على ضفاف نهر كلايد تقع مدينة غلاسكو، التي كانت في يوم من الأيام قلب اسكتلندا الصناعي، ومركزًا لتجارة البروكيماويات والمعدّات الهندسية، وأصبحت الآن نقطة لانطلاق الطاقة الخضراء. إنها المكان المناسب لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي، حيث سيجتمع حوالي 20 ألف شخص من 196 دولة -بما في ذلك قادة العالم والعلماء والنشطاء- لحضور القمة الـ 26 (COP26).    

بالتزامن مع انطلاق المؤتمر، وجَّه أطفال غلاسكو رسالة إلى قادة العالم المشاركين، محذّرين من تبعات التغير المناخي، ويقول أحدهم في مقطع فيديو قصير إنه "إذا استمرت حرارة الأرض بالارتفاع سيرتفع منسوب الماء، ولن تبقى هناك أرض يابسة، وعليه لن تتمكن الحيوانات من العيش"، ويقول آخر: "سيذوب الجليد، وتتدمّر طبقة الأوزون". 

ما أعرب عنه الأطفال ليس محض خيال، فقد شهدت الـ10 سنوات الأخيرة أعلى درجات حرارة عالميًّا منذ تسجيل الإحصاءات، وأتَت فيضانات عارمة على عدة مدن أوروبية في الصيف الماضي، وقضت حرائق الغابات على ملايين الهكتارات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأستراليا.

لماذا هذا المؤتمر مهمّ مقارنة بغيره؟

في عام 1992 وقّعت أكثر من 100 دولة على معاهدة تُسمّى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ لخفض الانبعاثات العالمية والحفاظ على مناخ الأرض. اتفقت الدول المتقدمة والنامية -كما وصفتها المعاهدة- على أن لديها مسؤوليات مختلفة في مكافحة تغير المناخ، ولكن يتعيّن على جميع الدول العمل معًا ومعالجة المشكلة بالإجماع. 

ومع ذلك، لم توافق جميع الدول رسميًّا على اتخاذ إجراءات للحدّ من الاحترار المناخي إلّا في المؤتمر الـ 21 لأطراف اتفاقية باريس للمناخ عام 2015؛ ففي قمة كوبنهاغن عام 2009، أخفقَ قادة العالم في الوصول إلى اتفاقية مُلزِمة قانونيًّا، بسبب معارضة بعض الدول النامية للنسخة النهائية من الاتفاقية. 

من شحن البضائع الحالي إلى أساليب النقل الحديثة، ومن إنهاء استهلاك الفحم إلى الأسمنت والصلب الأخضر (منخفض الانبعاثات الكربونية)، ومن الحدّ من غاز الميثان إلى الحلول القائمة على مصادر الطاقة الطبيعية، سيشهد المؤتمر الذي انطلق في 31 أكتوبر/ تشرين الأول اجتماع مجموعة جديدة من الدول التي فرّقتها السياسة. 

وثائق مسرَّبة من هذا التقرير الذي يصدر كل 6 أو 7 سنوات، أظهرت مطالبات عدة دول على رأسهم السعودية وأستراليا واليابان بضرورة عدم انتقاد استخدام الوقود الأحفوري.

خلال الحدث الذي يستمرُّ أسبوعَين، سيناقش قادة العالم كيف ستعمل بلدانهم على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تؤدّي إلى تغير المناخ، ومدى تقدُّم أو تراجُع الالتزامات الأخيرة الموقّعة في اتفاقية باريس للمناخ (COP21) عام 2015، التي كانت تهدف للتخفيف من انبعاثات الغازات الدفيئة، وبالتالي خفض درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية (2.7 فهرنهايت) حتى لا يتدمّر الكوكب.  

وفي حين يناقش العلماء الجهود المبذولة لتتبُّع الانبعاثات وفهم الآثار وتعزيز الإمكانات، سيواصل المفاوضون أيضًا المناقشات حول المساعدات المالية للبلدان منخفضة الدخل، والتي كانت أقل مساهمة في أزمة المناخ، ولكن يتعيّن عليها الآن الاستعداد لعواقبها وتطوير اقتصاداتها دون الاعتماد على الوقود الأحفوري. 

ومن المقرَّر أن يستعرض المؤتمر تقريرًا أمميًّا أعدّته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي، ويجمع أبرز الأدلة العلمية التي تستند عليها الحكومات في تحديد الإجراءات الواجب اتخاذها بشأن كيفية معالجة تغير المناخ. 

وثائق مسرَّبة من هذا التقرير الذي يصدر كل 6 أو 7 سنوات، أظهرت مطالبات عدة دول على رأسهم السعودية وأستراليا واليابان بضرورة عدم انتقاد استخدام الوقود الأحفوري، فالنفط بالنسبة إلى السعودية هو عصب الاقتصاد، وأستراليا هي أكبر مصدِّر للفحم، واليابان هي ثالث أكبر مستورد للفحم بعد الصين والهند.

صورة
تقف البلدان النامية على الخطوط الأمامية في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري.

تشير التسريبات إلى مطالبة مستشار وزارة النفط السعودية بحذف عبارات مثل "الحاجة إلى تسريع إجراءات التخفيف على جميع المستويات للوقود الأحفوري"، وثمة عبارة أخرى لم تعجب السعودية هي "إيقاف الانبعاثات الكربونية في أنظمة الطاقة يجب أن يكون آمنًا خلال التحول السريع من مصادر خالية من خلال الكربون والتخلُّص التدريجي من الوقود الأحفوري". 

كشفت هذه الوثائق أيضًا أن بعض الدول الغنية تبدو غير راضية عن تقديمها الأموال للدول الأخرى الأصغر والأقل ثراءً أو الدول النامية، لمساعدتها في التحول إلى التكنولوجيا الخضراء، حيث هي الأكثر عرضة للآثار الضارّة للتغير المناخي، وموجات الطقس المتطرف كالفيضانات والجفاف وحرائق الغابات والأعاصير. 

تطرح هذه التسريبات عدة تساؤلات بشأن قمة التغير المناخي الـ 26، التي ستطلب من هذه الدول الموافقة على تعهُّدات جديدة تهدف إلى مواجهة التغير المناخي، فهل تستجيب اللجنة الأممية إلى المطالب السعودية؟ 

وعود زائفة.. هل نسير على المسار الصحيح؟

إذا كان مؤتمر باريس يمثّل الاتفاق على التعهُّدات، فإن المؤتمر الأخير في غلاسكو يشمل مراجعة هذه الالتزامات، لكن النبأ السيّئ هو أن البلدان ليست على المسار الصحيح، فقد طُلب منهم هذا العام تقديم خطط عمل وطنية جديدة تُعرَف باسم المساهمات المحددة وطنيًّا (NDCs). من بين 191 طرفًا في اتفاقية باريس، قدمت أكثر من 80 دولة هذه الخطط المطلوبة بموجب الاتفاقية. 

ويُظهر تقريرُ فجوة الانبعاثات لعام 2021 أن التعهدات المناخية الوطنية الجديدة -جنبًا إلى جنب مع تدابير التخفيف الأخرى- تضع العالم على مسار يؤدّي إلى ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية (4.86 فهرنهايت) بحلول نهاية القرن.

وبحسب التقرير الذي استبق قمة غلاسكو، فإن مستوى الاحتباس هذا أعلى بكثير من أهداف اتفاق باريس للمناخ، وسيؤدّي إلى تغييرات كارثية في مناخ الأرض، ومن أجل الحفاظ على الاحتباس الحراري، يحتاج العالم إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى النصف في السنوات الثماني المقبلة.

في حين لم تسهم البلدان الأقل نموًّا إلّا بنسبة ضئيلة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، يُسأل سكّان الدول الأكثر ثراءً -الذين تبلغ نسبتهم 1%- عمّا يزيد عن ضعف كمية الانبعاثات.

وما زال الجدل محتدمًا حول كيفية تحديد وتتبُّع تمويل المناخ، وهي واحدة من أهم التعهدات الأخرى التي تمثل أساس التقدُّم في جميع القضايا، فقبل 12 عامًا، وتحديدًا في عام 2009، تعهّدت الدول الغنية بتوفير 100 مليار دولار سنويًّا لمساعدة الدول النامية في التأقلم مع التغير المناخي بحلول عام 2020، لكنها لم تصل إلى هذا الهدف بعد، وبلغ إجمالي تلك التعهدات 80 مليار دولار فقط بحلول 2019، ومن المتوقع أن الأمر سيستغرق حتى عام 2023 للوصول إلى هذا الرقم. 

هذه الوعود التي قُطعت منذ ذلك الحين ما زالت أقل من الهدف الرسمي للحدّ من الاحتباس الحراري، لتتحمّل الدول الأكثر فقرًا في النهاية في هذه المعادلة النصيب الأكبر، فخلال الـ 50 عامًا الماضية، أكثر من 2 من بين كل 3 حالات وفاة كانت في دول العالم الأقل نموًّا -البالغ عددها 46 دولة يمثّل سكانها مليار نسمة- نتيجة لموجات الطقس القاسي الأكثر تأثُّرًا بتغير المناخ. 

الاجتماع يمثّل فرصة أخيرة لحكومات العالم لصياغة خطة جماعية تحقِّق أهدافهم الأكثر طموحًا للحدّ من تغير المناخ.

وفي حين لم تسهم البلدان الأقل نموًّا إلّا بنسبة ضئيلة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، يُسأل سكان الدول الأكثر ثراءً -الذين تبلغ نسبتهم 1%- عمّا يزيد عن ضعف كمية الانبعاثات. تمامًا كما هو الحال مع إطلاق لقاح فيروس كورونا، قد يتساءل العالم النامي عمّا إذا كانوا يسيرون ببطء في تباعُد اقتصادي جديد، حيث يصبح الأغنياء أكثر ثراءً والفقراء أكثر فقرًا. 

لم تقدِّم بعض دول مجموعة العشرين (G20) خططها المحدثة حتى الآن، وهي مجموعة من الاقتصادات العالمية الرائدة التي تشكل مجتمعة ما يقارب الـ 80% من الانبعاثات العالمية، وعقدت قمتها السنوية في روما في 30-31 أكتوبر/ تشرين الأول، مباشرة قبل بدء المؤتمر الدولي حول المناخ.  

وفي حين قدّمت البرازيل والمكسيك وأستراليا وروسيا خططًا لا تتماشى مع اتفاقية باريس للمناخ، ينتظر العالم ليرى كيف ستعزِّز الصين هدف خفض الانبعاثات لعام 2030، والذي يتضمّن حاليًّا خفض الانبعاثات بنسبة 65% لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

في هذه الأثناء تتّجه أنظار العالم أيضًا إلى الولايات المتحدة، ويبدو أن معارضة اثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، جو مانشين من ويست فرجينيا وكيرستن سينيما من أريزونا، من المرجّح أن تجبر إدارة بايدن على التراجُع عن تقليص خطة كان من شأنها أن تحفِّز على التحول إلى مصادر طاقة أنظف بشكل أسرع. 

الأمل الأخير.. هل تنقذ القمة الـ 26 الأرض؟ 

رغم مرور 30 عامًا من دبلوماسية المناخ، يبدو أن هناك حاجة إلى إجراءات عاجلة وحازمة لوقف ظاهرة الاحتباس الحراري، فقد حذّرَ باحثو المناخ من الآثار الخطيرة والمتزايدة للاحتباس الحراري. 

في ظاهر الأمر، لا تبدو الأمور واعدة لسبب بسيط، فقد فشلت المؤتمرات الـ 25 السابقة من هذه المؤتمرات العملاقة في إيقاف غازات الاحتباس الحراري التي تؤدّي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وأصبح الكوكب الآن أعلى حرارة بمقدار 1.1 درجة مئوية على الأقل من مستوى ما كان عليه قبل الثورة الصناعية، وهو آخذ في الارتفاع.

لكن بالنسبة إلى هذا المؤتمر فإن التوقعات بإحراز تقدُّم حقيقي أعلى من المعتاد، وبالنسبة إلى البعض فإن الاجتماع يمثّل فرصة أخيرة لحكومات العالم لصياغة خطة جماعية تحقِّق أهدافهم الأكثر طموحًا للحدّ من تغير المناخ، فهل تستطيع القمة الـ 26 حقًّا إنقاذ الكوكب؟

أبسط إجابة هي مجموعة محددة جيدًا من التزامات مختلف الحكومات للحدّ من الانبعاثات، عن طريق إغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم (أسوأ أنواع الوقود)، والتخلُّص التدريجي من المركبات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي التي ينبعث منها الكربون، وتكثيف الاستخدام من تقنيات الطاقة النظيفة. 

لقد تقدّمت معظم الجهات الرئيسية المسبِّبة للانبعاثات بالتزامات جديدة لخفض الانبعاثات خلال العقد المقبل، وتعهّدت بعض البلدان بالوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول منتصف القرن تقريبًا، لكن الالتزامات ليست سوى الخطوة الأولى، وبعد قمة غلاسكو سيحتاج القادة إلى تنفيذ تلك السياسات في المنازل لتعديل منحنى الانبعاثات الحرارية.

صورة
تنشر صناعة الأسمنت والخرسانة خارطة طريق للوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050.

لكن قمة غلاسكو لا تتعلق فقط بالوصول إلى الحياد الكربوني والمفاوضات بين قادة الدول، فمن المقرَّر أن تتعهّد جمعيات الأعمال والصناعة بالتزامات جديدة أيضًا. على سبيل المثال، تعهّدت 40 شركة عالمية رائدة في مجال تصنيع الأسمنت والخرسانة، الشهر الماضي، للقضاء على انبعاثات الكربون بحلول عام 2050. 

كما سيسلِّط المتبرعون والمستثمرون الضوء على خططهم الخاصة التي لاقت حفاوة من قِبل نشطاء البيئة، بما في ذلك مشروع يخصِّص 5 مليارات دولار للحفاظ على الأراضي وحقوق السكّان الأصليين، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي وتقليل إزالة الغابات وبالتالي انبعاثات الكربون في غابات الأمازون المطيرة وعبر المناطق الاستوائية.  

ويتوقع الباحثون أن مثل هذه الإجراءات، والعديد من الأنشطة الأخرى التي تستهدف قطاعات مثل الزراعة والصناعة، يمكن أن تحقِّق أهداف اتفاقية باريس، لكن السؤال الأكبر ربما يكون هو ما إذا كانت التوترات السياسية المستمرة، وتمويل المناخ، ونقص التمثيل بسبب تحديات السفر المرتبطة بوباء كورونا ستطغى على أي تطورات إيجابية في قمة غلاسكو.