ترجمة وتحرير نون بوست

في الوقت الذي استطاعت فيه تونس مواجهة توقعات انخفاض إقبال الناخبين (إذ صوّت أكثر من ٦٠٪ ممن لهم حق التصويت)، وضمنت عملية تصويت سليمة وآمنة، وبعد أن أشاد معظم من تابعوا الانتخابات بإجرائها بنجاح بدأ المحللون فورا بمناقشة ما يسمى “النموذج التونسي” باعتباره مثالا على التحول الديمقراطي.

حصل حزب نداء تونس على 85 مقعدا في البرلمان، فيما حصل النهضة الإسلامي على 69. كان العديدون قد تنبأوا للطرفين بالسيطرة على المشهد السياسي، لكن فوجئ الجميع بعدم حصل النهضة على أغلبية الأصوات. العديد من وسائل الإعلام الغربية فرحت بسرعة وأطرت فوز نداء تونس كانتصار للعلمانية على الإسلام السياسي، في شكل من أشكال التبسيط المخل والتحليل المعتمد على الأبيض والأسود!

ومع ذلك، ينبغي وسط هذا الفرح ألا نغفل عن عدد من النقاط الهامة بخصوص حزب نداء تونس. يعبر العديد من النقاد عن قلقهم من الردة السياسية إلى ممارسات النظام القديم، كما يخشى البعض أن نداء تونس سيهيمن على المشهد السياسي التونسي. الحزب السياسي الذي لديه سنتان من العمر لديه أيضا علاقات مع نظام الزعيم الأول للبلاد (الحبيب بورقيبة) الذي حكم لثلاثين عاما، وزين العابدين بن علي الذي حكم لمدة 23 عاما، وكلاهما ليس لديهما كثير فهم للديمقراطية.

العديد من التونسيين الآن يحنون إلى حكم بورقيبة، يصفه البعض بأنه “أبو تونس”. قام الرئيس الذي تعلم في فرنسا بالعديد من الإجراءات والتي كان أبرزها تأكده من الفصل التام والكامل بين الدين والدولة. كان الحنين لعهد بورقيبة مصدر إلهام وموضوعا متكررا للحملات السياسية لزعيم نداء تونس، الباجي قائد السبسي. السبسي الذي يبلغ من العمر 87 عاما جاء من خلفية برجوازية، كان قد تقلد ثلاثة مناصب وزارية تحت حكم بورقيبة، وأصبح واحدا من النخبة الحاكمة في عهد زين العابدين بن علي. العديد من أعضاء حزب بن علي الآن أعضاء في نداء تونس.
يعتبر الحزب الشاب علمانيا جامعا لتشكيلة واسعة من مسؤولي النظام السابق والعلمانيين ورجال الأعمال وحتى اليساريين المتحدون جميعا لمكافحة الإسلام السياسي. أحد شعارات الحزب كان “عدم التصويت للنداء هو تصويت للنهضة”، كما أن الحزب استخدم لفظ "vote utile" أو “التصويت المفيد” والذي يعني عدم الإدلاء بصوتك للأحزاب ذات الفرص الضئيلة ويُعتقد أن لهذا الشعار دور هام في زيادة الاستقطاب السياسي بين الحزبين الكبيرين على أساس الهوية.

وسرعان ما ابتلعت النهضة مرارة الهزيمة وهنأ زعيمها راشد الغنوشي زعيم النداء على الفوز واعدا بالعمل من أجل مستقبل البلاد ومعربا عن انفتاح النهضة للانضمام للائتلاف السياسي الحاكم. أوضحت النهضة عدة مرات أنها ملتزمة بالديمقراطية، فعلى سبيل المثال بعد الانتهاء من وضع الدستور في بداية 2014، قامت النهضة بتسليم السلطة إلى حكومة تكنوقراط، وفي مقال سابق ترجمه نون بوست قالت الباحثة في أوكسفورد مونيكا ماركس أن “النهضة داخليا هي أكثر الأحزاب ديمقراطية في تونس”.

من ناحية أخرى، فإن قرارات النداء تهبط من أعلى لأسفل، بما في ذلك قرار ترشيح السبسي للرئاسة. بينما قرر حزب النهضة عدم الترشح للانتخابات الرئاسية بحجة عدم الهيمنة على المشهد السياسي، لكن النداء لم يلتفت لذلك وقام بترشيح رئيسه. تشير التوقعات أن قائد السبسي سيكون الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية في 23 نوفمبر الجاري. تدشين حملته الانتخابية، كان في ضريح “أب تونس”، وتعهد السبسي لاستعادة “هيبة الدولة” على نفس منوال بورقيبة.

بـ85 مقعدا، يحتاج نداء تونس لتشكيل ائتلاف. وكانت القوى السياسية  في تونس قد وقعت على تعهد يقضي بالتعاون والتوافق والتراضي، وهو ما يعني وجود حوار شامل بأي تكلفة! هذا الحوار غالبا ما يتم بمساعدة الاتحاد العام للشغل. وهذا سيكون من أجل تشكيل تحالف سياسي كامل.

أحد خيارات الحزب هو الانضمام إلى تحالف مع أحزاب غير إسلامية. النهضة، بعد حصولها على أغلبية الأصوات في أول انتخابات في البلاد عام 2011، شكلت الترويكا، مع حزبي التكتل العلماني، والمؤتمر من أجل الجمهورية الذي يميل نحو اليسار، لكن التكتل الذي حصل على 12 مقعدا في 2011، حصل هذه المرة على مقعد واحد فقط. هذا التحالف قد يشمل الاتحاد الوطني الحر الذي حصل على 16 مقعدا، وائتلاف الجبهة الشعبية اليساري الذي حصل على 15 مقعدا، أو آفاق تونس و8 مقاعد بحوزته. مثل هذا الائتلاف قد يكون سهلا من وجهة نظر أيديولوجية مضادة للنهضة، لكنه لن يصلح أبدا في إدارة المرحلة الانتقالية حسبما يقول ديوردي تودوروفيتش، مدير المعهد الجمهوري IRI في تونس.

وعلى الرغم من تصوير وسائل الإعلام الدولية للنتائج على أنها هزيمة للإسلاميين رغم حصولهم على قرابة ثلث الأصوات (27٪)، إلا أن النهضة ستظل صوتا قويا في البرلمان. كما أن المفاوضات لا تزال جارية وهناك احتمالات بتشكيل حكومة وحدة وطنية تُمنح فيها النهضة عدة وزارات. من شأن التحالف بين النهضة والنداء أن يكون مستقرا، لكنه لن يكون سهل التسويق لدى قواعد الحزبين. ربما تشكيل حكومة وحدة وطنية من كلا الطرفين ومن أحزاب أخرى سيكون خيارا مستقرا أيضا لكنه سيكون شديد الصعوبة بحسب تودوروفيتش، الذي يؤكد أنه “على الرغم من وجود المنافسة بين الطرفين إلا أن هناك إمكانية كبيرة للحوار”.

إحدى قياديات حزب النهضة، السيدة الونيسي، صرحت أن “العلاقة بين النداء وبيننا ودية للغاية”، مضيفة “إنهم تواصلوا معنا بالفعل لمناقشة خيار حكومة الوحدة الوطنية لأنهم يعلمون جيدا أنه من المستحيل أن يُحكم تونس دون أغلبية مريحة” خاصة مع الإصلاحات التي تحتاج البلاد تنفيذها خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومع ذلك، تعتقد الونيسي أنه لا يوجد اتفاق حتى الآن، فيما يعتقد العديد من الخبراء أن الائتلاف مستبعد للغاية. تقول الونيسي إنه “قرار صعب للغاية، لكن علينا أن نفكر في المصلحة الوطنية دون فقدان قيمنا” أما البديل بالنسبة للنهضة فسيكون كما تقول الونيسي “سيكون لنا دورا كبيرا ومفيدا في المعارضة”

الائتلاف السياسي من غير المرجح أن يحدث قبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية كما يعتقد تودوروفيتش. وعلى مدار السنوات الخمس المقبلة، نداء تونس سيحتاج أن يثبت التزامه بالديمقراطية التعددية، سواء كان ذلك في حكومة وحدة وطنية أم لا.

المعلم الثاني لقصة نجاح تونس سيكون أن يضمن الجميع أن الديمقراطية التعددية هي رغبة متأصلة في المشهد السياسي، حيث لا يصبح لحزب واحد الهيمنة الكاملة على الدولة.

المصدر: ميدل إيست مونيتور