في مشهد استثنائي؛ اصطف مئات الغزيين أمام مقرات الغرفة التجارية لتقديم أوراقهم الثبوتية علهم يظفرون بإذن عمل داخل الأراضي المحتلة، الصور التي تدفقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي للوهلة الأولى كان يظن المتابع أنها لوحة فنية رسمت لتصف واقعًا مريرًا، لكنها فعلًا كانت حقيقية تعكس حجم الفقر والبؤس الذي يعيشه المواطنون في غزة.

تزاحم الغزيين بين عمر 26 و58 للتسجيل يكشف عمق الأزمة الإنسانية والضائقة التي تمر بها مئات آلاف العائلات على خلفية البطالة، إذ استقبلت الغرفة التجارية في غضون يومين 10447 طلبًا وذلك بعد إعلان وزارة الشؤون المدنية بغزة موافقة الاحتلال الإسرائيلي على منح عدد 2600 تصريح عمل جديد موزعة على محافظات قطاع غزة.

وطبقًا لصحيفة هآرتس العبرية فإنه حسب قرار المستوى السياسي فقد تم تخصيص 7 آلاف تصريح لتجار من القطاع من أجل أن يتمكنوا من دخول "إسرائيل" أو الضفة المحتلة، وحتى الآن تم إصدار نحو 4 آلاف تصريح، وهكذا بقي ثلاثة آلاف تصريح آخر على الأكثر.

ووفق إحصائية رسمية فإن نسبة البطالة في قطاع غزة تصل إلى ما يقارب 65%، بينما نسبة الفقر نحو 80%، فقد تدهورت الأوضاع الاقتصادية في القطاع منذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 ولم تسمح دولة الاحتلال لعمال غزة بالحصول على تصاريح عمل لديها، بعدما كان عشرات آلاف العمال يخرجون للعمل هناك، واشتدت الأزمة أكثر عام 2007 عند تشديد إجراءات الحصار الإسرائيلي بعد إدارة حركة حماس للقطاع.

ورغم وجود شكوك أمنية في نوايا "إسرائيل" للسماح - وتحديدًا للشباب - بالعمل داخل الأراضي المحتلة، فإن المختصين الاقتصاديين يرون أن عملهم سيخفف من الأزمة الاقتصادية ونسب الفقر والبطالة وسيتيح آفاق عمل جديدة حتى لمن لم يحصلوا على تلك التصاريح بسبب توافر الأموال.

الاحتلال وجمع المعلومات

منذ ساعات فجر يوم الأربعاء الماضي وصل الشاب أيمن سليم - 29 عامًا - خريج كلية الهندسة، إلى مقر الغرفة التجارية في مدينة خانيونس جنوب القطاع، يحكي لـ"نون بوست" أنه سئم العمل أجيرًا في محل لبيع المكسرات، ويريد حياة كريمة تؤهله لبناء بيت وتكوين عائلة، وينوي في حال حصل على التصريح العمل في السباكة كون لديه خبرة بسيطة فيها.

يشعر بالضجر كلما تذكر أنه ضمن صفوف البطالة، فرغم محاولاته المتكررة للسفر خارج القطاع للبحث عن فرصة عمل يكون دومًا "مرجعًا"، فبات يبحث عن فرصة عمل هنا وهناك في غزة.

وعن سؤاله إن كان يخشى أن تنصب المخابرات الإسرائيلية له ولبقية الشباب فخًا لمعرفة المزيد من المعلومات عن المقاومة في غزة أو تعتقل من تشك أنه قريب من المقاومة يرد: "لا علاقة لي بالسياسية لا من قريب ولا من بعيد، ولو كنت مقربًا من إحدى فصائل المقاومة لما تجرأت وتقدمت بطلب كحال عشرات الشباب الذين يعانون أوضاعًا اقتصاديةً صعبةً ويخشون الوقوع في مصيدة الاعتقال".

مهند موسى - 35 عامًا - من منطقة جباليا شمال القطاع، أب لثلاثة أطفال يسكن في غرفة ببيت العائلة، ويساعد والده على عربة لبيع الفول والفلافل. يقول إنه لم يتردد في التسجيل عله يظفر بتصريح عمل داخل الأراضي المحتلة، فهو يريد تحسين وضعه المعيشي كبقية الشباب الذين يعرفهم وحصلوا على "تصريح تاجر" قبل سنة وتغيبوا عن بيوتهم لشهور وحين عادوا حسنوا أوضاعهم.

صورة

ولا يرى مشكلة في حال حصل على تصريح أن يكون تحت مسمى تاجر وليس عامل مع أن ذلك سيفقده حقوقه حال الإصابة، ويعلق أيضًا "كل ما أريده دخلًا شهريًا يعيل أسرتي، فهناك الرواتب أفضل، فقد تصل يوميتي إلى 80 دولارًا وأكثر".

ويشير إلى أنه ثمة مخاوف لديه، فهو يسمع كثيرًا عن محاولات الاحتلال جمع المعلومات من التجار أو المرضى الذين يحصلوا على تحويلة طبية للعلاج في الداخل المحتل، مبينًا أنه لا أنشطة سياسية له لكنه يخشى غدر الاحتلال.

أما الخمسيني زياد نشوان يقول إنه لم يتردد عند سماعه خبر التسجيل للعمل في الأرض المحتلة، فهو عامل بناء سابق قضى سنوات طويلة منذ شبابه في العمل داخل الأراضي المحتلة، ولا يزال يحفظ كل المناطق، لكن منذ 2006 لم يصل إلى هناك، متمنيًا لو تعود الحياة كما السابق فيعلّم بقية أبنائه في الجامعات ويستطيع مساعدتهم في الزواج كما فعل والده معه.

شروط العمل في "إسرائيل"

لا بد من الإشارة إلى أن من ضمن شروط الحصول على التصاريح ألا يقل عمر المتقدم عن 26 عامًا وألا يزيد على 60، وأن يكون متزوجًا، وألا يكون موظفًا، فيما لن يسمح للنساء بالتقدم لهذه التصاريح، وأن يكون حاصلًا على تطعيم كورونا.

وطالبت الغرفة التجارية المواطنين بالتسجيل الإلكتروني فقط وعدم المراجعة في مقراتها بغزة، وقالت إنه فور انتهاء عملية التسجيل والمراجعة والتدقيق للطلبات كافة، ستتم عملية القرعة الإلكترونية في وزارة الشؤون المدنية.

ورغم تهافت الشباب على التسجيل علهم يحصلون على تصريح عمل، فإن نقيب العمال سامي العمصي حذر من ذلك باعتبار أن التصريح سيكون تحت مسمى تاجر وليس عامل، ما سيحرم العامل من حقه في التأمين الصحي حال تعرض لإصابة.

غزة

وذكر لـ"نون بوست" أن ما أعلنته الغرفة التجارية يعد تلاعبًا بالعامل الفلسطيني ويجب محاسبة من أصدر الإعلان، لافتًا إلى أن الإعلان عن إصدار تصاريح العمال عار عن الصحة، لأن كل ما تم الحديث عنه 2400 تصريح بصفة تاجر وليس عامل.

وأوضح أن الاحتلال الإسرائيلي لا يسمح حتى هذه اللحظة بدخول أي شخص للعمل داخل الخط الأخضر بمسمى عامل، داعيًا إلى ضرورة محاسبة من تلاعب بالعامل واستغل مأساته، وستلاحقه نقابة العمال قانونيًا.

ويذكر العمصي أن هناك فرقًا كبيرًا بين تصريح العامل والتاجر، فالأول عندما يعمل داخل المدن المحتلة فإن الاحتلال ملزم بأي إصابة عمل وجميع حقوق العمل، أما دخول العامل بتصريح تاجر فإن الاحتلال يعفي نفسه ونقابة العمال الإسرائيلية من أي التزام تجاهه.

ووصف عدد المتقدمين لمكاتب الغرف التجارية بالمأساة والمتاجرة بمعاناة العامل، متهمًا السلطة الفلسطينية بعدم تقديم شيء للعامل في غزة باستثناء بعض المساعدات الغذائية التي بات يرفضها ويسعى للحصول على فرصة عمل تعيله وأسرته.

فخ العمالة

وعلى الصعيد الأمني ومحاولة نصب الاحتلال فخ للشباب لإيقاعهم في شرك العمالة أو اعتقالهم على خلفية انتمائهم للمقاومة يقول الخبير محمد أبو هربيد: "رغم محاولات الاحتلال لجمع أكبر قدر من المعلومات عن المقاومة في غزة، فإن المواطنين وخاصة الشباب لديهم وعي كافٍ لعدم الوقوع في تلك المصيدة".

وأوضح أبو هربيد لـ"نون بوست" أن الاحتلال الإسرائيلي كما معهود عنه سيحاول استغلال تصاريح العمال ضمن عملية جمع المعلومات ومحاولة الاستفادة من الحالات الضعيفة، لافتًا إلى أن الاحتلال لن يتوانى للحظة في اعتقال كل من تدور حوله الشبهات بوجود علاقة مع المقاومة.

وبحسب الخبير الأمني فإن مسارات الاحتلال في تجنييد المتخابرين شاخصة أمام الأجهزة الأمنية في غزة، وهذه الحالة الجديدة لا يمكن تجاهلها وهناك جهود مبذولة اليوم في توعية المواطنين بشأن خطورة محاولة المخابرات الإسرائيلية جمع المعلومات وإيقاع الشباب في شرك العمالة.

وذكر أن محاولات الاحتلال لتحسين الوضع الاقتصادي في قطاع غزة يسعى من خلاله لتخفيف الاحتقان مع المقاومة، ويدرك جيدًا أن التعامل مع الغزيين ليس سهلًا ولا يمكن فرض شروطه عليهم رغم حاجتهم المادية.

ومنذ التسجيل لا يزال المواطن الغزي يترقب أن يكون ضمن قائمة "المحظوظين" الذين سيغادرون القطاع بحثًا عن لقمة عيشهم، مع أن تلك التصاريح لن تؤدي إلى تغيير جوهري في الوضع المعيشي بل ستعمل على تخفيف التوتر في القطاع مع الاحتلال، فتكدس المواطنين أمام بوابات الغرفة التجارية دليل على الضائقة المادية التي يعانيها المواطنون.