يعرف المشهد السياسي التونسي حالة من الركود والعطالة نتيجة التحوّلات العميقة التي أحدثتها قرارات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز، القاضية بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وتسيير البلاد وفق المراسيم وتشكيل حكومة جديدة؛ فباستثناء بعض البيانات والتحركات المحتشمة، لم يصدر عن الأحزاب التي فاقَ عددها المئتين موقف أو مبادرة واضحة لمواجهة تداعيات قرارات سعيّد على الانتقال الديمقراطي على هشاشته، ما يُمهّد للرئيس مواصلة إجراءاته التي من المنتظَر أن تشملَ حلَّ البرلمان والأحزاب.

نجح الرئيس التونسي إلى حدٍّ بعيد في تثبيت وحشر الأحزاب على اختلاف أيديولوجيتها في زاوية، مستغلًّا حالة الغليان الشعبي الرافض للطبقة السياسية وأدائها الهشّ، خاصة في تعاملها مع الأزمات الاقتصادية والصحية (جائحة كورونا)، كما استثمر مشاريع ترذيل العمل البرلماني التي تقودها رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، والمعارك الجانبية التي تُدار في أروقة مبنى باردو ولا تخدم المواطنين في شيء، من أجل فرض سياسة الأمر الواقع تمهيدًا لإقامة مشروعه السياسي الجديد.

 

بعد أن تأكّد سعيّد جيدًا من أن طيفًا واسعًا من الشعب التونسي أصبح يتمنّى زوال البرلمان، أظهر الرئيس علنًا مقته وسُخطه على الطبقة السياسية الحزبية في المناسبات العامة والخاصة، وهو الأمر الذي شجّع على اندلاع وقفات احتجاجية متزامنة في عدد من المحافظات يوم 25 يوليو/ تموز مطالبة بإسقاط البرلمان والمنظومة السياسية، ختمها الرئيس لاحقًا بإعلان تفعيل المادة 80 من الدستور التونسي.

تقرير دائرة المحاسبة

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيّد، بشأن الانتهاكات التي وردت في تقرير محكمة المحاسبات، تساؤلات حول إمكانية إسقاط القوائم الانتخابية للأحزاب التي تورّطت في قضايا فساد وقبول تمويل خارجي لدعم حملاتها في الانتخابات البرلمانية لعام 2019، وحلّ الأحزاب السياسية في مرحلة أخيرة.

لجوء الرئيس التونسي لتقرير دائرة المحاسبات في هذا التوقيت، يطرح أكثر من فرضية قانونية ودستورية مختلفة حول تداعيات الأحكام القضائية، التي من المنتظر صدورها في وقت لاحق على خارطة المشهد الحزبي في تونس، في ظل تعليق أعمال البرلمان وحالة الاستثناء التي فرضها الرئيس قيس سعيّد.

 

انتقد الرئيس التونس في وقت سابق، خلال لقاء جمعه برئيس محكمة المحاسبات نجيب القطاري، بقاءَ تقرير محكمة المحاسبات دون أثر رغم تعدُّد التجاوزات المضمّنة فيه، ورغم أن التقرير صدرَ عن محكمة نصَّ عليها القانون وليس عن جهة إدارية أو خاصة، وهو أمر وصفه المراقبون بأنه محاولة ضغط من قيس سعيّد على القضاء، للإسراع في إصدار الأحكام الباتّة حتى يتسنّى للسلطة التنفيذية الواقعة بين يدَيه تنفيذ القرارات، سواء كانت عقوبات مالية أو قاضية بحلّ الأحزاب.

أشار سعيّد إلى أنّ "التجاوزات التي حصلت من كل الأنواع وكان من المفترض على القضاء ترتيب الآثار القانونية المتعلقة بتمويل الأحزاب"، مضيفًا أن هناك أحكامًا سجنية تصل إلى 5 سنوات لكن بقيت في حدود التقارير.

لقاء سعيّد برئيس محكمة المحاسبات أعقبه إعلان القاضية فضيلة القرقوري أن المحكمة أصدرت أكثر من 350 حكمًا ابتدائيًّا، تعلقت بمخالفات تمَّ ارتكابها من قبل قائمات في الانتخابات التشريعية لعام 2019، على غرار عدم إيداع الحساب المالي وتحديد المنحة لمستحقيها وبعض المخالفات الانتخابية الأخرى.

أضافت القاضية أنه بخصوص الانتخابات البلدية (مايو/ أيار 2018)، فقد أصدرت المحكمة أحكامًا ابتدائية تتعلق بإسقاط 80 قائمة، بسبب عدم احترام مبدأ الشفافية، مشيرة إلى أن جميع هذه الأحكام لا تزال في مرحلة الاستئناف، وأن الأحكام الباتّة ستكون في مرحلة متقدِّمة جدًّا، فيما أحالت المحكمة أكثر من 30 ملفًّا إلى أنظار النيابة العمومية لدى القضاء العدلي المختصّ تعلقت بشبهات جرائم انتخابية، على غرار الإشهار السياسي والتمويلات غير المشروعة.

حلّ البرلمان

تشير مساعي الرئيس التونسي الأخيرة ولقاءاته إلى أن إجراءاته لن تقف عند تجميد البرلمان وتمديد آجال الحالة الاستثنائية، بل سيذهب إلى أبعد من ذلك في الفترة القادمة ليصل إلى حل البرلمان، وذلك عبر محاكمة الأحزاب قضائيًّا، خاصة أن الرئيس يعلم جيدًا أن القوائم الملغاة مهما وصل عددها لن تساعد في حل البرلمان.

على الصعيد ذاته، فإن النظام الداخلي للبرلمان التونسي هو الذي ينظِّم حالات الشغور، ويفرض تعويض القائمة الملغاة بأخرى تحصلت على المرتبة الثانية في توزيع الأصوات، وبالتالي إن عملية حلّ البرلمان في الوقت الراهن ليست أولوية للرئيس قيس سعيّد، وذلك لأن أعمال مجلس النواب معلقة وفق إجراءات 25 يوليو/ تموز، ويمكنه الدعوة لانتخابات مبكّرة.

كما يبدو أن الرئيس التونسي وفريقه الاستشاري لا يبحثان عن إسقاط القوائم بقدر ما يبحثان عن فرضيات حلّ بعض الأحزاب، وخاصة النهضة وقلب تونس، نهائيًّا وتصفيتها عبر المحاكمات والتتبُّع القضائي.

إذًا، يراهن الرئيس التونسي على تقرير دائرة المحاسبات بشكل انتقائي (أدرجَ اسمه في التقرير)، وعلى استثمار الفرصة من أجل توفير أرضية قانونية وسياسية لحل البرلمان، ودفع الأحزاب ذات الوزن الشعبي القادرة على منافسته إلى الخروج من المشهد السياسي مستعينًا بالأحكام القضائية.

 

حلّ الأحزاب

دعوة سعيّد لرئيس محكمة المحاسبات التعجيل في إصدار الأحكام، أعاد إلى الأذهان عملية فتح تحقيق قضائي في 28 يوليو/ تموز مع 3 أحزاب، من بينها حركة النهضة، للاشتباه في تلقيها أموالًا أجنبية خلال الحملة الانتخابية عام 2019، أي بعد أيام قليلة من إقدام الرئيس التونسي على عزل رئيس الحكومة وتعليق البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، ما أثار شكوكًا حول نوايا سعيّد لتصفية النظام الحزبي في البلاد.

الواضح أن لسعيّد رغبة قديمة في حل الأحزاب التي لا يعترف بها أصلًا، ويظهر ذلك جليًّا في استراتيجيته الاتصالية التي يعمل من خلالها على تهميش الأحزاب المعارضة لانقلابه الدستوري والمؤيدة له في كل المناسبات.

فمنذ توليه رئاسة تونس، أبدى سعيّد أنه لا يؤمن بالأحزاب ولا بالبرلمان ولا بالانتخابات بطريقتها الحالية، إنما يؤمن بحكم الجماهير عن طريق مجالس محلية والانتخابات على الأفراد لا على القوائم الحزبية، فحتى عملية اختياره لرئيس حكومة كانت بطريقة متعالية عبر رسائل خطية محبّرة، دعا فيها إلى وضع مقترحاته في مكتب الضبط.

لذلك، من المرتقب أن يكون تقرير دائرة المحاسبات منسأة سعيد لتجريف النظام السياسي والحزبي في تونس، وذلك عبر التتبُّع الجزائي الذي ينصّ عليه القانون الانتخابي، والذي يشمل تسليط خطايا مالية أو عقوبات سجنية تصل إلى 5 سنوات، أو حلّ الحزب الذي ثبت تورُّطه في تلقي تمويلات خارجية، أو إسقاط قائمته الانتخابية من البرلمان، ما سيؤدّي إلى تقلُّص تمثيله النيابي وهو خيار لا يعوِّل عليه سعيّد كثيرًا.

من جهة أخرى، ليس من المستبعَد أن يستند الرئيس التونسي إلى المرسوم 88 من القانون المنظِّم للأحزاب، الذي يسلّط عقوبات تتراوح بين تعليق النشاط والحل النهائي للحزب، ولكن هذه القرارات في مجملها مرتبطة بالأعمال القضائية، وهو ما يُفسِّر لقاءاته الأخيرة برؤساء المحاكم التي رأى فيها معارضوه أنها محاولة لتدجين السلطة القضائية.

السيطرة على القضاء

مؤخرًا، عبّر قضاة وسياسيون تونسيون عن هواجسهم ومخاوفهم من محاولات الضغط على القضاء من أجل تطويعه خدمة لمشروع سعيّد، مؤكدين أن تصريحات الرئيس التونسي إثر استقباله رئيس المجلس الأعلى للقضاء، يوسف بوزاخر، تؤشر إلى أن سعيّد ماضٍ في منحى السيطرة على السلطة القضائية.

 

في اللقاء ذاته، طالب قيس سعيّد بالتسريع في آجال التقاضي والتصدي لكل من يحاول "التسلُّل" إلى قصور العدالة (الأحزاب)، مشدِّدًا على ضرورة "تطهير" القضاء وعلى أن يلعب دوره التاريخي في هذه المرحلة التي يريد فيها الشعب أن "يطهّر" البلاد.

دفعَ هذا الخطاب السلطوي ببعض القضاة إلى دقّ نواقيس الخطر، حيث أكّد القاضي أحمد الرحموني في تدوينة على فيسبوك، أن جلوس رئيس المجلس الأعلى للقضاء بين يدَي رئيس الجمهورية، في قصر قرطاج الرئاسي، "لم يكن كغيره من اللقاءات التي جمعتهما"، مضيفًا أن "سعيّد ربما يرغب من وراء إخراج ذلك "الموقف" أن يؤكد للشعب (المجسَّد في شخصه) أنه يدير كل شيء (خصوصًا بعد المظاهرة المليونية) وأن ما بقيَ من سلطات الدولة (وهو القضاء) ليس بعيدًا عن مرمى صواريخه".

 

من جانبها، قالت عضوة المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين، لمياء الماجري، في تصريح إعلامي، إن الجمعية تابعت اللقاء الذي جمعَ رئيس الجمهورية برئيس المجلس الأعلى للقضاء، مبيّنة أن "طريقة الخطاب وتقديمه بذلك الشكل كان من المفروض أن تكون مؤسساتية وفي إطار التفاعل بين الطرفَين، وليس سلطة واحدة تتكلم والأخرى صامتة وتتلقى الخطاب"، مبرزة أنه "كان من الأنسب أن نستمع أيضًا إلى رد رئيس المجلس الأعلى للقضاء".

الظاهر أنّ تونس لن تشهد انتخابات جديدة في قادم الأيام، فالرئيس "الغامض" يكره الانتخابات بصيغتها الحالية ويمقت النظام السياسي القائم وما ينتجه من فعل، ما يعني أنه سيبحث في وقت لاحق سبل صياغة دستور جديد أو تعديلات كبيرة في صلبه، تخدم مشروعه السياسي وما عبّر عنه فريق تفسير حملته الانتخابية بالبناء الجديد.

تُتَداوَل في الكواليس السياسية في تونس سيناريوهات متعددة تنظر إلى خطوات سعيّد القادمة تجاه الأحزاب، ولكن المفارقة العجيبة أن المعنيين بالأمر لم يتحرّكوا إلى الآن، واقتصر فعلهم على مراقبة الأوضاع بعين متوجِّسة منتظرة صدمة أخرى قادمة على مهل، ما يعني أن سعيّد نجح نسبيًّا في تحييدها ولو لحين.