منذ أشهر واليمين المتطرف الألماني يشعل حربًا شرسة من أجل إبعاد الألمان من أصل عربي أو إسلامي عن المشاركة في الانتخابات، بعد أن تفنّنَ في إرهابهم ووصمهم ودفعهم بعملية مدروسة أجاد احترافها كل موسم انتخابي إلى الانعزال والابتعاد عن المشاركة والانسحاب شبه التام من ‏المشهد.

لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وأسفرت الانتخابات الحالية عن تحصين البوندستاغ بالعديد من الوجوه المسلمة، ما قد يشكّل مفاجأة في الأداء والممارسة لقوى التطرُّف والكراهية.

البديل.. العدو الرئيسي للمسلمين

يمثّل حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي تأسَّس عام 2013، صوت اليمين القومي العنصري في البلاد، والذي يعمل دون كلل على إظهار العداء للألمان المسلمين والثقافة العربية والإسلامية، سواء للمجنّسين أو المقيمين من أصل عربي أو إسلامي.

نال الحزب شهرة كبيرة وأرضية غير مسبوقة بعد أزمة اللاجئين عام 2015، التي أحدثت ضجة كبرى في أوروبا كلها، بسبب نزوح ما يقارب مليون ونصف عربي وشرق أوسطي من بلدانهم وطلبهم اللجوء لمختلف البلدان الأوروبية.

ضخامة الرقم الذي يُعتبر الأعلى بعد الحرب العالمية الثانية، منحَ الفرصة للبديل لإظهار أكبر قدر ممكن من التطرف، وتحوّلَ من العمل كحزب سياسي إلى ناشط على مستوى القارّة في كُره المسلمين و"الإسلاموفوبيا".

استفاد الحزب من موقف أنجيلا ميركل الداعم للقانون والرافض للعنصرية، حيث سمحت رغم الضغوط الشرسة بإدخال اللاجئين من سوريا والعراق وغيرهما من البلدان التي شهدت أزمة إنسانية كبرى في هذا التوقيت، بموجب لائحة دبلن التي تلزم الحكومات الموقِّعة عليها بالسماح للاجئين بعبور الحدود أولًا، على أن يتمَّ فحص طلبات لجوئهم لاحقًا.

ثمن العنصرية

نتيجة لخطابات التخويف والعنصرية، فاز البديل بحلول أكتوبر/ تشرين الأول 2017 في الانتخابات الفيدرالية بـ 94 مقعدًا في البوندستاغ، ليصبح ثالث أكبر حزب في ألمانيا وأصبح من حقه تصدُّر المعارضة في مفاجأة كبرى نزلت مثل الصاعقة على العالم.

كان طبيعيًّا مع هذه النتائج انفتاح الحزب على المزيد من الجماعات اليمينية المتطرفة التي تنشط بشكل أساسي في كراهية الإسلام، وتعزيز السامية، ووصلَ التطرُّف بالحزب إلى التنسيق مع أصحاب النزعات النازية الجديدة.

في مارس/ آذار 2021، وبضغط من المسلمين الألمان والدوائر اليسارية في البلاد ومنظمات المجتمع المدني، وضعَ المكتب الفيدرالي لحماية الدستور حزب البديل تحت المراقبة كجماعة متطرِّفة، لكن الحزب خاضَ معركة قضائية في المحاكم من أجل منحه فرصة متساوية للعمل بأريحية للتنافس مع الأحزاب للتحضير للانتخابات، ولجأ الحزب إلى خطاب شديد التطرف ضد المسلمين، ودعا لعزلهم عن المجتمع الألماني.

شنَّ الحزب على الألمان من أصل تركي على وجه التحديد حملات شرسة، واستغلَّ الصدامات الأوروبية خلال السنوات الماضية مع القيادة التركية، ليحاول تجريدهم من الولاء الألماني كما حدث مع اللاعب النجم مسعود أوزيل، الذي واجه حملات عنصرية شرسة لارتباطه الشخصي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وطريقه إظهاره لمعتقداته الإسلامية في الملعب وخارجه.

صورة

لم يكتفِ البديل وأنصاره من قوى التطرف بذلك، بل حاول شيطنة المبادرات الإيجابية لبعض الأحزاب من أجل دفع المسلمين للانخراط بشكل أكبر في الحياة السياسية، مثل حزب BIG الذي حاولَ تمثيل مصالح المسلمين، لكنه لم ينجُ من الوصم واتهامه بتمثيل سياسات حزب العدالة والتنمية التركي داخل ألمانيا، ما أثّرَ على الحزب بشدة.

مشهد مضطرب

كان منطقيًّا مع هذه المعطيات اضطراب المشهد الانتخابي الذي تغيّرَ كليًّا ومعه الخريطة السياسية للبلاد، حيث فاز الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الانتخابات التي أغلقت صناديقها يوم الثلاثاء الماضي بفارق ضئيل، متفوِّقًا على التحالف المسيحي (الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي) الذي هيمنَ على المشهد السياسي في ألمانيا لمدة 16 عامًا بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل.

صورة

تشير النتائج شبه الرسمية حتى الآن إلى حصول الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة أولاف شولتز على 25.7% من الأصوات، متقدِّمًا بفارق ضئيل على المسيحيين الديمقراطيين المحافظين بقيادة أرمين لاشيت الذين حصلوا على 24.1% من الأصوات، وتُعتبَر نتائج المحافظين من معسكر ميركل مخيِّبة للآمال، حيث يسجِّل لهم التاريخ الحصولَ على نسبة تقلُّ عن 30% لأول مرة في البلاد.

وستنعكسُ هذه النتائج على من سيتولى المنصب الأول في البلاد، فاختيار منصب المستشار لا يتمُّ من خلال المواطن الألماني، بل يتمُّ من خلال النواب حسب الأغلبية، لتبقى كل الخيارات مفتوحة حول طبيعة من سيحكم البلاد خلال السنوات المقبلة، خاصة بعد مطالبة كل تجمع سياسي بأحقيته في المنصب.

الصوت الإسلامي في انتخابات ألمانيا

حسب أحدث البيانات، يتجاوز عدد المسلمين المؤهَّلين للتصويت في ألمانيا حوالي 2 مليون مسلم، نسبة الثُّلثَين منهم من أصول تركية والثُّلث الباقي من الشرق الأوسط وأفريقيا، وهذه النسبة بالطبع ليست إجمالي المسلمين، حيث يوجد حوالي 5.5 مليون مسلم في ألمانيا، نصفهم فقط يحملون جواز سفر ألمانيًّا ويحقُّ لهم التصويت.

هذه الكتلة التصويتية والعددية للمسلمين لم تغفُلْ عنها الصحف الألمانية ومراكز الأبحاث، التي حاولت التكهُّن طوال الأشهر الماضية بمعرفة خياراتهم وتفضيلاتهم للانتخابات القادمة.

ينحاز المسلمين لترجيح كفّة اليسار، وخاصة الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي جاء في مقدمة الخيارات الإسلامية بأغلبية كبيرة في الانتخابات الفيدرالية التي أجريت عام 2013، وما زال حتى الآن.

ويعود الفضل في الثقة المتبادلة بين المسلمين والمحافظين إلى المستشارة أنجيلا ميركل، التي ناصرت طوال تاريخها مجتمع الهجرة، كما أقرَّت سياسات في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي لجذب المسلمين للحزب، وجعله الخيار المفضَّل للناخب الإسلامي على المدى الطويل.

رغم العدد الكبير للمسلمين في ألمانيا بالمقارنة بغيرهم من طوائف المجتمع، لم يتواجد في التشكيلة الماضية إلا 3 نوّاب في البوندستاغ من أبناء العقيدة الإسلامية من إجمالي 709 نوّاب.

لعبت ميركل باحترافية شديدة وبقناعات أيضًا على حلحلة التركيبة المعقّدة في الحياة السياسية الألمانية، وحاولت كثيرًا الحد من تصاعُد التمييز ضد المسلمين ووقفت بحسمٍ ضد العنصرية الصاعدة لحزب البديل.

اعترفت ميركل منذ صعودها لمنصب المستشارية عام 2005 بعجز الديمقراطية الألمانية، وهو أمر لم تخفِهِ تركيبة البرلمان، فرغم العدد الكبير للمسلمين في ألمانيا بالمقارنة بغيرهم من طوائف المجتمع، لم يتواجد في التشكيلة الماضية إلا 3 نواب في البوندستاغ من أبناء العقيدة الإسلامية من إجمالي 709 نوّاب.

كان وهن الديمقراطية الألمانية خلف ضعف مشاركة المسلمين من الجيل الأول بفعالية في الانتخابات والتصويت، بسبب حملات التشويه والتحريض ضدهم، فاعتادوا على الامتناع بشكل شبه كلي عن المشاركة في الحياة السياسية، ولهذا اعتبرتهم أغلب الأحزاب كتلةً غير مرئية، بمعنى أنه من الصعب للغاية الاستحواذ على أصواتهم أو معرفة من سينشط منهم ولأيّ جهة سينتهي بصوته.

الأمل في الجيل الجديد

رغم كل عوامل اليأس، إلا أن جيل الشباب يبدي مرونةً ومهنيةً عاليةً في التعامل مع الضغوط، ويؤمن أن الجاليات الإسلامية لا يجب أن تظلَّ متفرجة فقط على المشهد السياسي، بل يجب أن تواجه وتصنع الرأي والسياسات من خلال تقديم مرشحين عنهم للبرلمان الألماني.

انعكس ذلك على سير الانتخابات الحالية، ووصول ألمان من أصول مهاجرة عربية وإسلامية وشرق أوسطية للبوندستاغ، ونجح بعضهم في اكتساح النتائج بدوائرهم الانتخابية والبعض الآخر فشل في ذلك، لكنه حاول وسيتعلم من التجربة.

انضمَّ إلى البرلمان في نسخته الجديدة 18 نائبًا من أصل تركي، و9 من أصول عربية، وهي سابقة تاريخية بكل المقاييس بالمقارنة بنتائج الانتخابات السابقة، فعندما يصلُ إلى منصة التشريع كتلة كبيرة نسبيًّا محسوبة على الثقافة الإسلامية، وبعضهم دراسته متخصصة فيها بالأساس، سيساهم ذلك في فكِّ الالتباس على العقلية الألمانية تجاه الإسلام، وسيواجَه العنصريون بأسلحة حقيقية من داخل أحد أهم مؤسسات الدولة.

سفراء المسلمين في البوندستاغ

من أبرز الوجوه الإسلامية التي حسمت مقعدها في البرلمان، الألمانية من أصل عراقي ريم العبلي، التي رشّحت نفسها عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي وفازت بالانتخاب المباشر عن دائرة شفيرين - لودفغزلوست بارخيم في شمال ألمانيا.

حصدت ريم 44.107 أصوات بنسبة تبلغ 29.4% في دائرة لا توجد فيها نسبة عالية من المهاجرين أو من أصول مهاجرة، وهو نجاح إضافي يُحسَب لنوعية الخطاب الذي تتبنّاه في مواجهة منافسها من الحزب المسيحي الديمقراطي ديتريش مونشتادت، الذي حصلَ على نسبة 20.7%.

ريم من مواليد عام 1990، وتتمتّع بسيرة ذاتية عالية المهنية، حيث تتحدث العربية والألمانية والآشورية، ودرست العلوم السياسية في جامعة برلين الحرة وتعمل منذ عام 2015 مفوضةً لشؤون الاندماج في حكومة ولاية مكلنبورغ.

على الخطى نفسها سارت سناء عبدي، المرشحة عن دائرة بورتس في مدينة كولونيا، التي تمكّنت من استعادة المقعد المباشر لحزبها في المنطقة، وهي شابة من مواليد عام 1986 في تطوان بشمال المغرب، درست القانون وتدير مشاريع والدها بكفاءة واقتدار.

فازت أيضًا رشا نصر، وهي من أصول سورية وتبلغ من العمر 29 عامًا، وهي أول مرشحة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي من أصول مهاجرة في مدينة دريسدن، استطاعت التدرُّب سياسيًّا بشكل جيد، ما أهّلها لنيل ثقة الناخبين.

من الرجال فاز المهندس قاسم طاهر صالح بمقعد في البرلمان عن قائمة حزب الخضر، وهو من مواليد 1993 في مدينة زاخو بإقليم كردستان العراق، والمتميز والمختلف في قاسم هو تصدّيه بشكل واضح لقضايا الهجرة واللجوء والاندماج، ومشكلات العنصرية واليمين المتطرف، ومعاداة السامية، كما أنه صوت هجومي مطلوب للغاية في مواجهة ضجيج التطرف والكراهية.