يسير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الخطى ذاتها التي أوصلته عام 2017 إلى سدّة الحكم من خلال النبش في قضايا التاريخ، خاصة ما تعلّقَ بماضي باريس المشين في الجزائر، نظرًا إلى أن هذا الملف يستطيع أن يُكسبه أصوات في الانتخابات الرئاسية المقبلة تأتي من الجالية الجزائرية أو من الفرنسيين المتطرِّفين.

وبعد أن بنى حملته الانتخابية الماضية على وصف الاستعمار الفرنسي بالجزائر بجريمة حرب ضد الإنسانية، عكسَ ماكرون هذه المرة الجهة ليقوم بتكريم الحركى (الجزائريون الخونة الذين وقفوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي) عبر الاعتذار منهم وتقديم تعويض لهم، لتشكِّل بذلك حرب الجزائر مرة أخرى وقود حملته الانتخابية للفوز بولاية رئاسية ثانية.

اعتذار

في حفل تكريمي بقصر الإليزيه، استقبلَ ماكرون يوم الإثنين حوالي 300 حركي وأحفادهم، ليعلن عن مشروع قانون لـ"تعويض" هذه الفئة التي طالما اتُّهمت باريس بالتخلي عنها رغم خيانتها لوطنها ووقوفها إلى جانب سلطات الاحتلال.

والحركيون أو الحركى كما يُسمّون في الجزائر، مصطلح يُطلَق على الخونة من الجزائريين الذين كانوا ضمن الجيش الفرنسي أو عملاء وجواسيس له خلال ثورة التحرير التي قادها الجزائريون ضد الاستعمار، وبقيَ هذا المصطلح مذمَّة في الجزائر، فأي شخص واشٍ أو تخلى عن وطنيته يُشتم بلقب "حركي".

وتذكر تقارير تاريخية أن ما بين 150 ألف إلى 200 ألف حركي عملوا ضمن القوات الفرنسية، وبعد اضطرار فرنسا لمغادرة الجزائر جُرِّدوا من أسلحتهم وتُرِك قسمٌ منهم هناك فيما غادر آخرون إلى باريس.

وتذكرُ التقارير أنه بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 19 مارس/ آذار 1962 الذي يُحتفل به في الجزائر كعيد للنصر، استقبلت باريس 82 ألف حركي بصفة رسمية وسرّية على الأقل، لكن عند وصول هؤلاء إلى بلاد الاستعمار غيّرَت السلطات الفرنسية طريقة تعاملها معهم، فقامت بوضعهم في خيم ومراكز للاجئين، ليُفرزوا بعد السبعينيات إلى أحياء شعبية، وظلّوا من وقتها رفقة منظمات وأحزاب ممجِّدة للاستعمار يتهمون فرنسا الرسمية بالتخلي عنهم.

وقال ماكرون إن "الحركى خدموا فرنسا وجازفوا بحياتهم وعائلاتهم" من أجلها، لكنها لم تقُمْ بواجبها إزاء هؤلاء بعد استقلال الجزائر.

وإذا كان ماكرون قد حقق جزءًا من مطالب الحركى، إلا أنها تبقى غير كافية بالنظر إلى أن الجزء الآخر يتعلق بموقف الجزائر التي تمنع زيارتهم إلى بلدهم الذي ولدوا فيه، باعتبارهم خونة وتمَّ سحب الجنسية الجزائرية منهم، حتى إن حدث تراخٍ مع بعضهم في السنوات الأخيرة.

وأضاف ماكرون: "أقول للمقاتلين: لكم امتناننا، لن ننسى. أطلب الصفح، لن ننسى"، معقّبًا: "قبل نهاية السنة سيُطرح مشروع يهدف إلى أن نضمِّن قوانيننا اعترافًا بالحركيين والتعويض لهم"، كما أكّد أن "شرف" الحركيين يجب أن يُحفَر في الذاكرة الوطنية الفرنسية.

وظلَّ ملف الحركى ورقة انتخابية يستعملها المرشحون للرئاسة الفرنسية لاستهداف أصواتهم وصوت باقي الفرنسيين من بلدان المستعمرات الذين لا تختلف حالهم عن حالة هؤلاء الخونة، لذلك أصرَّ ماكرون أن يطلب الصفح منهم بعد أن كان سلفه فرانسوا هولاند قد اعترف بـ"مسؤولية الحكومات الفرنسية بالتخلي عن الحركيين".

ويشكِّل الحركى وأُسرهم اليوم في فرنسا قاعدة انتخابية تُستقطب من قبل أحزاب اليمين، خاصة المتطرِّف منه المتمثِّل في التجمع الوطني الذي تقوده مارين لوبان التي علّقت على خطوة ماكرون قائلة في تغريدة عبر تويتر: "سخاء إيمانويل ماكرون الانتخابي لن يصلح عقودًا من الازدراء".

وإذا كان ماكرون قد حقّق جزءًا من مطالب الحركى، إلا أنها تبقى غير كافية بالنظر إلى أن الجزء الآخر يتعلق بموقف الجزائر التي تمنع زيارتهم إلى بلدهم الذي ولدوا فيه، باعتبارهم خونة وتمَّ سحب الجنسية الجزائرية منهم، حتى إن حدث تراخٍ مع بعضهم في السنوات الأخيرة.

وبداية العام الماضي، تسلّمَ ماكرون تقرير المؤرِّخ بنجامين ستورا المتعلق بملف الذاكرة مع الجزائر، والذي دعا إلى ضرورة زيادة التعاون بين فرنسا والجزائر لتمكين الحركى من التنقل بسهولة بين البلدَين، غير أن الجزائر انتقدت ما جاء في التقرير واعتبرت نفسها غير معنية بتوصياته، كونه كرّسَ النظرة الفرنسية السابقة في التعامل مع ملف ماضيها الاستعماري الشنيع الذي دام 132 عامًا.

على الحبلَين

في هذا الاحتفال والاعتراف التاريخي الذي قدّمته فرنسا الرسمية للحركى، حرصَ ماكرون رغم ذلك على عدم فقدان أصوات الشريحة الأخرى المرتبطة بما يُسمّى بـ"حرب الجزائر"، والمتمثلة في الجالية الجزائرية الموجودة ببلاده والتي تقدِّرها تقارير غير رسمية بـ 5 ملايين مهاجر على الأقل.

وقال الرئيس الفرنسي في كلمته إن بلاده تعترف بـ"كل الذاكرات، وعلينا أن نتحلى بالشجاعة، وعلى كل طرف أن يعترف بالحقيقة".

ومساء الإثنين، بعد ساعات معدودة من انتهاء احتفائه بالحركى، سارع ماكرون لمهاتفة نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حسبما أعلنت الرئاسة الجزائرية التي أشارت إلى أن الرئيسَين بحثا خلال هذا الاتصال العلاقات الجزائرية الفرنسية وقضايا إقليمية، لا سيما الوضع في ليبيا ومنطقة الساحل، دون الإشارة إن كان ملف الذاكرة ضمن المحاور التي تطرّقَ إليها تبون وماكرون.

وفي فبراير/ شباط 2017، قال ماكرون خلال حملته الانتخابية حين زارَ الجزائر في تصريح لقناة "الشروق نيوز" الخاصة: "إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقّهم هذه الممارسات".

غير أن ماكرون سرعان ما تنصّلَ من تصريحاته حين وصل لقصر الإليزيه، ولم يتجرأ مرة أخرى على تأكيد أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر جريمة ضد الإنسانية، حتى إن واصل الترويج لخطابه المتعلق بمعالجة ملف الذاكرة، لكن بعيدًا عن المطالب الجزائرية المنادية باعتراف باريس بجرائمها والاعتذار عنها والتعويض.

ويقول ماكرون ان معالجة ملف الذاكرة يجب أن تكون بعيدة عن مطالب التوبة، لأن الجيل الجديد في البلدَين -حسبه- ينظر إلى المستقبل بعيدًا عن جدال الماضي، وهو ما يشكّل ازدواجية في سلوكه المتعلق بالماضي الاستعماري في باقي الدول الإفريقية، إذ طلبَ الرئيس الفرنسي شهر مايو/ أيار الماضي حين زيارته لرواندا من سكان البلد الصفح عن باريس لدورها في الإبادة الجماعية هناك عام 1994، التي قُتل فيها نحو 800 ألف شخص من عرقَي التوتسي والهوتو.

انعكاسات

على الدوام، ظلَّ ملف الذاكرة ينغّص على العلاقات مع الجزائر ويشكّل التعاطي معه ورقة رابحة أو ضاغطة للمترشحين للرئاسة في فرنسا، بالنظر إلى أن التعامل مع الجزائر بمنزلة مؤشِّر لقياس سياسة باريس بشأن التعامل مع المهاجرين والأفارقة والمسلمين.

ورغم قيام ماكرون مقارنةً بسابقيه من الرؤساء بخطوات لمعالجة ملف الذاكرة، كتسليم بعض جماجم شهداء المقاومة الشعبية الجزائرية الذين كانوا بمتحف الإنسان بباريس للسلطات الجزائرية، وتكليف بنجامين ستورا بإعداد تقرير حول ملف الذاكرة حتى لو كان ناقصًا، وكذا اعترافه بما ارتكب في حقّ موريس أودان وعلي منجلي، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتحقيق ما يريده الجزائريون خاصة بعد حراك 22 فبراير/ شباط 2019، وهو ما كان له أثر سلبي على علاقات البلدَين وتراجُع التعاون الاقتصادي بينهما، خاصة بعدما خسرت عدة شركات فرنسية صفقات بالجزائر.

وفي 8 مايو/ أيار الماضي خلال الاحتفال بالذكرى 76 للمجازر التاريخية التي ارتكبتها باريس بعدة مدن جزائرية، وذهب ضحيتها 45 ألف جزائري؛ أشار الرئيس تبون بصريح العبارة إلى أن عدم معالجة ملف الذاكرة بين البلدَين لن يسمح لترقية العلاقات بينهما إلى المستوى الاستراتيجي الذي ترغب فيه باريس.

وقال تبون إن "جودة العلاقات مع فرنسا لن تتأتّى دون مراعاة التاريخ ومعالجة ملفات الذاكرة، والتي لا يمكن بأي حال أن يتمَّ التنازل عنها مهما كانت المسوِّغات".

وحسب الرئيس تبون، فإن عدم استطاعة فرنسا على التخلُّص من عقدتها التاريخية ومعالجة المشاكل مع الجزائر كما يجب، يعود إلى وجود لوبيات معادية للجزائر تتحكم في صنع القرار هناك، كما قال إن "الرئيس الفرنسي على دراية بوجود لوبي قوي يسعى إلى تقويض العلاقات بين البلدَين".

من المؤكد أن الإجراءات التي قام بها ماكرون لصالح الحركى ما هي إلا الجرعة الأولى من حملته الانتخابية الرئاسية المسبقة، لأنه من المنتظر أن تحمل الأيام والأشهر المقبلة الكثير من التصريحات والمواقف بشأن العلاقات مع الجزائر.

وفصّل تبون أنها في الحقيقة "3 لوبيات ولا أحد منها يتوافق مع الآخر"، موضِّحًا أن اللوبي الأول من المعمّرين الذين غادروا الجزائر بعد الاستقلال ويغذّون حقدهم لأحفادهم، والثاني امتداد لما يُسمّى بالجيش السرّي الفرنسي، ولوبي آخر متكوِّن من جزائريين اختاروا الوقوف مع فرنسا.

ورغم وجود 400 شركة فرنسية تنشط في الجزائر على الأقل، إلا أن تقديرات تشير إلى خسارة باريس نحو 18 مليار دولار على الأقل في السنوات الأخيرة، خاصة بعد عدم التجديد لعدة شركات منها "راتيبي باريس" التي كانت تسيّر مترو الجزائر، و"سويز" التي كانت تتولّى عملية توزيع المياه في عدة ولايات منها العاصمة الجزائر ووهران غرب البلاد، وأهم هذه الصفقات عدم قبول الحكومة الجزائرية بيع فروع لشركة "أنداركو" الأمريكية النفطية بالجزائر لصالح "توتال" الفرنسية.

لا أحد اليوم يستطيع أن ينكرَ أن العلاقات الجزائرية الفرنسية التي كانت في العقدَين الماضيَين في أعلى مستوياتها، خاصة بالنسبة إلى باريس، تمرُّ اليوم بأحلك أيامها بعد تراجُع النفوذ الفرنسي، وهو ما يظهره تأجيل زيارة الوزير الأول الفرنسي جان كاستكس إلى الجزائر التي كانت مقرَّرة في أبريل/ نيسان الماضي، لتحضير اجتماع اللجنة العليا المشتركة للتعاون بين البلدَين، والتي لم تتمَّ حتى الآن حيث أظهرت الأشهر المتوالية أن سبب عدم إجرائها ليست جائحة كورونا كما قالت باريس، إنما لوجود خلاف حقيقي بين البلدَين.

ومن المؤكد أن الإجراءات التي قام بها ماكرون لصالح الحركى ما هي إلا الجرعة الأولى من حملته الانتخابية الرئاسية المسبقة، لأنه من المنتظر أن تحمل الأيام والأشهر المقبلة الكثير من التصريحات والمواقف بشأن العلاقات مع الجزائر، لأن هذا الملف شكّلَ على الدوام إحدى الأوراق الرابحة للوصول إلى قصر الإليزيه، ليس لماكرون فقط إنما لكلِّ سياسي فرنسي يرغب تقلُّد الحكم في بلاده.