بدأ سعيد في خسارة الشارع الذي كان يحتكر الحديث باسمه

بدأ سعيد في خسارة الشارع الذي كان يحتكر الحديث باسمه

لأكثر من 50 يومًا بقي الشارع حكرًا على قيس سعيد، حتى تلك الفعاليات المناهضة لانقلابه الدستوري، وعلى قلتها، تم قمعها والتنكيل بالمشاركين بها حتى يظهر للعالم أنه الماسك بزمام الأمور وأنه يحتكر الشرعية الشعبية لنفسه.

هذا السبت عرفت تونس منعطفًا مهمًا، فقد نظم آلاف التونسيين وقفة احتجاجية أمام المسرح البلدي في قلب العاصمة للتنديد بقرارات الرئيس قيس سعيد الأحادية ونهجه التسلطي، وقفة احتجاجية سيكون لها ما بعدها، في ظل الضغط الداخلي والخارجي الكبير الممارس على سعيد للعودة إلى المسار الديمقراطي والنأي بتونس عن انزلاقات خطيرة هي في غنى عنها.

العديد من الأسئلة تطرح الآن، هل سيواصل سعيد ادعاء احتكار الشارع وامتلاك المشروعية الكافية للمضي في فرض برنامجه الغامض على التونسيين، أم أنه سيتراجع خطوات إلى الوراء؟ أيضًا وهو الأهم: هل سعيد هو المتحكم في المشهد أم أنه مجرد مفعول به سيتم التخلص منه متى انتهت مهمته؟

احتجاجات مناهضة لسعيد

احتجاجات يوم السبت شارك فيها آلاف التونسيين رغم أنها جاءت على عجلة ولم يتم التحضير لها مبكرًا، إذ احتشد المحتجون أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، ودعوا إلى إعادة العمل بدستور البلاد وتفعيل المؤسسات الدستورية وعلى رأسها البرلمان الذي تم تعليقه بعد التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد يوم 25 من يوليو/تموز الماضي.

رفع المشاركون في هذه الوقفة الاحتجاجية شعارات تطالب بالحفاظ على مكتسبات الثورة التونسية، لا سيما الحريات التي يقولون إنها باتت مهددة في ظل الملاحقات الأمنية والقضائية العسكرية لعدد من معارضي الرئيس.

هذه الضبابية وحالة عدم الاستقرار، جعلت التونسيين يخشون الأيام القادمة، فهم لا يعرفون إلى أين تسير بلادهم

إلى جانب ذلك طالب المحتجون سعيد بالرجوع عن انقلابه على الدستور ومكتسبات الثورة التونسية، ودعوا إلى إطلاق سراح معتقلي الرأي الذين يخضعون لمحاكمات عسكرية، كما طالبوا بالرجوع إلى المسار الديمقراطي الذي قامت من أجله الثورة في تونس، متهمين سعيد بتعطيل مؤسسات الدولة وقيادة البلاد إلى المجهول، على حد تعبيرهم.

بالتوازي مع ذلك، نظم تونسيون وقفات احتجاجية مناهضة لقيس سعيد، في فرنسا وبلجيكا وهولاندا، طالبوا خلالها بضرورة وضع حد للتدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس، التي شملت تجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة.

سعيد بدأ يفقد الشارع

انتهت الوقفة الاحتجاجية، وتعهد المشاركون فيها أن يكرروا الأمر السبت المقبل ما دام سعيد مصرًا على المضي في فرض برنامجه الغامض على التونسيين، لكن هذه الوقفة الاحتجاجية يمكن اعتبارها علامةً فاصلةً، فلأول مرة يخرج هذا العدد للشارع للتعبير عن رفضه لقرارات سعيد وتحركاته.

التنديد كان لا يتجاوز مواقع التواصل الاجتماعي أو الحديث الثنائي في المقاهي، لكن هذه المرة اختار عدد كبير من التونسيين النزول للشارع والحديث مع سعيد باللغة التي يفهمها، فلطالما ادعى الرئيس احتكاره لسلطة الشارع وأنه الماسك بزمام الأمور هناك.

كان سعيد يعتقد لوقت طويل أن معركة الشارع محسومة لصالحه، غير أن احتجاجات السبت أثبتت عكس ذلك، فهذه المعركة لا أحد له أن يحسمها لنفسه بسهولة إن لم يستجب لانتظارات التونسيين وينفذ مطالبهم.

 

صحيح أن البرلمان الذي جمد قيس سعيد أعماله والأحزاب التي كانت ممثلة فيه لم تقدم الكثير للتونسيين، بل وساهمت أيضا في تردي أوضاع البلاد، لكن جاءت عبر الانتخابات وعبر الانتخابات فقط يتم تغييرها وليس عبر الانقلابات.

يرى المحلل السياسي سليم الهمامي في حديثه لنون بوست، أن الصورة التي اجتهد الرئيس في إيصالها للشعب ومختلف الفاعلين من أن الغالبية العظمى للشعب مساندوه ومؤيدوه، قد سقطت في الماء، خاصة أن قيس سعيد لم يحرك ساكنًا ولم يرد الفعل تجاه تلك الهبة إلا عبر بعض مسانديه الذين سعوا جاهدين لترذيل الوقفة وتقزيمها.

الغموض يعزل سعيد

لأول مرة منذ انقلاب قيس سعيد الدستوري، يخرج التونسيون بهذه الكثافة للشارع للتعبير عن رفضهم لما يحصل في بلادهم، ما من شأنه أن يزيد من عزلة الرئيس العاجز إلى حد الآن عن وضع خريطة طريق للمرحلة المقبلة للبلاد.

منذ الانقلاب ما فتئ سعيد ومستشاروه وبعض حاشيته يؤكدون أنها مسألة أيام فقط وبعدها الإعلان عن الحكومة وبرنامج الرئيس الذي من شأنه أن ينقذ البلاد من أزماتها المتعددة والخانقة، لكن مر أكثر من 50 يومًا دون أن يرى التونسيون شيئًا إلا بعض التصريحات الشعبوية التي ملوا سماعها.

هذه الضبابية وحالة عدم الاستقرار، جعلت التونسيين يخشون الأيام القادمة، فهم لا يعرفون إلى أين تسير بلادهم، فالرئيس لا يُفصح عن توجهه وكل خطاباته تهم موجهة لمجهولين يتمنى التونسيون أن يتم كشفهم، لكن تبقى مجرد أمنيات.

7 أسابيع، مرت على انقلاب قيس سعيد الدستوري، والبلاد دون حكومة ولا مؤسسات، فجميع السلطات ظاهريًا عند قيس سعيد، ما يجعل الغموض سيد الموقف في تونس التي كانت إلى وقت قريب الاستثناء العربي والمؤهلة إلى أن تكون الديمقراطية المكتملة في المنطقة.

في هذا الشأن يقول سليم الهمامي لنون بوست: "يمر أكثر من خمسين يومًا على الانقلاب الدستوري، ولم يتغير شيء في تونس إلا الإسراع بخطى حثيثة نحو المجهول، إلا أنه وبعد ترقب حذر، بدت أوجه الامتعاض من القاصي والداني في البروز، من مؤيدي ما يسمى الإجراءات الاستثنائية وتصحيح المسار، قبل معارضيه".

يمكن أن يكون سعيد قد نفذ انقلابه بقرار فردي ولم يُدفع له، لكن المتأمل لحيثيات ما يجري في تونس، يرى أن هناك جهات خفية تدفعه

لا يوجد أحد في تونس يعلم إلى أين تسير البلاد، وكيف يفكر الرئيس قيس سعيد، لكن ما يعلمه الجميع أن هذه الحالة خطر على البلاد ومستقبلها، ما جعل صبر العديد من التونسيين ينفد حتى هؤلاء الذين صفقوا لسعيد عند انقلابه بدأوا يفكون ارتباطهم عنه.

هذا الأمر من شأنه أن يزيد عزلة قيس سعيد، فدوليًا يواجه الرئيس التونسي ضغطًا كبيرًا للرجوع للمؤسسات الدستورية ووقف حالة الاستثناء، وداخليًا أيضًا يوجد شبه اجتماع لدى السياسيين والأحزاب في رفض قرارات سعيد، والآن ها هو الشارع الذي طالما احتكر سعيد الحديث باسمه قد بدأ صبره ينفد.

الكلام وحده وادعاء الحرب على الفساد لم يعد كافيًا للسيطرة على التونسيين وكسب ودهم، فالتونسيون يودون رؤية تحركات حقيقية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيش على وقعها البلاد، وما زاد من حيرة التونسيين تركيز سعيد على الدستور وسعيه لتعليق العمل به أو تعديله رغم أن لا دخل للدستور في أزمات البلاد.

من المسيطر على الوضع؟

عدم تحرك قيس سعيد بالسرعة الكافية في أعقاب انقلاب 25 من يوليو/تموز، وحالة الغموض التي سيطرت على تحركاته في هذه الفترة جعلت العديد من التونسيين يتساءلون عن الفاعل الرسمي في البلاد والمسيطر الحقيقي على الوضع، هل هو سعيد أم طرف آخر مجهول؟

يرى المحلل السياسي سعيد عطية في حديث لنون بوست، أن "قيس سعيد هو الفاعل واللاعب الأساسي في المرحلة الحاليّة ويأخذ قراراته بصفة فردية، وحتى القريبين منه كثيرًا ما تفاجأوا بهذه القرارات"، لكن في نفس الوقت لا يستبعد عطية أيضًا أن يكون قيس سعيد مفعولًا به من خلال مغالطته بتقارير استعلامتية أحيانًا وأحيانًا أخرى من خلال فرض سياقات معينة بطريقة غير مباشرة".

جدير بالذكر أن قيس سعيد لا يمتلك حليفًا سياسيًا يعتمد عليه للمضي في برنامجه الغامض، فهو يرفض الأحزاب السياسية من البداية ويُقر بذلك، حتى القوات الأمنية والعسكرية التي يرتكز عليها حاليًّا لا يبدو أنها تسانده في المطلق، ولا يتوقع أن تشاركه التوجه نحو تكريس النظام الاستبدادي الذي يريد، لأسباب يطول شرحها.

يمكن أن يكون قيس سعيد قد نفذ انقلابه بقرار فردي ولم يُدفع له، لكن المتأمل لحيثيات ما يجري في تونس، يرى أن هناك جهات خفية تدفع قيس سعيد تارة نحو التصعيد وأخرى نحو التهدئة، فهي تنفذ برامجها من خلاله.

 

سبق أن أكد النائب في البرلمان التونسي الصافي سعيد أن الرئيس قيس سعيد "مسجون" داخل قصر قرطاج، وما أسماها "الأجهزة" هي التي تدير الأمور، كان ذلك في لقاء للنائب مع إذاعة "إي إف إم" الخاصة.

وأوضح الصافي سعيد، أنه طلب لقاء الرئيس لتسليمه رسالة تتضمن مبادرة مقدمة من 70 نائبًا (نحو ثلث أعضاء البرلمان المجمد)، لكن طلبه قوبل بالرفض، كما تمت قراءة الرسالة عدة مرات من عناصر الأمن قبل تسليمها لمكتب الرئيس.

تعقيبًا على ما حصل له أمام قصر قرطاج قال: "اكتشفت أن الرئيس قيس سعيد سجين ومعزول داخل القصر، والأجهزة هي التي تدير الأمور"، واستشهد النائب المذكور بحالة الرئيسين الراحلين الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والفرنسي شارل ديغول اللذين حكما تحت ظل "الأجهزة".

السؤال المطروح هنا: من يتحكم في خيوط اللعبة؟ إذا ما استثنينا قيس سعيد، فالعديد من الجهات تبدو مستفيدة مما يحصل في البلاد ومن الاضطرابات التي تعرفها تونس حاليًّا التي ستعيد تشكيل الخريطة السياسية فيها، الأمر الوحيد المعلوم أن الشعب سئم ما يحدث ولا يُستبعد أن ينفجر في أي لحظة.