في سابقة لم تحدث منذ سنوات، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلغاء حالة الطوارئ المعلنة في البلاد بشكل منتظم دون انقطاع منذ عام 2017، واستقبلت الصحف والشخصيات العامة المؤيدة للسلطة القرار بحفاوة كبيرة بينما اعتبرته الكثير من الأوساط الحقوقية مفرغًا من مضمونه، والسلطة احتاطت جيدًا قبل اتخاذه، وضمنت لنفسها مساحة واسعة من سلطة التقييد والرقابة على الحريات في البلاد، ولا أمل منه ولا رجاء. 

تجاهل حقوقي

رغم إشادة بعض الحقوقيين الذين يتبنون مبدأ المقاربة مع الدولة ودفعها لاتخاذ المزيد من الخطوات الإصلاحية، على شاكلة نهاد أبو القمصان وطارق العوضي بالقرار وانعكاساته، وقدموا تفسيرات للمادة 19 من قانون الطوارئ التي تمنع تقديم أي متهم جديد إلى محاكم أمن الدولة على أن يتبع في شأنه إجراءات التقاضي الطبيعية المعمول بها في البلاد، هناك فريق آخر رفض تمامًا تمرير القرار على اعتبار أنه انتصار حقوقي وبرهان من الدولة على احترام الحقوق والحريات، ومحاولة يجب الثناء عليها لبناء عقد اجتماعي جديد، ينفض غبار الماضي ويضمد جراحه، وعلى رأس هؤلاء المحامي الحقوقي ناصر أمين.

أمين كشف ثغرات معقدة قال إنه جرى تكييفها قبل إعلان رفع الطوارئ، وأكد أن كل النصوص الاستثنائية التى تبيح القبض والتفتيش والحبس دون التقيد بقانون الإجراءات الواردة في قانون الطوارئ تم نقلها إلى قوانين أخرى ما زلت سارية ولا يتطلب تطبيقها إعلان حالة الطوارئ مثل قانون مكافحة الارهاب وقانون الكيانات الإرهابية.

وأوضح أن السلطة التنفيذية ما زالت تملك السند التشريعي لعدم الالتزام بقانون الإجراءات الجنائية الطبيعي، وبالتالي "لا شيء مهم" على حد تعبيره.

التزام حقوقي أم تفاهم مع أمريكا؟ 

البحث عن سر السياق الزمني لتعليق قانون الطوارئ في مصر، يكشف أن القرار محاولة لبناء علاقة أكثر صحية مع الولايات المتحدة وامتصاص الضغوط الشديدة لإدارة الرئيس جو بايدن التي يمارسها على الدولة المصرية للتقدم في الملف الحقوقي، الذي بدأت سلسلة تصعيده سبتمبر/أيلول الماضي بتعليق 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية، واشترط إعادتها بتحسين النظام سجله في قضايا حقوق الإنسان. 

القرار يعتبر بدايةً لسلسة من التضييقات الاضطرارية على أهم حليف لأمريكا في الشرق الأوسط، بسبب الانتهاكات الحكومية المصرية التي تثير حملة انتقادات تتصاعد بشدة ضد أهم كروت بايدن الانتخابية، التي تعهد فيها بإصلاح أضرار صعبة لحقت بسمعة أمريكا في قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم يعد هناك مفر مع الضغط بصورة مكثفة وخاصة على حلفاء الولايات المتحدة، للمضي في تقديم إصلاحات أكثر موضوعية وجرأة.

تصعيد لن يتوقف

يعرف النظام المصري أن سلسلة التصعيد لن تنتهي، خاصة أن الولايات المتحدة ربما استنفدت كل حلولها الإصلاحية، فكانت تتبع نهجًا آخر وتعهدت بتقديم 170 مليون دولار لمصر لمكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع انتشار الأسلحة.

حاولت الإدارة الأمريكية تبني أسلوب التحفيز عبر منح مصر ملايين الدولارات مقابل إنهاء الحبس الإحتياطي والمحاكمات المطولة ضد الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني عبر غلق ملف القضية الشهيرة 173 لسنة 2011، المعروفة باسم التمويل الأجنبي والإفراج عن 16 شخصًا حددتهم الولايات المتحدة ورفعتهم إلى القاهرة منذ يونيو/حزيران الماضي. 

لكن الضغط الداخلي الأمريكي وعدم تجاوب النظام المصري بمرونة كافية، دعا إدارة بايدن إلى حجب 130 مليون دولار للإفلات من ضغوط المشرعين الديمقراطيين والمراقبين الحقوقيين على إدارة الرئيس الديمقراطي، التي تطارده للوفاء بوعوده بأن يكون لأمريكا سياسة خارجية تقود حقوق الإنسان في العالم. 

تدعو الجماعات الحقوقية في أمريكا إلى إصلاح شامل للتمويل، إذ يصدر الكونغرس سنويًا تشريعات تفرض قيودًا على قضايا حقوق الإنسان بنحو 300 مليون دولار تخصم من المساعدات السنوية للبلدان المختلفة، ما يتطلب من وزارة الخارجية التعامل بطريقة أكثر حسمًا، خاصة أنها كانت تتهرب من ضغوط الكونغرس بحجة الأمن القومي لتبرير الإفراج عن الأموال لحلفائها.

لكن الحملات الشرسة وخاصة من السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، الذي يضغط بشكل مستمر لحجب كامل مبلغ المعونة المقدمة لمصر لم يترك لها مجالًا للحجج.  

 

 

مستقبل الحريات

لا أمل قريب في الإصلاح، هكذا استقبل المعارضون للنظام المصري قرار إلغاء الطوارئ، وشنوا حملة انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي أوضحوا فيها أن القانون ينص على أن أي محاكمات أو قضايا تنظر حاليًّا في محاكم أمن الدولة لن تتأثر بإلغاء الطوائ، وسيظل النظر فيها قائمًا، وبالتالي الحراك الذي حدث في الملف سيطبق على القضايا الجديدة فقط، ولن يتغير الوضع داخل السجون. 

 

 

المحامي الحقوقي أحمد أبو العلا ماضي، نجل رئيس حزب الوسط المعارض أبو العلا الماضي، الذي يتولى الدفاع عن بعض القيادات المعارضة من الذين لم يتفاءلوا بإلغاء حالة الطوارئ، وقال إنها خطوة لا أثر لها بالنسبة للمحبوسين احتياطيًا وبالأخص من تجاوز منهم السنتين (الحد الأقصى للحبس الاحتياطي).

أضاف أبو العلا "هم من الأصل محبوسون بالمخالفة لقانون الإجراءات الجنائية وإخلاء سبيلهم وجوبيًا، وكان يجب أن تتبع إلغاء حالة الطوارئ قرارات أخرى، أهمها تطبيق القانون الذي تتم مخالفته، حال وجود حسن نية حقيقية لدى النظام من إلغاء الطوارئ". 

كذلك اعتبر القيادي الإخواني حمزة زوبع، أنه لإثبات صحة إلغاء الطوارئ في مصر، يجب الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وتعويضهم عما أصابهم من أضرار وفتح المجال السياسي وإطلاق حرية التعبير والرأي، وتطبيق معايير حقوق الإنسان كما جاءت في الدستور. 

 

 

ماذا تبقى من المعارضة المصرية؟

قد يرى البعض في إلغاء قانون الطوارئ بارقة أمل في العودة إلى مسار أكثر عدالة لمن سيتم تقديمهم للمحاكمات في قضايا رأي لاحقًا وإن كان من المبكر الحكم على ذلك قبل أن يكون هناك شواهد موضوعية للحكم على الأداء المهني للسلطات المصرية في مسقبل الأوضاع، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تبقى في البلاد معارضة يمكنها مواجهة النظام السياسي وتقديم بدائلها بعد إلغاء الطوارئ؟

الصورة الحاليّة لحال المعارضة تفيد بالنفي، فقد تم تقييد حرية التظاهر بموجب قانون صدر عام 2013 يحظر التظاهرات غير المصرح بها أمنيًا، وهو ما أنهى تمامًا أي أثر للتظاهرات التي كانت أيقونة التعبير عن حيوية السياسة المصرية وخاصة خلال سنوات ما بعد ثورة 25 يناير. 

استنزفت السلطة على مدار السنوات الماضية كل أشكال المعارضة، سواء من الأحزاب السياسية أم الفاعلين من جميع التوجهات الذين أعلنوا تصديهم لهذه الأوضاع ورفضوا مبررات النظام الحاكم عن تهديدات الأمن والإرهاب في سيناء والصراع الوجودي مع جماعة الإخوان المسلمين التي تم إعلانها حركة إرهابية، وحاولوا التمسك بالبقاء وفتح مسام في جدار السياسة المتهالك، لكن الدولة طبقت رؤية شديدة الأحادية ولم تسمح بوجود رؤى بديلة.

من هذا المنطق ألقي القبض على عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية المعارض، ونائب رئيس حزبه محمد القصاص، كما تم القبض على عدد من الشخصيات العامة المعروفة بتوجهاتها الليبرالية واليسارية والحقوقية المعارضة للنظام مثل زياد العليمي وحسام مؤنس وهشام فؤاد الذين كانوا جزءًا من تحالف الأمل الذي خطط  لخوض الانتخابات البرلمانية عام 2020، وتم القبض على جميع رموزه وما زالوا في السجون حتى الآن. 

اتخذت الدولة المصرية من القمع ضرورة أيديولوجية لحمايتها، وهذه العقيدة سبب تورط الأمن المصري في التعامل بقسوة مفرطة مع الباحث جوليو ريجيني، طالب الدكتوراة الإيطالي، الذي قبُض عليه وقتل من فرط التعذيب، وأصبحت القضية عنوانًا لأزمة كبرى في العلاقات بين مصر وإيطاليا، قدمت الأخيرة على إثرها أربعة مسؤولين أمنيين مصريين للمحاكمة غيابيًا أمام القضاء الإيطالي بعد رفض مصر تسليمهم بتهم تتعلق بالاختطاف والتعذيب.

في المقابل امتصت المؤسسات السيادية المصرية الضغط الإيطالي، لا سيما أنها ما زالت على قناعة أن نشاط ريجيني الذي كان ينقب عن حال النقابات العمالية المستقلة في مصر لا يخرج عن الجاسوسية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو الموساد، فالنشاط في هذا المجال بالنسبة لها، يعني العداء للدولة وقيادتها حتى يثبت العكس. 

من هذه الشواهد يمكن القول إن الطوارئ ألغيت بالفعل، لكن هل بالصورة التي تسمح بعودة الحريات والمعارضة والحياة السياسية؟ لا حتى إشعار آخر.