عمق التقرير الجديد لوكالة موديز (Moody’s) الأمريكية من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس، بعد تخفيض تصنيفها الائتماني من (B3) إلى (Caa1)، مع نظرة مستقبلية سلبية، ما يعني أن البلد على أعتاب مأزق مالي كبير قد يُنذر بانفجار اجتماعي خاصة في ظل المشهد السياسي الضبابي المتأثر بتداعيات إجراءات 25 من يوليو/تموز التي أقرها الرئيس قيس سعيد.

 

التصنيف السلبي الجديد لوكالة موديز يُمثل إنذارًا أخيرًا للسلطة الحاكمة في تونس بقيادة قيس سعيد ورئيسة وزرائه الجديدة نجلاء بودن، من أجل القيام بإصلاحات لازمة وعميقة قبل حصول الكارثة وإعلان الإفلاس، ويأتي في وقت تكافح فيه البلاد لتعبئة الموارد المالية المنقوصة بقيمة تقدر بنحو 3 مليارات دولار لصرف الأجور والنفقات المتبقية قبل نهاية هذا العام (لم يتبق إلا 75 يومًا).

تقرير موديز

خفضت وكالة موديز للتصنيف الائتماني التصنيف السيادي لتونس من B3 إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية سلبية، مشيرة إلى أن التراجع يعكس ضعف الحوكمة وزيادة عدم اليقين فيما يتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ التدابير التي من شأنها ضمان الوصول المتجدد إلى التمويل لتلبية الاحتياجات المرتفعة على مدى السنوات القليلة المقبلة".

 

تخفيض التصنيف السيادي لتونس لعاشر مرة من وكالات التصنيف العالمية منذ عام 2011، لم يكن أمرًا مفاجئًا، ففي وقت سابق حذّر محافظ البنك المركزي التونسي سلطات بلاده من إمكانية أن تحط وكالات الترقيم السيادية من التصنيف الائتماني لتونس إلى صنف C، ما يعني نزول تونس إلى مستويات مخيفة ما يعمق أزمتها الاقتصادية والمالية واستحالة الخروج إلى الأسواق المالية العالمية.

في سياق متصل، حذرت "موديز" في تقريرها الجديد من تخلف تونس عن سداد ديونها "إذا لم يتم تأمين تمويل كبير"، مشيرةً إلى أن النظرة المستقبلية السلبية لوضع تونس الائتماني "تعكس مخاطر الهبوط المتعلقة بالتأخيرات المطولة المحتملة في الإصلاحات والتمويل المعتمد على الإصلاح، الذي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل احتياطات العملات الأجنبية".

وقالت الوكالة: "في هذا السيناريو، سترتفع احتمالية إعادة هيكلة ديون القطاع العام التي قد يترتب عليها خسائر لدائني القطاع الخاص"، مضيفة "الإصلاحات ضرورية لإعادة التوازن إلى الحسابات المالية التونسية وضمان القدرة على تحمل الديون في المستقبل وسط توقعات نمو ضعيفة".

"موديز" تتوقع أيضًا أن يبلغ العجز في الميزانية التونسية 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2021، و5.9% في عام 2020، فيما رجح البنك الدولي في تقرير صدر قبل أيام، أن يبلغ نمو الاقتصاد التونسي 2.9% هذا العام، وهي نسبة تقل عن توقعات سابقة للحكومة التونسية بنمو 3.9%، وصندوق النقد الدولي بنسبة 3.2%.

تأثير التصنيف

وكالات التصنيف الائتماني تقوم بشكل عام بتقييم المخاطر المتعلقة بإصدارات الدين سواء للشركات أم الحكومات، وتعد قدرة المصدر على الوفاء بتسديد فوائد الدين والأقساط المترتبة عليه أهم مؤشر للجدارة الائتمانية التي تبنى عليها التصنيفات من هذه الوكالات.

في العالم، توجد العديد من وكالات التصنيف الائتماني إلا أن هناك ثلاث شركات بالتحديد يطلق عليها الشركات الثلاثة الكبرى وهي "ستاندرد آند بورز" و"موديز" و"فيتش"، وكلها شركات أمريكية المنشأ، أما التخفيض في ترقيم تونس السيادي من طرف موديز Moody's إلى درجة Caa1 مع آفاق سلبية يعني أن:

- تونس أصبحت رسميًا في المنظور الدولي دولة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها.

- السوق المالية العالمية أغلقت أبوابها في وجه تونس، ما يعني عسر الحصول على قروض.

- المزودون الأجانب سيشترطون الخلاص المسبق لبضائعهم وخدماتهم.

- المستثمرون الأجانب لن يتشجعوا على تركيز مشاريع في تونس ولن يجازفوا بضخ أموالهم.

 

المعلوم أن تونس بحاجة ملحة إلى المانحين وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية وإلى ترقيم ومتابعة وكالات الترقيم السيادي، لأن اقتصادها منفتح ومرتبط أساسًا بالخارج، ما يعني أن عدم حصولها على تمويلات خارجية سيدفعها إلى التوجه نحو نادي باريس.

اللجوء إلى نادي باريس (Club de Paris) وهو مجموعة غير رسمية مكونة من مسؤولين ماليين وممولين من 19 دولة تعد من أكبر الاقتصادات في العالم، وانضم إليهم الاحتلال الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2014، تقدم خدمات مالية للدول التي تعاني صعوبات اقتصادية مثل إعادة جدولة ديونها لدى الدائنين بدلًا من إعلان إفلاسها، ستكون تكلفتها باهظة جدًا تصل إلى حد التنازل عن ثروات البلاد الطبيعية أو الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي.

السيناريو اللبناني

تعرف تونس منذ أشهر أعنف أزمة مالية عمقتها تداعيات جائحة كورونا وإجراءات 25 من يوليو/تموز، فقد بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي 8.8%، مع ارتفاع الدين العام المركزي إلى قرابة 87% من إجمالي الناتج المحلي، بالإضافة إلى بلوغ إجمالي عجز الميزانية 9% من الناتج المحلي، ومدفوعات خدمة الديون السنوية من 7-9% من الإجمالي المحلي، فيما خسر الدينار نصف قيمته وقفزت نسبة البطالة إلى 17.4% وتراجعت معدلات الاستثمار إلى النصف.

كما تواجه الحكومة الجديدة التي كلفها قيس سعيد تحديًا بشأن قدرتها على تعبئة موارد مالية لتغطية عجز الميزانية لسنة 2021 الذي بلغ 11.5%، وهي وضعية مالية حرجة للغاية قد تدفع الاقتصاد التونسي إلى الانهيار.

ففي ظل الأزمة السياسية الناتجة عن القرارات الأخيرة للرئيس التونسي بتجميد البرلمان وتعليق العمل بالدستور، إضافة إلى غياب برنامج ورؤية اقتصادية في طرح قيس سعيد، تسير تونس بسرعة نحو السيناريو اللبناني الذي يعيش أسوأ أزمة في التاريخ الحديث، التي دفعت ثلاثة أرباع سكان لبنان إلى براثن الفقر وأفقدت عملته المحلية 90% من قيمتها في العامين الماضيين.

هذا الطرح، أكده القيادي في حزب التيار الديمقراطي هشام العجبوني، إذ أكد في منشور على موقع فيسبوك أن التصنيف الائتماني الجديد لتونس كارثة على الاقتصاد وهو منعرج خطير على اعتبار أنها أصبحت دولة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها، مضيفًا "الطريق أصبحت معبدة لنادي باريس والسيناريو اللبناني أصبح قريبًا من تونس".

 

المؤشرات عن قرب تونس من السيناريو اللبناني عديدة، فخطر الإفلاس بدأ يهدد بتراجع الإنتاج والخدمات وارتفاع نسب البطالة ومزيد من التدهور في مستوى المعيشة.

الخليج.. قبلة سعيد

يبدو أن الرئيس التونسي قيس سعيد الذي لم يتحدث إلا نزرًا منذ انقلابه الدستوري عن الأزمة المالية وتداعياتها ولم يقدر خطورة الوضع الاقتصادي وسبل من دائرة خطر الانهيار الشامل، مقابل إيلاء الجانب السياسي الأهمية القصوى وذلك قصد إحكام سيطرته على مقاليد السلطة في البلاد عبر تحييد الأحزاب وتغيير النظام السياسي، سيجد نفسه في حال عجزت الحكومة عن ولوج الأسواق المالية الدولية لتحصيل القروض، يلجأ إلى الدول لطلب الدعم.

هذه الفرضية ألمح إليها الرئيس التونسي أكثر من مرة، حين تحدث في وقت سابق عن "وقفة" من دول شقيقة وصديقة (دول خليجية) وعدت بتقديم أموال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه (الأزمة الاقتصادية والمالية).

فخلال استقباله وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، أكد سعيد أنه "تحمل الأمانة باتخاذ التدابير الاستثنائية في إطار الدستور بهدف تكريس سيادة الشعب والحفاظ على الدولة ووضع حد لكل مظاهر العبث بمؤسساتها وتعطيل سيرها"، فيما نقل بيان الرئاسة التونسية أن الإمارات تدعم القرارات (الانقلاب)، ومستعدة للوقوف إلى جانب تونس تعزيزًا لما يجمع البلدين من روابط تاريخية.

في موضع آخر، أشار قيس سعيد خلال لقائه بمحافظ البنك المركزي مروان العباسي، إلى "الوقفة الصادقة لدول شقيقة وصديقة لتونس لسد الاختلالات في التوازنات المالية، ومساعدة تونس على الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية".

الرئيس التونسي قال أيضًا: "لدينا أشقاء وأصدقاء صادقون يقفون معنا في كل المجالات، وخاصة الأمني والاقتصادي، وستأتي اللحظة لأعلن عن هذه الوقفة التاريخية من أشقائنا وأصدقائنا".

 

حلول ممكنة

في الوقت الراهن، تحتاج تونس إلى إصلاحات اقتصادية عميقة متعلقة أساسًا بإعادة النظر في آليات الدعم الحكومي للسلع والخدمات وإعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام، إضافة إلى حلول أخرى أكثر استدامة كدعم القطاع الفلاحي واستهلاك المنتج المحلي الذي يوفر الموارد ويقلل الاستيراد الخارجي.

بالإضافة إلى ذلك، فتونس مدعوة إلى دعم مؤسسات القطاع العام الحيوية وتحسين مستوى أدائها الإداري والمالي والإنتاجي لإمداد السوق المحلي بالسلع والخدمات الأساسية، ورفد ميزانية الدولة بموارد إضافية من أجل تشجيع مؤسسات القطاع الخاص المتعثرة والمتأثر بجائحة كورونا.

في السياق ذاته، فإن تونس مطالبة بإحداث ديناميكية في مجال استقطاب الاستثمار بإقرار إصلاحات تشريعية تلغي القيود البيروقراطية من أجل تعزيز النمو الاقتصادي وامتصاص مستويات البطالة المرتفعة، لذلك عليها التخلي تدريجيًا عن رؤية الدولة الموفر الأساسي للوظائف التي أدت إلى تضخم فاتورة أجور القطاع العام وتضاؤل الحيز المالي للاستثمار في الاقتصاد.

أما فيما يتعلق بالقروض الخارجية وصندوق النقد الدولي، فعلى تونس تطبيق الإصلاحات الاقتصادية في إطار ديمقراطي وشفاف وعبر آليات الحوكمة وحسن التصرف، أي أن رزم المساعدات والقروض لا بد أن يقع إنفاقها وفق برنامج واضح لا يقوم على سد حاجات الأجور بل على دعم الإنتاج ورافعاته وتعصير القطاعات الحيوية.

الحل يكمن بيد الرئيس قيس سعيد الذي يجمع بين يديه جميع السلطات، ويتعلق أساسًا ببعث رسائل طمأنة للداخل والخارج، بالإضافة إلى إرساء حوار وطني سياسي يُنهي حالة الاستثناء ويلغي تعليق أعمال البرلمان وحوار آخر مع شركاء اجتماعيين واقتصاديين تونسيين، تمهيدًا لإحياء خطوط التواصل مع صندوق النقد.

الرئيس مطالب أيضًا بتحديد برنامج زمني لخطواته القادمة والمحطات المقبلة كالحوار والتعديل النظام السياسي وإجراء استفتاء لانتخابات مبكرة، حتى يُنهي الضبابية ويعيد ثقة الأطراف الخارجية في الاقتصاد التونسي.

فيما عدا هذه الحلول القائمة على خلق الثروة ودفع عجلة الاستثمار وتعزيز الاستقرار السياسي، فإن المسافة التي تفصل سقوط الاقتصاد التونسي إلى الهاوية على المثال اللبناني، تبدو أقصر مما يتوقع الرئيس قيس سعيد الذي يبدو أنه يحاول جاهدًا إعادة سيناريو التلاقيح، ينتظر أن تصل الأزمة إلى أقصى مدى ثم يتحرك حتى يخرج في ثوب المنقذ، لكن الأمر قد يختلف هذه المرة.