تراجع النفوذ الفرنسي في مالي

تراجع النفوذ الفرنسي في مالي

بداية يناير/كانون الثاني 2013، دخلت فرنسا شمال مالي بحجة مكافحة الإرهاب وإنقاذ البلاد من السقوط في يد الجماعات المسلحة الطامعة في الاستحواذ على السلطة هناك، لكن يومًا بعد يوم ينكشف زيف ادعاءاتها وحقيقة وجودها هناك.

تجاوزت باريس سرقة ونهب ثروات المنطقة التي أكدتها حقائق عديدة، إلى تغذية الإرهاب وتدريب مسلحين في شمال مالي وفصل مناطق واسعة من الشمال عن باقي البلاد، وفق تأكيد مسؤولين كبار في الدولة، كل ذلك بهدف مواصلة السيطرة على هذه الدولة الإفريقية المحورية في منطقة الساحل والصحراء، فماذا نعرف عن الدور الفرنسي المشبوه في مالي؟

تغذية الإرهاب

ما كنّا نسمعه من محللين ومراقبين عن الدور الفرنسي في تغذية الإرهاب، أصبحنا نسمعه الآن مباشرة من مسؤولين كبار في مالي، إذ اتهم رئيس الحكومة الانتقالية في مالي شوغيل مايغا فرنسا بالوقوف وراء تدريب من وصفهم بـ"الجماعات الإرهابية" الناشطة في البلاد، مؤكّدًا أن حكومته تملك أدلة على ذلك.

تدريب هذه الجماعات المسلحة الهدف منه، تغذية الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل والصحراء ككل، فمهمة هذه المجموعات تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة وهو ما يُفسّر بقاء الوضع الميداني على حاله هناك، فشمال مالي لم يُسترجع بعد، رغم مرور أكثر من 8 سنوات على بدء الحرب ضد الإرهاب في تلك المنطقة.

فرنسا حريصة على عدم فك الارتباط الإستراتيجي بمستعمراتها السابقة

تغذية الإرهاب، لم تكن عبر تدريب جماعات مسلحة فقط، بل تمويلها أيضًا بطرق ملتوية من خلال دفع ملايين الدولارات للجماعات المسلحة المتمركزة في الشمال، مقابل الإفراج عن بعض الرهائن لديها، رغم تجريم الأمم المتحدة الفدية وحتى المقايضة بالإرهابيين والتنازلات السياسية وتأمين إطلاق سراح الرهائن.

أدّى دفع الفدية للتنظيمات المسلحة، إلى تعزيز مكاسب هذه التنظيمات بينها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما أعاد ضبط خريطة توزيع الحركات الإرهابية في إفريقيا بداية من مصر مرورًا بتشاد والسودان وصولًا إلى مالي والنيجر، ورفع معنوياتهم وعزز قدراتهم.

وبدل أن تطرد باريس، الإرهابيين والانفصاليين من شمال مالي، انتشرت التنظيمات الإرهابية في بلدان الساحل حتى وصلت إلى حدود كوت ديفوار، المطلة على المحيط الأطلسي، نتيجة سياستها المتبعة في تغذية الإرهاب، فهي تشرعن وجودها في المنطقة بوجود الإرهاب أي أنها تستثمر في الفوضى والعنف لتبرير بقائها واستمرار وجودها.

تأسيس جيش ضد الدولة

فرنسا لا تسعى إلى تدريب جماعات مسلحة متفرقة، بل تهدف إلى تأسيس جيش بأكمله في شمال مالي، إذ قال رئيس الحكومة الانتقالية المالية شوغيل مايغا، في تصريحات لوكالة ريا نوفوستي الروسية: "الإرهابيون الموجودون حاليًّا في مالي جاؤوا إلى البلاد من ليبيا".

ميغا أكد أيضًا أن القوات الفرنسية المتمركزة في بلاده منذ مطلع سنة 2013، أنشأت جيشًا في كيدال - شمال مالي - وسلمته إلى حركة تشكلت من "أنصار الدين" - أكبر التنظيمات المسلحة في إقليم أزواد - المتعاونة مع تنظيم القاعدة.

 

هذه التصريحات، جاءت بعد شهر من خطاب لميغا - ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك - اتهم فيه فرنسا بالتخلي عن بلاده في منتصف الطريق حين قررت سحب قوة "برخان" التي تساعد باماكو في مواجهة مجموعات إرهابية، ما دفع بلاده إلى البحث عن شركاء آخرين.

ومطلع سبتمبر/أيلول الماضي، بدأت فرنسا في إعادة الانتشار من قواعد في شمال مالي (كيدال وتمبكتو وتيساليت)، وذلك في إطار إعادة تشكيل قوة برخان التابعة لها، لتضم شركاء أوروبيين آخرين، في مسعى منها لتقليص وجودها العسكري في المنطقة بحلول 2023 ليتراوح بين 2500 و3 آلاف عنصر، مقابل أكثر من 5 آلاف حاليًّا.

تقسيم البلاد

اتهامات باماكو لباريس لم تتوقف هنا، إذ اتهم ميغا فرنسا ضمنيًا بتقسيم البلاد، حيث قال إنه لا يمكن لحكومته الوصول إلى كيدال حاليًّا كونها منطقة معزولة تسيطر عليها فرنسا، ولديها مجموعات مسلحة هناك دربها ضباط فرنسيون.

يعني هذا أن فرنسا تعمل بالفعل على تقسيم البلاد، كحال الجماعات الإرهابية حركة تحرير أزواد التي أعلنت في أبريل/نيسان 2012 قيام دولة الأزواد شمال مالي بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق أمادو توماني توري.

جاء التدخل الفرنسي في مالي قبل 8 سنوات من الآن، لحماية مصالح باريس في هذا البلد الإفريقي الغني بالنفط والثروات المعدنية

هدف فرنسا من ذلك، إضعاف الدولة المالية المركزية، وبقاء الحال على ما هو قائمًا على الفوضى والعنف والإضرابات، حتى تواصل تحقيق هدفها الأبرز الذي جاءت من أجله إلى مالي، وهو نهب وسرقة ثروات البلاد المتعددة والاستحواذ على قرارها السيادي.

تسعى فرنسا إلى إطالة أمد الحرب في مالي لتوسعة نفوذها، فهي حريصة على عدم فك الارتباط الإستراتيجي بمستعمراتها السابقة، خصوصًا أن الوجود العسكري والتحكم الأمني سيظل الوسيلة المثلى لباريس لإثبات وترسيخ هذا الإرث والتمكين له.

نهب ثروات

كما قلنا في البداية فإن الهدف الأبرز للوجود الفرنسي في مالي هو نهب ثروات البلاد، فخلال حضورها هناك، عملت فرنسا على استنزاف خيرات هذا البلد الإفريقي ونهب ثرواته والتحكم في اقتصاده الهش، خاصة أن باطن مالي يحمل ثروات نفطية وغازية ومعدنية كبيرة (الذهب والبوكسيت واليورانيوم والحديد والنحاس والليثيوم والمنغنيز والفوسفات والملح)، ويعتبر الذهب أهم المصادر المعدنية للاقتصاد المالي، إذ تعد ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا بعد جنوب إفريقيا وغانا.

 

أرض مالي، ليست المستهدف الوحيد في المنطقة، فهي ركيزة لفرنسا حتى تحمي استثماراتها الاقتصادية الكبرى في السنغال وبوركينافاسو وعموم دول المنطقة، فضلًا عن السيطرة على مواردها، فهذه الدولة تقع على مقربة من حقول النفط الجزائرية، وعلى مسافة قريبة أيضًا من أماكن التنقيب ذات المؤشرات الإيجابية في موريتانيا، وتجاور النيجر التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في إنتاج اليورانيوم.

جاء التدخل الفرنسي في مالي قبل 8 سنوات من الآن، لحماية مصالح باريس في هذا البلد الإفريقي الغني بالنفط والثروات المعدنية، وسعيًا منها إلى تعزيز وجودها في منطقة تعتبر تقليديًا مركز نفوذ خاص بها بفعل سابقة الوجود الاستعماري، رغم أن هذه المعركة تبدو كأنها مستنقع حقيقي، حيث لا يوجد حلّ حقيقي للخروج منتصرًا منها.