أكثر من أسبوعين مرا على تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي وذلك بعد مرور قرابة 13 شهرًا على الفراغ الحكومي، وُلدت حكومة الرئيس ميقاتي التي سمت نفسها "حكومة الإنقاذ" نتيجة تقاطعات بالمصالح بين القوى الداخلية اللبنانية التي كانت تؤخر تشكيلها من جهة، والقوى الخارجية المؤثرة بالمشهد اللبناني من جهة ثانية، غير أن تشكيل الحكومة بهذه الطريقة والصيغة لا يعني انتهاء الأزمة التي تعصف بلبنان، التي بلغت مستويات هددت معها بفناء الكيان اللبناني.

ومن هنا فإنه يقع على عاتق هذه الحكومة العمل لمواجهة تحديات كثيرة وخطيرة حتى تعيد لبنان إلى سابق عهده من الاستقرار النسبي على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وأبرز هذه التحديات: معالجة الأزمة الحياتية التي تعصف باللبنانيين، وإجراء الانتخابات النيابية في وقتها ضمن معايير تضمن النزاهة والشفافية.

معالجة الأزمة الحياتية

بلغت الأزمة الحياتية في لبنان مستويات متقدمة ضاغطة على حياة اللبنانيين، فالمواطن اللبناني خسر ما قيمته 90% تقريبًا من قدرته الشرائية، والليرة اللبنانية خسرت ما قيمته عشرة أضعاف قيمتها أمام العملات الأجنبية الأخرى، وباتت أسعار المحروقات مادة حارقة للبنانيين، ومعها باتت أسعار السلع تحلق بشكل جنوني، وكثير من الأدوية باتت مفقودة من السوق اللبنانية أو بأسعار خيالية، والكثير من الشركات والأعمال أغلقت أبوابها، ويشهد لبنان حاليًّا هجرة للعقول، لا سيما الأطباء والمعلمين والممرضين وغيرهم، وعجز الموازنة اللبنانية تخطى عتبة المئة مليار دولار.

الحكومة الآن أمام تحدي إيجاد الحلول لهذه الأزمة الضاغطة، وفيما يذهب البعض إلى اعتبار ذلك بسبب السياسات المالية والاقتصادية التي سادت خلال الفترات السابقة، وبسبب الفساد المستشري في إدارات الدولة اللبنانية، يذهب البعض الآخر إلى القول إن ذلك جزءًا من الحصار المفروض بشكل غير معلن ومباشر على لبنان بسبب السياسات التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على اعتبار أن حزب الله "يهيمن" على الحياة السياسية في لبنان، ويحمّل هؤلاء المسؤولية عن ذلك للولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها تقف خلف ذلك.

وبغض النظر عن أسباب الأزمة، فإن الجميع يتفق على أن حلها يحتاج إلى ضخ أموال جديدة في الدورة الاقتصادية اللبنانية من أجل إعادة تنشيطها، وهنا تأتي الحاجة إلى الدول المانحة وإلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وغيرهم من المنظمات أو الهيئات أو الدول التي يمكن أن تقدم دعمًا للبنان.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة حسان دياب دخلت في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على أموال من الصندوق، غير أنه اشترط جملة إصلاحات سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية وربما غيرها من أجل المساعدة، وطرحها على هيئة إصلاحات لم تقبل بها كلها حكومة دياب في حينه، وهي تحد ماثل أمام حكومة ميقاتي اليوم.

وقد سمع ميقاتي هذا الكلام مؤخرًا خلال زيارته إلى باريس ولقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كرر مطالب الإصلاحات من أجل المساعدة، فيما كان الرئيس ميقاتي صريحًا معه عندما تعهد أمامه أن حكومته ستقوم بما تستطيع من إصلاحات أما ما لا تستطيعه فلن تتمكن من القيام به، لأن الرئيس ميقاتي يدرك جيدًا أن الشروط المطلوبة غير مقبولة عند أطراف داخلية ممسكة بالقرار اللبناني بشكل قوي، وبالتالي لا يمكنه التعهد بما لا يملكه.

وهو ما يعني عمليًا أن الإصلاحات المطلوبة أو الشروط الدولية - إذا صح التعبير - لن تُلبى وهو ما سيعني بالضرورة عدم الاستجابة للحاجة اللبنانية إلا بمقدار ما يحافظ على عدم انهيار الوضع في لبنان بشكل كلي، ويوازي في الوقت ذاته حجم الاستجابة للشروط الإصلاحية.

إن ذلك يعني بكل بساطة أن "حكومة الإنقاذ " لن يكون بإمكانها إنقاذ البلد من أزمته، إنما إدارة هذه الأزمة لفترة من الوقت بانتظار الاستحقاق الآخر الذي يراهن عليه كل طرف لكسب المعركة والفوز بها.

إجراء الانتخابات النيابية

كما أشرنا سابقًا فإن الجميع بات ينتظر الاستحقاق الانتخابي النيابي ويعتبره نقطة الانطلاق نحو التغيير أو إعادة تكوين السلطة في لبنان، ومن هنا ينصب جهد واهتمام الجميع على هذا الاستحقاق الذي بات الجميع ينظر إليه على أنه أولوية رغم الأزمة الحياتية الضاغطة.

فالفريق الممسك بتلابيب القرار اللبناني، ويملك الأكثرية في المجلس النيابي اللبناني الحاليّ يتمسك بهذه الأكثرية ولا يريد أن يخسرها، فهو يفرض خيارات ويحدد سياسات الدولة من خلالها، ويأخذ لبنان إلى المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

في حين يجهد الطرف الآخر من أجل الفوز بالأكثرية النيابية في المجلس المقبل حتى تكون له الكلمة الأساسية في تشكيل الحكومة وفي انتخاب الرئيس المقبل للبنان، وهذا الفريق تقوده بشكل غير مباشر أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن هنا تأتي أهمية الاستحقاق الانتخابي المقبل، وتأتي معه مراهنة كل طرف أو فريق على الفوز به، لذلك يشكل هذا الاستحقاق تحديًا مهمًا أمام الحكومة.

ستكون "حكومة الإنقاذ" حكومة إدارة أزمة إلى حين إجراء الانتخابات النيابية هذا إذا حصلت، وحكومة لإجراء الانتخابات النيابية هذا إذا ظل كل فريق يمني نفسه بالفوز فيها، لذلك فإن أهم تحدٍ أمام الحكومة اليوم هو في صناعة الوهم لدى الأطراف المتنافسة أو المتصارعة بالفوز بالأكثرية المقبلة حتى تضمن إجراء الانتخابات

تعهد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أمام اللبنانيين وأمام المجتمع الدولي خلال زيارة باريس بإجراء الانتخابات في وقتها، بل اقترح أن يتم تقديمها إلى أواخر شهر مارس/آذار 2022 بدلًا من مايو/أيار 2022، وليس هناك ما يحول نظريًا وقانونيًا إلى الآن دون إجراء الانتخابات في وقتها أو في وقت أقرب، وهو مطلب تنادي به كل الأطراف السياسية وتدعو إلى احترامه، غير أن حسابات اليوم قد تختلف عن حسابات الغد لدى الجميع، وأغلب الظن أن الأطراف المعنية بالصراع في الداخل اللبناني أو على مستوى المنطقة ستفسد على بعضها أي فرصة لفوز الطرف الآخر بالأكثرية النيابية إلا إذا كان ذلك في سياق تفاهم إقليمي يشمل كل ملفات المنطقة، وهو أمر غير واضح أو ظاهر إلى الآن.

وعليه فإن مصير الانتخابات على المحك، والتحدي أمام الحكومة كبير، وليس لناحية إجراء الانتخابات فحسب، بل لناحية ضمان نزاهتها وشفافيتها في ظل الأزمة الاقتصادية الضاغطة التي تفتح المجال للمال السياسي أن يفعل فعله يوم الانتخاب وقبله، كما للفوضى والسلاح المشرع على كل شيء في ظل عجز واضح للأجهزة الأمنية والعسكرية التي شكَت قياداتها من أزمة حادة تعصف بها على مستوى حياة الأفراد ومستوى معيشتهم.

مختصر القول إن "حكومة الإنقاذ" ستكون حكومة إدارة أزمة إلى حين إجراء الانتخابات النيابية هذا إذا حصلت، وحكومة لإجراء الانتخابات النيابية هذا إذا ظل كل فريق يمني نفسه بالفوز فيها، لذلك فإن أهم تحدٍ أمام الحكومة اليوم هو في صناعة الوهم لدى الأطراف المتنافسة أو المتصارعة بالفوز بالأكثرية المقبلة حتى تضمن إجراء الانتخابات، ومع كل ذلك سيبقى لبنان ساحة لتصفية الحسابات أو النزال بانتظار التسوية الإقليمية التي لا تبدو قريبة.