مع بدء العدّ التنازلي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 أكتوبر/ كانون الأول المقبل، عادت التوترات إلى الساحة السياسية في البلد الذي يُكافح من أجل إنهاء حالة الانقسام والفوضى المسلحة، ورغم استئناف قنوات الحوار بشكل غير مباشر بين حكومة عبد الحميد الدبيبة والبرلمان الواقع في الشرق على إثر قرار سحب الثقة المفاجئ، إلا أن الوضع مرجّح إلى التصعيد في أي لحظة ويزيد من فرضيات تأجيل الاستحقاقات الانتخابية.

 

الاتفاق الضمني الأخير بين الفاعلين السياسيين، وخاصة بين المؤسسات التي تدير الشأن العام الليبي، على تطبيع العلاقات فيما بينها وإبقاء الوضع على ما هو عليه، مع ضرورة الإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية واستمرارها في مهامها بشكل طبيعي إلى حين إجراء الانتخابات في موعدها المحدَّد؛ لا يعني بالضرورة أنه هدنة سياسية واتفاق لإنهاء الخلافات السياسية، فالملفات العالقة كالقانون الانتخابي والقاعدة الدستورية تنذر بتصاعد التوتر في المرحلة القادمة.

التوترات

التوتر بين مؤسسات الدولة وصل أقصاه بعد أن صوّت مجلس النواب الليبي بغالبية 89 نائبًا من أصل 113 حضروا الجلسة، لسحب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، في خطوة عُدَّت مفاجئة كونها جاءت بعد يوم واحد من توافُق المشرّعين على مساءلة وزراء الحكومة أمام البرلمان.

ردّ حكومة الوحدة الوطنية لم يتأخر، فقد أعلن عبد الحميد الدبيبة رفضه لقرار البرلمان سحب الثقة من حكومته، قائلًا إنه سيواصل مهامه لاستكمال ما بدأه حتى توحيد البلاد وإجراء الانتخابات، داعيًا أمام تجمع في مدينة الزاوية الواقعة غرب البلاد، كافة الليبيين من جميع المدن للخروج إلى الشارع يوم الجمعة والاحتشاد في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس للتعبير عن آرائهم ودعم الحكومة.

المجلس الرئاسي الليبي بدوره دخل على الخط، وأصدر بيانًا دعا فيه لاستمرار حكومة الدبيبة في عملها وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية، ودعم العملية الانتخابية والالتزام باتخاذ الإجراءات المطلوبة لتمكين مؤسسات الدولة للقيام بمهامها، مشدّدًا على ضرورة "التزام جميع الأطراف بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية، وتجنُّب كل ما من شأنه زيادة التوتر الشعبي، والعمل على جعل التهدئة ضمانًا لسير العملية الانتخابية في مناخ إيجابي".

 

سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية يأتي بعد انقسام حاد بين السلطات المتفرقة في ليبيا، حيث ساد التوتر والخلاف السياسي في وقت سابق، بعد إعلان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح مصادقته على قانون للانتخابات الرئاسية، وُصف بأنّه أُعدَّ على مقاس اللواء المتقاعد خليفة حفتر بسبب عدم عرضه للتصويت في جلسة رسمية.

تلك الخطوة دفعت المجلس الرئاسي إلى وصف الإجراء بـ"الأحادي"، ومحاولة صالح عرقلة الانتخابات المقبلة بتعمُّده إصدار "قانون معيب"، مشيرًا إلى أنه بموجب الاتفاق السياسي الليبي يحتاج إصدار القوانين إلى تشاور مع المجلس الأعلى للدولة، وموافقة الأخير ضرورية على القوانين المنظِّمة للانتخابات.

ملفات عالقة

التوترات قائمة ولن تنتهي في ظل التحديات والتطورات المتسارعة، وعدم وجود خيار واقعي وفعّال متفق عليه من قبل الليبيين يجنّبهم مخاطر الانسداد في العملية السياسية، ما يعني أن الاستحقاق الانتخابي مهدَّد وأن العودة إلى مربّع صفر غير مستبعدة في ظلِّ معارك كسر العظام بين الشرق والغرب.

فتراجُع برلمان صالح عن قرار سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، بعد اجتماع عبد الحميد الدبيبة مع النائب الأول لرئيس مجلس النواب (البرلمان) الليبي فوزي النويري، لم يكن بدافع المصلحة الوطنية بقدر ما كان رضوخًا للقوى الغربية المتحكِّم الفعلي في العملية السياسية، وكذلك البعثة الأممية التي أكّدت أن "الحكومة تظل معها الشرعية، حتى استبدالها عبر عملية منتظمة تعقب الانتخابات".

 

أما فيما يخص النقاط التي من المنتظر أن تخلقَ توترًا وخلافًا بين الغرب والشرق، فإن إرساء المصالحة الوطنية يعدّ عنصرًا أساسيًّا في إنجاح العملية السياسية يأتي على رأس قائمة الملفات الشائكة، فضلًا عن إخراج المرتزقة من البلاد.

هذه الخطوات وصفها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بالأولويات القصوى، وهي من ضمن شروط إجراء انتخابات نزيهة وشفافة، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية التي تشكل تحديًا حقيقيًّا لبلاده في أقرب الآجال.

في غضون ذلك، فإن الخلافات المستمرة بين حكومة الوحدة الوطنية وبرلمان طبرق بقيادة عقيلة صالح، تمثِّل جانبًا من الصراع المستمر على السلطة بين الأطراف الليبية الذي من شأنه أن يحدَّ من إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها أو الوصول إلى حكومة مستقرة في ليبيا.

المترشحون والتحالفات

كما تتصاعد المواجهات السياسية في ليبيا، تتسارع خطوات الاستعداد للاستحقاق الانتخابي وتحركات الطامحين للوصول إلى السلطة، مستغلين حالة التوتر السياسي لكسب النقاط وحشد الجماهير من أجل ضمان مكان في قائمة المتنافسين وفي خريطة التحالفات.

اللواء خليفة حفتر الذي انطفأت شموعه بعد هزيمته المذلّة على أسوار العاصمة طرابلس، كان أكثر المستفيدين من الصراع السياسي والتوتر الحاصل بين مؤسسات السلطة، ما دفعه إلى إعلانه الترشُّح للانتخابات الرئاسية بصفة شبه رسمية، بعد تكليفه للفريق عبد الرازق الناظوري بمنصب القائد العام للقوات المسلحة لمدة 3 أشهر، وهي المدة التي تضمّنها قانون الانتخابات.

في هذا السياق، يُعوّل حفتر على عدم وجود نيّة لدى عقيلة صالح، رئيس البرلمان، للخوض في هذا الاستحقاق، وذلك في وقت أشارت التقارير إلى وجود توافقات بينه وبين اللواء المتقاعد حول اختيار مرشح واحد حتى لا تتشتت أصوات الشرق، وهذا الأمر ينطبق على السفير الليبي السابق في الإمارات عارف النايض.

في الجهة المقابلة، أي الغرب، من المرتقب أن وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق الليبية، فتحي باشاغا، ترشحه للانتخابات، إذ كان قد بدأ التواصُل مع الأطراف الفاعلة على الأرض وحشد مؤيدين، باعتباره يملك "الوصفة السحرية" للمعالجة الأمنية من خلال تجربته السابقة، كما يُنظر إليه على أنّه شخصية قادرة على مواجهة مراكز القوى المتفرقة في الدولة.

إضافة إلى تحركاته الداخلية، فإن باشاغا الذي يحظى بدعم القاهرة، كثّف في وقت سابق بحسب الصحيفة الإيطالية "لا ريبوبليكا" من زياراته الخارجية، حيث قام بجولة أوروبية ضمن حملة انتخابية مبكّرة، أخذته أولًا إلى باريس ثم إلى روما وإلى بروكسل ولندن وأمستردام وبرلين.

ومن الأسماء الأخرى المرشحة في الغرب، رئيس المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري الذي يعدّ ممثلًا لتيار 17 فبراير، ومن المرجّح أن يتحالفا مع أبرز المرشحين في المنطقة وهو رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة في حال أعلن ترشحه.

الدبيبة الذي استثمر كبوة عقيلة الصالح الأخيرة، على اعتبار أن قرار سحب الثقة في الوقت الراهن لا يخدم الليبيين في شيء ويأتي في سياق تصفية الحسابات، بات يتمتّع بشعبية واسعة رغم العراقيل التي وضعها البرلمان، لذلك هو يعمل حاليًّا على تثبيت صورته كواجهة لمستقبل ليبيا وكشخصية وازنة قادرة على مواجهة برلمان عقيلة صالح وجيش خليفة حفتر.

 

أمّا فيما يتعلق بإمكانية ترشح سيف الإسلام القذافي، فرغم إعلان المقرّبين منه نيته الترشح بشكل رسمي إلى الانتخابات القادمة، إلا أن الأمر بات مستبعدًا في الوقت الراهن نظرًا إلى أنه مُلاحق من الجنائية الدولية وعدم ظهوره إلى العلن لحشد أنصاره.

من المستبعد أيضًا أن يحصد سيف الإسلام أي نجاح في السباق الانتخابي نظرًا إلى تخوف مناطق ومدن كبيرة ساهمت في قتل والده وإخوته عام 2011 من عمليات انتقامية، في مقابل ذلك من المرجّح أن يتحالف أنصاره مع أحد المترشحين وعلى رأسهم فتحي باشاغا المدعوم من القاهرة.

فرص النجاح

في هذه المرحلة الدقيقة، يتخوف الليبيون من إمكانية أن تتطور الخلافات بين رئاسة حكومة الوحدة الوطنية والبرلمان وأن تنتقل إلى الشارع، ما يُنذر بعودة الفوضى وانهيار المسار السياسي وتهديد إجراء الاستحقاقات الانتخابية في وقتها المحدد.

المخاوف لا تقتصر على الصراع بين المؤسسات وتداعياته على الشأن العام، بل تطال العملية الانتخابية برمّتها، فإلى الآن لم يتّفقِ الفاعلون السياسيون على قانون الانتخابات وعلى أولوية الانتخابات الرئاسية أو التشريعية، فضلًا عن مدى قبول هذه الجهات بنتائجها.

هذا الواقع يجعل ليبيا أمام فرصة واحدة للنجاح، وتتمثل، كما أعلن عنها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في عقد مؤتمر دولي في أكتوبر/ تشرين الأول لحشد الدعم الدولي بـ"صورة موحَّدة ومتسقة" لاستقرار بلاده.

 

من شأن هذه الخطوة أن تدفع بالمجتمع الدولي إلى تحمُّل المسؤوليات المناطة بعهدته، والمتمثلة في مساعدة البلاد على إخراج المرتزقة وتحقيق الاستقرار الأمني عبر توحيد المؤسسة العسكرية، وكذلك توحيد الرؤى الدولية حول إيجاد حلٍّ سلمي للأزمة يجنّب البلاد مخاطر الانسداد في العملية السياسية وتقويض الاستحقاق الانتخابي.

تبدو الأوضاع في ليبيا مرشحة لمزيد من عدم الاستقرار السياسي في ظل المناورات المتتالية التي يقودها عقيلة صالح حفاظًا على مصالح الشرق وحليفه خليفة حفتر، وذلك في وقت يأخذ الموقف الدولي اتجاهات مختلفة وربما متناقضة حسب أجنداته ومشاريعه الاستراتيجية.