلة الماضية، أصبحت عدن في فوضى أمنية، أعادت ذاكرة أبناء عدن إلى الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي، فضلًا عن ذلك انهارت الخدمات الأساسية في المحافظة وانهارت كذلك أسعار الصرف، ما تسبب في زيادة مهولة في أسعار المواد العذائية.

ونتيجة لهذا الانهيار السريع في الخدمات الأساسية والعامة، إضافة إلى الفوضى الأمنية، حاول المجلس الانتقالي الجنوبي جاهدًا أن يعالج كل تلك الاختلالات لكنه فشل، وحمل فشله على الحكومة اليمنية التي لا تستطيع العودة إلى العاصمة اليمنية المؤقتة عدن بسبب "بلطجة" المجلس الانتقالي.

مرة بعد أخرى، يحاول المجلس الانتقالي الجنوبي، استغفال الشعب اليمني، ويتهم الحكومة اليمنية، وتحديدًا حزب الإصلاح الذي يسيطر على القرار السياسي والعسكري للحكومة اليمنية، أنها سبب انهيار تلك الخدمات، وسبب نشر "قطاع الطرق" التابعين للمجلس الانتقالي الجنوبي، رغم أن الحكومة اليمنية أصبح لا حول لها ولا قوة في المناطق المحررة.

ولأن الشعب صبور، كان يستمع دائمًا لتبريرات المجلس الانتقالي ويسايرها، شجع المجلس الانتقالي على استغفاله أكثر، وحاول هذه المرة، أن ينقل كل مشاكل الحكومة اليمنية، على محافظتي حضرموت وشبوة، واتهمهما أنهما سبب ما يعانيه الشعب من سوء في التغذية، وانهيار في الخدمات الأساسية والحيوية، ودعا إلى مظاهرات بهدف تنفيذ أجندة معدة سلفًا للسيطرة على المحافظتين الغنية بالنفط والثروة السمكية، عسكريًا.

حرب المظاهرات

أصبحت الحكومة اليمنية فطنة لمثل هذه الألاعيب، وربما أصبح السعوديون من يمنحوهم المشورة في إدارة معركتهم مع المجلس الانتقالي الجنوبي، فبدلًا من أن تكون المظاهرات ضد الحكومة اليمنية وتطالب بالمجلس الانتقالي الجنوبي، دعمت الحكومة اليمنية مظاهرات داخل عدن للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية ودفع المرتبات ووقف انهيار العملة المحلية.

تفاجأ المجلس الانتقالي، أن ما كان يخطط له، انقلب ضده، وأصبحت الناس تطالبهم بالخروج من عدن، وأطلقت عليهم "قرود" كناية بأنهم ليسوا جديرين بالثقة ولا يمكن أن يحلوا قضية الجنوب كما وعدوهم.

ممارسات المجلس الانتقالي الجنوبي، أوصلت الشعب وأبناء عدن إلى قناعة أن الانفصال الذي تدعمه الإمارات هو دمار لهم، ولا يمكن أن يحل قضية الانهيار الاقتصادي، وهو ما عبر عنه الكثير من أبناء المحافظات الجنوبية، بأهمية البقاء ضمن الجمهورية اليمنية، وعودة الحكومة اليمنية.

كان رد فعل المظاهرات التي خرجت في عدن ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، عنيفة ومخيبة لآمال الإمارات، بل وكشفت ترابط الشعب شماله وجنوبه، وأن الانفصال الذي تنادي به الإمارات صعب المنال في الوقت الحاليّ، وربما في المستقبل، وهو ما قد نرى تغيرًا في السياسية الإماراتية تجاه الحكومة اليمنية خلال المرحلة المقبلة.

أدرك المجلس الانتقالي الجنوبي، أنه في ورطة كبيرة، ولم يجد ما يفعله لإطفاء تلك النار التي أشعلها، إلا الهروب نحو اصطناع مواجهة مسلحة مع المليشيا الحوثي، واتهم كل من يخرج طالبًا الحياة الكريمة ولقمة العيش بالعميل للحوثي، وهو ما أغضب الكثير من أبناء المحافظة وجزءًا كبيرًا من قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذين قدموا استقالتهم.

إعلان حالة الطوارئ

رغم أن المجلس الانتقالي، كان ينادي بحق أبناء الجنوب بالحرية والكرامة والعيش، فإنه وفي أول احتجاج شعبي على فشل المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يستطع أن يتحمل تلك المظاهرات، وخرج سريعًا لإعلان حالة الطوارئ، ودعا قواته إلى الضرب بيد من حديد لكل من يطالب بالحياة ولقمة العيش!

لابسًا البزة العسكرية، وعلى يمينه وشماله علما دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967 - 1990) والمجلس الانتقالي الجنوبي، خرج عيدروس الزبيدي على وقع الاحتجاجات الشعبية الغاضبة من فساد المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعنته لإفقار الشعب وعدم سماحه بعودة الحكومة اليمنية، متحدثًا بخطاب مقتضب معلنًا حالة الطوارئ والحرب على الحوثيين.

لم يعلن معالجات للوضع الاقتصادي المتردي، لكنه دعا عناصره إلى ضرب بيد من حديد على كل ما وصفهم بالجواسيس والحوثيين الذين يزعزعون استقرار دولته.

دائمًا كان يخرج في خطاباته وعلى جانبيه علما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى جانب علم المجلس الانتقالي، لكنه هذه المرة، ظهر على غير العادة، وهو ما يفسر أن الإمارات بدأت تتخلى عنهم، إضافة إلى أن المملكة العربية السعودية، أدركت مؤخرًا أن المجلس الانتقالي له أجندة تتوافق مع الحوثيين في محاربة الحكومة اليمنية ومنعها من العودة للبلاد، بهدف إفشالها من استعادة الدولة من الانقلاب الحوثي.

المساس بالوحدة اليمنية، يهدد مباشرة نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، وهذا لا بد أن يفهمه المجلس الانتقالي الجنوبي إذا كان بالفعل يعمل مع التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن

لم يدع الحكومة اليمنية إلى العودة، ولم يدع التحالف العربي للتدخل لتنفيذ اتفاق الرياض، وهي إشارة إلى التخبط الواضح في خطابه الأخير والارتباك السياسي الحاصل، والشعور بالفشل، إضافة إلى رسالة عتاب للمملكة، بأنها تتخلى عنهم في ظروف هم بحاجة لدعمها لاستكمال مشروع الانفصال الذي ترفضه السعودية بشدة، على اعتبار أن الانفصال يمنح الشمال لإيران لاتخاذه منطلقًا لتهديد المملكة العربية السعودية.

أصبحت الوحدة اليمنية بالنسبة للمملكة العربية السعودية في هذا الوقت، أكبر أهمية لها، وأمن قومي لا يمكن المساس به، فالمساس بالوحدة اليمنية، يهدد مباشرة نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، وهذا لا بد أن يفهمه المجلس الانتقالي الجنوبي إذا كان بالفعل يعمل مع التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن.

خلاف تراكمي

يبدو أن المملكة العربية السعودية، بدأت تشعر أن المجلس الانتقالي الجنوبي يساهم كثيرًا بإفشال أهداف التحالف العربي، وكذلك يعرقل تنفيذ القرارات الدولية بشأن اليمن، منذ أن ساهم في إخماد قبائل محافظة البيضاء اليمنية التي ساعدت المليشيا الحوثية في إسقاط محافظة البيضاء والتقدم نحو محافظتي شبوة وأبين، ولجأت لخطة أخرى.

صمت المملكة العربية السعودية على انهيار العملة اليمنية في ظل غياب الحكومة من العاصمة المؤقتة عدن، ساهم كثيرًا في زيادة الاحتقان الشعبي ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، وكان باستطاعة المملكة أن تتدخل وترفد البنك المركزي بمعونة نقدية بهدف وقف نزيف الريال اليمني أو تزويد محطات الكهرباء بالوقود للمساهمة في إنارة عدن بالكهرباء خصوصًا في الأجواء الصيفية الحارة التي تعرف بها محافظة عدن.

كان خطاب عيدروس الزبيدي، واضحًا بمغازلة السعودية وإرسال لها رسالة أن الحرب مع الحوثي وأنهم أي المجلس الانتقالي، على استعداد لاستكمال الحرب و"حتى إن خضتم بنا البحر لخضناه معكم"، وتلك الرسائل متأخرة جدًا، وربما لن تشفع للمجلس الانتقالي أن يستعيد الثقة به، خصوصًا أنه ساهم بإسقاط محافظة البيضاء الإستراتيجية (جنوب شرق وتربط ثماني محافظات في الشمال والجنوب) بيد الحوثيين.

فضلًا عن ذلك يرفض المجلس الانتقالي تنفيذ الشق العسكري من اتفاق الرياض، ونتيجة ذلك، اشتعل الخلاف الداخلي بين المكونات اليمنية المناهضة للمشروع الإيراني في المنطقة، وهو ما يستغله الحوثيون لتوسيع السيطرة على المناطق المحررة.

ضغط دولي

بعد هذا الوضع الذي يبدو أن المملكة السعودية استطاعت أن ترهق المجلس الانتقالي الجنوبي وتحجيمه، وحركت الرباعية الدولية (أمريكا وبريطانيا والإمارات والسعودية) لتبني دعوات عودة الحكومة اليمنية، إلى محافظة عدن، وأهمية تنفيذ اتفاق الرياض.

وقالت الرباعية الدولية إن عودة الحكومة اليمنية إلى عدن في أقرب وقت ممكن، سيكون له دور فعال في الإشراف على الدعم الدولي المستقبلي للانتعاش الاقتصادي، وهي رسالة أن لا دعم دولي ولا خليجي طالما رفض المجلس الانتقالي الجنوبي عودة الحكومة اليمنية، وهي إشارة إلى تصعيد دولي قريب ضد المجلس الانتقالي الجنوبي.

الخلاصة

المجتمع الدولي يبدو أنه عازم على إعادة تقييم المعركة العسكرية في اليمن، بعد أن فشلت كل محاولاته لإقناع الحوثيين بأهمية السلام في اليمن، وذلك لن يتم ما لم يكن هناك ضغط عسكري وسياسي من الطرف المناهض للمشروع الإيراني في اليمن، وهذا لن يتحقق في ظل الخلافات الموجودة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

ستلجأ المملكة العربية السعودية وبدعم دولي، إلى تنفيذ اتفاق الرياض وتوحيد المكونات السياسية عسكريًا وإعلاميًا لمواجهة الحوثي عسكريًا، وتلك طريقة أو إحدى الأوراق التي قد تلعب بها السعودية والمجتمع الدولي لإجبار الحوثيين على الحوار السياسي لإنهاء الحرب في اليمن بناء على المرجعيات الدولية.

فيما يخص المجلس الانتقالي الجنوبي، حاول اعتبار أن ما يحدث مؤامرة داخلية والهروب من أن يقدم الخدمات الأساسية وخدمة المواطنين، إلى ما اعتبرها مواجهة مع الحوثي، وفي كل الأحوال هي مغازلة التحالف العربي، وتعني أن التحالف ترك المجلس الانتقالي لمواجهة مصيرة شعبيًا.

الخلافات السياسية بين المكونات اليمنية وخصوصًا المجلس الانتقالي الجنوبي والإخوان المسلمين والمؤتمر الشعبي العام وكل الأحزاب السياسية، يمكن أن يتم حلها وفقًا لحوار وتفاهمات داخلية، لكن ما لم يتم حله هو الخلاف مع الحوثيين الذين يسعون للهيمنة على البلاد.