قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، أعلنَ نحو 30 شخصًا ترشحهم حتى الآن، إلا أن إيمانويل ماكرون يبقى المرشّح الأوفر حظًّا للفوز في انتخابات العام المقبل، لكن الأخير سيجد نفسه في وضع غير مريح لعدم معرفته هوية منافسه الرئيسي، ولصعود شخصية شغلت الرأي العام وتفوّقت في استطلاعات الرأي على أسماء معروفة ووازنة، وذلك رغم عدم إعلان نيّتها صراحة خوض الانتخابات.

مع بدء موسم الانتخابات في فرنسا، وإطلاق المرشحين للرئاسة حملاتهم وبرامجهم الانتخابية، سواء عبر لقاءات تلفزيونية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر نجم إيريك زمور ليربكَ حسابات السياسيين والناخبين على حد سواء، فرغم أنّه لم يتقدّم بعد بملفّ ترشيحه إلا أنه تجاوز في استطلاعات الرأي عددًا من المرشحين المعلنين، مثل عمدة باريس، ليُنافِس في حال أعلن نيّته الترشح الرئيسَ إيمانويل ماكرون، وزعيمةَ حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبان.

استطلاعات الرأي

أحدث الصعود المفاجئ لإيريك زمور، اليهودي الفرنسي من أصول جزائرية، في استطلاعات الرأي الخاصة بالمرشحين للتنافس في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها ربيع العام المقبل، هزّةً في الأوساط السياسية الفرنسية، فقد خلطَ هذا الترشح المحتمَل أوراق اليمين واليسار والوسط معًا.

المراقبون والمتابعون لمسار الانتخابات الفرنسية، رجّحوا أن يصلَ إيريك زمور إلى الدور الثاني في الرئاسيات في مواجهة مع الرئيس إيمانويل ماكرون، وذلك في حال استمرَّ في الحفاظ على هذا الأسلوب في إدارة المعركة الانتخابية، على اعتبار أن يأكل من الخزّان الانتخابي للرئيس ماكرون ولليمين المتطرف الذي تقوده تاريخيًّا عائلة لوبان.

استطلاعان، أحدهما نُشر الشهر الجاري، وضعا إيريك زمور في المركز الثاني، لأول مرة، بنسبة تتراوح بين 17% و18% من الأصوات، متقدِّمًا بذلك على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، عن حزب التجمع الوطني، وهي سابقة في التاريخ السياسي الفرنسي، حيث لم تعرف الانتخابات أن يحصد شخص هذه النسبة قبل 6 أشهر، دون أن يكون منتميًا إلى الطبقة السياسية، ودون أن يعبّر صراحة عن نيّته على الترشح بشكل رسمي للانتخابات.

 

إيريك زمور

يهودي من أصول جزائرية، وُلد في فرنسا عام 1958 بمدينة مونتروي ضاحية العاصمة الفرنسية باريس، قبل أن ينتقل مع أسرته للعيش بمدينة درانسي بضواحي باريس، أبدى منذ صغره اهتمامًا بالثقافة والتاريخ والكتابة والتأليف، تخرّج من معهد العلوم السياسية بباريس عام 1979.

بعد فشله لمرّتَين في ولوج المدرسة الفرنسية الوطنية للتسيير والإدارة، دخل الكاتب والصحفي الفرنسي مجال الإعلام، فكتب أول مقال نقدي عام 1986حول الموسيقى في صحيفة "يومية باريس"، وبعد نحو 10 سنوات تمكّن من إيجاد موطئ قدم له داخل هيئة تحرير جريدة "لوفيغارو" ذائعة الصيت، والتي التحقَ بها عام 1996 وتركها عام 1999.

عام 2003 كانت النقلة النوعية في المسار المهني لإيريك زمور بدخوله عالم التلفزيون عبر برنامج "هذا للنقاش" (Ça se dispute)، لينتقلَ بعدها إلى برنامج "لم ننم بعد" (On est pas couché) أحد أشهر البرامج السياسية والثقافية في فرنسا، والذي يقدِّمه الإعلامي الفرنسي الشهير لورون روكيي على القناة الفرنسية الثانية.

توقّفت هذه التجربة الناجحة عام 2011 بشكل مفاجئ بسبب تغيير طاقم العمل، وهو ما فسّره زمور بخوف اليساريين والفنّانين من مواجهته، وفسّره لورون روكيي برغبته في إعطاء نَفَس جديد للبرنامج بعد مواسم خمسة من زمور، لينتقلَ الأخير رفقة زميله في البرنامج إيريك نولو إلى قناة "باريس الأولى" لتقديم برنامج يحمل اسمَيهما.

في سياق ذي صلة، عُرف عن زمور قدرته على تصريف خطابه الشعبوي في خضمّ ثقافة عالمية، فهو قارئ جيد، يملأ كل خطاباته باقتباسات لمؤلفين شبه منسيين، ويذكّر بأحداث تاريخية بعيدة في دولة مثل فرنسا حيث لا تزال الثقافة تتمتّع بالهيبة، ما يمنحه هالة من الاحترام لدى خصومه قبل أنصاره.

عداء للإسلام

المعروف عن إيريك زمور أنه يتبنّى خطابًا شعبويًّا وعاطفيًّا لحشد الأتباع والمؤيدين، وهو من دعاة إنقاذ فرنسا من حالة الانحدار والنزول إلى الهاوية، ولم يتردّد في إلقاء اللوم على الإسلام والمسلمين لتمرير قراءاته العنصرية ومزاعمه حول وجود تحالف بين النخب الاقتصادية والسياسية والثقافية الأصلية و"المهاجرين المسلمين وأحفادهم" .

عُرف عن زمور أيضًا خطابه العنيف ضد المسلمين واستخدامه للأفكار الراديكالية التي تصوّر الإسلام كدين ثيوقراطي، والمسلمين كـ"بدو قادمين من جنوب البحر الأبيض المتوسط"، والمهاجرين "يلوِّثون العرق الكاثوليكي"، معتبرًا أن "النساء المحجّبات والرجال الذين يرتدون الجلباب هم بروباغندا لأسلمة الشارع الفرنسي"، مؤكّدًا أن لباسهم أشبه ما يكون بـ"البدلة العسكرية لجيش احتلال، يحاول تذكير المهزوم بخضوعه له".

في السياق ذاته، يعدّ زمور من روّاد نظرية الاستبدال العظيم التي تقوم على التحذير من أن فرنسا "ستختفي" أو تصبح "جمهورية إسلامية" في غضون قرن، إن لم يتصدَّ الفرنسيون للهجرة، وكثيرًا ما يذكّر بأن معركة واترلو، التي شهدت الهزيمة الحاسمة لبونابرت عام 1815، شكّلت بداية انحطاط فرنسا و"موتها".

 

لئن كان الكاتب الفرنسي رونو كامو مؤسِّس هذه النظرية، التي تدّعي أن هجرة المسلمين المكثّفة إلى الأراضي الغربية ونموهم الديموغرافي داخلها، سيؤدي في نهاية المطاف إلى استبدال شعوب عربية ومسلمة، تنتشر وتحتلّ هذه البلدان بحكم التفوق العددي، بالشعوب البيضاء؛ فإن فضل انتشار تلك النظرية العنصرية ورواجها وتزايُد المتعصبين لها، يعود في الأساس إلى إيريك زمور الذي استغلَّ المنابر الإعلامية ومداخلاته التلفزيونية والكتب التي ينشرها لتسويق هذا الطرح.

 

لم يكتفِ الصحفي اليميني المتطرف باستهداف المسلمين في الداخل الفرنسي، بل طالَ هوسه الفكري بلدانًا بأكملها، حيث أشار زمور في وقت سابق إلى أنه لم تكن توجد أُمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، وأن باريس هي من أنشأت الجزائر التي كانت مستعمَرة منذ الأزل من مستعمِرين كُثر.

 

رهان زمور

زمور الذي أعلنَ في وقت سابق أنه بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان ترشحه للانتخابات الفرنسية، يراهنُ على جمع ما يسمّيه "اليمين الوطني"، وذلك بعد أن يقوِّض اليمين التقليدي الذي ينتمي إليه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، فحزب الجمهوريين يفتقدُ راهنًا إلى زعامات وهو منقسم إلى نصفَين، أحدهما منسجم مع ماكرون وداعم له والآخر أغرّته دعوات زمور ومقارباته السياسية.

لذلك، يبدو أن الصحفي الفرنسي الذي لا يملك برنامجًا انتخابيًّا ولا ينتمي إلى أي حزب، سيعملُ على ألا يخرج اسمه عن الأسماء الثلاثة المرشَّحة لخوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وسيستثمر أيضًا الانتكاسات التي شهدتها فرنسا خلال السنتَين الماضيتَين والمتعلقة بأداء الرئيس ماكرون تجاه انتشار فيروس كورونا، والانتقادات التي طالته حيال ملفات مثل الجزائر والتي من الممكن أن تقلِّلَ من فرص فوزه.

على الجانب ذاته، يحاول إيريك زمور استنساخ أنموذج فرنسي لنسخة ترامب الأمريكية على مستوى الخطاب ومضمونه، بل وصل به الأمر إلى تصميم كتابه الأخير "فرنسا لم تقل كلمتها بعد"، والذي تصدّرَ قائمة المبيعات، على شاكلة كتاب ترامب "أمريكا عظيمة مرة أخرى".

علّقَ الصحفي الفرنسي على تقليده لكتاب ترامب بالقول إن الغلاف ليس الشيء الوحيد الذي استلهمه من الرئيس الأمريكي، في إشارة إلى أنه يستلهم منه بعض الأفكار التي تقوم على النزعة الراديكالية، وإمكانية الاقتداء به في القفز من التلفزيون إلى السياسة.

لذلك، يُمكن القول إن اعتماد زمور على الشعبوية والخطاب المستفزّ هو جزء من الخطة الاتصالية التي يرسمها، والهادفة أساسًا للقضاء على خصمَيه لوبان وماكرون من خلال تقديم نفسه على أنه "المخلّص" والأسطورة المرسلة لربط أقصى اليمين الفرنسي ووسطه، إلى حدّ ما نجح زمور في تقديم نفسه كبديل قادر على تحقيق المصالح العليا للأمة الفرنسية، خاصة لدى النخبة التقليدية التي تمثّل اليمين الراديكالي، حيث قال جان ماري لوبان، مؤسِّس الحزب الذي تقوده ابنته: "لا أحد يتجرأ على قول الأشياء التي يقولها زمور غيري".

وقد لا تكون شعبية زمور دائمة، لكن المجادل الذي يزعم أنه من تلامذة شارل ديغول ومدرسته السياسية، وجدَ منطقة دعم قوية له. فهو يمزج ما بين مظهر المثقف والشعبوية الفجّة، بطريقة تمزج ما بين ناخبي البرجوازية الكاثوليكية المتطرفة والناخبين من الطبقة العاملة.

مخاوف

إن انتقاد المسلمين والمسّ بهويتهم والتشكيك في انتمائهم ليس بالشيء الجديد في فرنسا، إلا أن احتمال ترشُّح إيريك زمور للرئاسة الفرنسية وإمكانية فوزه، أثار مخاوف كثير من العرب والمسلمين، ممّا قد يستتبعه من تضييق للعيش على المهاجرين وأبنائهم وعلى المجتمع الفرنسي بشكل أوسع.

فالصحفي ذو الأصول اليهودية عُرف عنه منذ سنوات رفضه للمظاهر الثقافية التي يتمسّك بها أبناء الجاليات المسلمة في فرنسا، بدءًا بالطقوس الدينية وصولًا لأسمائهم ولغتهم، إلا أن الخطر الرئيسي يكمن فيما نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" من أن الكثير من الفرنسيين يتّفقون على ما يبدو معه حول موقفه من الإسلام، ووجوده في فرنسا كمكوِّن ديني وثقافي يتعارض مع القِيَم الفرنسية، مشيرة إلى أن زمور سيكون بمثابة ترامب جديد.

المخاوف الحقيقية لم تكشفها التقارير الإعلامية بقدر ما أثارتها تصريحات زمور الأخيرة، حين سُئل عمّا إذا كان سيطلب من المسلمين إنكار دينهم حتى يقبلهم ضمن الجمهورية الفرنسية، فإجابته بأنّه سيفعل ما فعله نابوليون بونابرت مع اليهود أثناء الثورة الفرنسية، أي قانون 1803 الذي يمنع منح المولودين في فرنسا أسماء غير فرنسية والذي ظلَّ ساريًا حتى عام 1993، عزّزت هواجس العرب والمسلمين والفرنسيين أنفسهم، وأثارت جملة من الأسئلة بشأن مستقبل فرنسا في حال صعود زمور إلى الإليزيه.

تصريحات زمور الاستفزازية الشبيهة بشطحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودفاعه عن نظام فيشي المتعاون مع النازيين، إضافة إلى مساندته للهجمات المتفرِّقة التي تستهدف السود والعرب والمسلمين، أعادت تحريك أسئلة الهوية والانتماء، في حين أن فرنسا مطالَبة بتجاوز هذه الحلقة المفرغة حتى تستطيع استعادة مكانتها ونفوذها في أوروبا والعالم.

 

قد يجدُ إيريك زمور حاضنة ملائمة لتفريخ أفكاره وهوسه بالقضايا الثلاثة الساخنة في فرنسا، والمتمثلة في الهجرة والهوية والإسلام، إلا أن الصحفي اليميني المتطرف الذي أغراه صعود ترامب إلى البيت الأبيض، يبدو أنه تناسى أن القضايا ذاتها يمكنها أن تكون سببًا في هزيمته، فالتاريخ أثبت أن من يلعب على وتر الهوية والانتماء سيسقط سريعًا، كعائلة لوبان.