صناعة الخوف هي حرفة مخرجي أفلام الرعب، مهارة تتفوق على المعقول وتراوغ الواقع، بيدَ أن تلك المهارة لا تقتصر على مبدعي الكتابة ومخرجي السينما، فالخوف لا يتوقف أبدًا عن صناعة نفسه، عن تجديد وتطوير ثيماته بشكل تلقائي لا يمكن اقتطاعه عن الحالة الاجتماعية والثقافية، هذا لأنه لا يطوّر نفسه بشكل مستقلّ عن البيئة.

إلا أنه ينمو على تخيُّلات الخلق، ويصنع من الحوادث والوقائع البسيطة أساطير وخرافات معاصرة ابنة بيئتها في المقام الأول، وهذه الوقائع البسيطة المتخيَّلة التي تفتقد للبرهان، تترسّخ في ذهن الأجيال الجديدة بحيث لا يتركونها بل يضيفون عليها ويطوّرونها بما يسمح بوجود نسخ عديدة من قصة واحدة.

تلك الظاهرة تستحق -بما فيها من ممارسةٍ للحكي وإعمالٍ للخيال- الدراسة، وصنع أفلام مثل "رجل الحلوى" (Candyman) يساعد على إبراز تلك الظاهرة التي استهلّت وجودها منذ بداية التاريخ، وتركت أثرًا واضحًا يتحول في أغلب الأحيان إلى مادة أدبية تجتمع في عمل أدبي أو فيلم سينمائي، بيدَ أنه يصنع خوفًا حقيقيًّا لأنه يترسّخ في لا وعي الخلق، في أعمق نقطة، ويطفو على سطح الرؤوس بأكثر من طريقة: بصريًّا عن طريق المكاني، أو من خلال الصنعة اللفظية وممارسة الحكي، بحيث يبدو حقيقيًّا.

وللحظات يقف الواقع موقفًا ملتبسًا، ليشتبك المادي مع الخيالي والحكائي، ليصنع أسطورة أو خرافة أو فلكلورًا ولكن بصيغة معاصرة (Urban legend)، وهذا يدفع المرء للتفكير مرة أخرى في مدى تأثير المجتمع على عقله، ويتساءل عن مدى انغماره في تلك الصيغ والأقاصيص.

صورة

فيلم "رجل الحلوى" ليس إعادة إنتاج لنسخة 1992، ولكن محاولة لإكمال القصة، واستحضار الروح نفسها، والأسطورة المعاصرة ذاتها، ولكن بنيّة الاشتباك مع إشكالية مثيرة، عكس النسخة الأصلية التي تُعتبَر من كلاسيكيات أفلام الرعب، والتي تحاول صنع الرعب من خلال اللعب على ثيمة الأسطورة المعاصرة والتخويف الناجم عنها عندما تتحول إلى حقيقة، من دون محاولة فرض نفسها كأداة وعظ، حتى لو شعر المتلقّي أن الفيلم يناقش مشكلة ما بشكل هامشي، فهذا الشعور يتمُّ تكثيفه خلال السياق القصصي فقط، دون التركيز على المشكلة أو الظاهرة على حساب السرد.

فيما بدا فيلم "رجل الحلوى" الجديد أنه يتمحور حول ظاهرة لها تاريخ، تمَّ توظيفها في السرد ومزجها بذكاء كجزء من الأسطورة، بل كجزء من الخوف، إلا أن هذا لا يعني أن تلك المحاولة لتوظيف الظاهرة كانت مثالية، بيدَ أنه تحمل ملمحًا قصصيًّا يجعله مختلفًا عن كل أجزاء "رجل الحلوى" السابقة، وهو الاشتباك مع الواقع.

ربما يبدو ذلك ملمحًا مثاليًّا لأنه يدافع عن حقوق المجتمع الأسود في الولايات المتحدة، خصوصًا بعد موجة العنف الأخيرة التي واجهها المجتمع الأسود هناك، لتظهر موجة حقوقية تُسمّى Black Lives Matters يصل صوتها إلى كل أنحاء العالم المتعاطف مع القضية.

صورة

هذا الدمج لا يضيف قيمة فنية للمنتَج السينمائي، ولكنه يداعب المنظمات الحقوقية، ويؤكد على ضرورة مواجهة آفة اجتماعية يكون تسليط الضوء عليها فجًّا في كثير من الأحيان، ولتجابه المخرجة نيا داكوستا تلك المشكلة، حوّرت شخصية رجل الحلوى نفسها من واحدة تستمدّ قيمتها من أحداث مأساوية دارت في زمن عبودية الرجل الأسود مقابل هيمنة الرجل الأبيض، أي أنه يقتل بدافع شعور انتقام له امتداد زمني هائل في التاريخ؛ إلى شخصية أكثر عصرية، وأشدّ مرونة وديناميكية، شاهدة على الحدث وعلى العنصرية التي تُرتكب بحقّ المجتمع الأسود، تستمد قيمتها من تجربة معاصرة لا تعتمد في متنها على ثنائية قيمية مثل الخير والشر، ولكنها تخرج من ضلع معاناة حقيقية.

إذًا رجل الحلوى يعتمد في داخله -في الفيلم الجديد- على فكرة تشبه إلى حدٍّ ما فكرة الأبطال الخارقين، لينتقل من أداة قتل قائمة على ماضٍ شخصي، إلى أداة قصاص جمعية تبدأ من الوعي الجمعي للعرق الأسود، فالمجرم ليس شخصًا بعينه، إنما كل شخص شاهد الجريمة ولم يتحرك، كل شخص استخفَّ بأسطورة رجل الحلوى، وهذه السردية أضافت للقصة بُعدًا جديدًا ساعد في تجريد شخصية رجل الحلوى من المادي.

حيث إنه ليس شخصًا واحدًا يظهر في المرآة في كل حقبة، أي أنه فَقَدَ تمركزه حول الجسد، إنما قصدت المخرجة أن تشير إلى كل شخص، وتهمس في آذانهم أن كل واحد فيهم يمكن أن يتحول إلى رجل الحلوى، وهذا الانفلات من تحت وطأة الزمان أعطى فرصة لتطوير شخصية حقيقية، ابنة اليوم، ومنحها المبرِّرات الخاصة لكي تتحول إلى رجل الحلوى بقواه الميتافيزيقية المرعبة.

صورة

يلعب فيلم "رجل الحلوى" على 3 مسارات: الخرافة والفن والطرف الثالث هو قصة الفيلم القديم نسخة عام 1992. يبدأ الفيلم سرديته عن طريق "فلاش باك" لحيّ كبريني غرين أو كما يُسمّى مشروع الإسكان في إلينوي عام 1977، لتنطلق القصة من ماضي شخصية ثانوية، شخصية ويليام (الممثل كولمان دومينغو)، وهي الشخصية الوحيدة التي رأت رجل الحلوى بشكل شخصي ولم يتمَّ قتلها.

نتعرّف في الدقائق الأولى إلى شكل رجل الحلوى في السبعينيات، وعلى العكس فهو يظهر أكثر وداعة وبراءة رغم مظهره المخيف، ربما لأنه يواجه طفلًا أسود، ثم ينتهي "الفلاش باك" بالطفل وهو يصرخ والشرطة تهرع إلى المبنى.

ولكن الشيء الجدير بالذكر أن الطفل قبل أن يدخل المبنى سألته الشرطة عمّا إذا كان يعرف الرجل في الصورة: رجل مطلوب للعدالة، لنعرف من صورته أنه رجل الحلوى نفسه، وهذا يعطينا انطباعَين: الأول أن رجل الحلوى يمكن أن يكون شخصًا عاديًّا أسود البشرة تطارده الشرطة في حقبة اضطهاد العرق الأسود، والثاني أن لديه بالفعل خطّاف بدلًا من يده اليمنى، إذ تقحم المخرجة نيا داكوستا الماضي في بداية السرد، لإعطاء القصة عمقًا زمانيًّا يرسّخ لحكاية من السبعينيات وليس من اليوم.

صورة

بعد ذلك تستدعي المخرجة قصة فيلم عام 1992 من خلال شخصية تروي (الممثل ناثان ستيوارت غاريت) التي تروي الحكاية، فيما تتمُّ ممارسة الحكي بصريًّا على الشاشة بتقنية الصور الظليّة (Silhouette)، التي توضِّح القصة بشكل أفضل للمشاهدين الذين لم يشاهدوا النسخة القديمة، حتى يمكن للمتفرِّج أن يرى القصة بشكل مستقلّ عن الأجزاء السابقة بشكل كلي.

في أول ثلث ساعة تقريبًا يتعرّف المتلقي إلى الأسطورة، وتتجسّد أمامه النقطة التي سيصنَع من خلالها الخوف، وهي تجسيد الخرافة على الشاشة، وهذا لا يفقد الفيلم قيمته على مستوى الحكي ولكنه يكشف الجزء الأكثر ترويعًا، بحيث لا يبقى شيء لاكتشافه في نهاية الفيلم من الناحية الماورائية.

وهذه تقنية تُستخدَم في أفلام الرعب عندما تعتمد الرواية على التأسيس لحكاية البطل نفسه، ومحاولته للتغلُّب على الشر الذي يحيط به، بحيث يتمركز السرد حول الشخصية لا على القوى الميتافيزيقية التي تحاول القضاء عليها، ويبقى للمشاهد أن يتفاعل مع الشخصية الرئيسية، ويرى كيف ستتأثر بتلك القوى، وهو -المشاهد- على وعي تامٍّ بوجود تلك القوى في الخلفية، ولكنه ينتظر الصراع الذي سيدور في ذروة الفيلم، وهذا يبقيه متحفِّزًا.

تلتفُّ القصة الغرائبية حول الفن كجسر يدفع البطل من نقطة البداية حتى النهاية، وهي الثيمة الثالثة التي تطوّعها نيا داكوستا في فيلمها، لتطوِّر نسختها الخاصة من الفيلم بدوافع مختلفة عن دوافع بطلة النسخة الأولى في البحث وراء الأسطورة، فالبطل هنا يواجه معضلة فنية وهي القفلة الإبداعية، ويجدُ صعوبة في ممارسة مهنته الإبداعية، بحيث ينتِج لوحات لا تتميز بالجودة العالية التي توفّر له الرعاية والمعارض الكبيرة، على عكس حبيبته التي تمتلك اسمًا واعدًا في الوسط الفني.

يدفع هذا الأمر قصةَ رجل الحلوى أن تطارد تخيُّلات أنثوني مكوي (الممثل يحيى عبد المتين الثاني) بعد سماعها، وتمنحه الإلهام لكي ينتج أعمالًا فنية جديدة، لكي يتطور الأمر ويسطو على حياته بشكل شبه كامل، بعد أن يتفاجأ بجثث القتلى في كل مكان يذهب إليه، ليستحيل الإلهام إلى هوس فني، لا يمكن إشباعه إلا إذا تمَّ التحقق من وجوده.

صورة

يحاول أنثوني مكوي التقصّي وراء القصة الأصلية، فيذهب إلى حي كبريني غرين، يلتقي بويليام بعد أن أصبح كبيرًا، تلدغه نحلة، وبعدها يتغيّر كل شيء. ترصد الكاميرا بعد ذلك مراحل تحول البطل أنثوني نفسه، وهذه عملية مرهِقة، لأنها تقوم عليه بشكل فردي، ونرى ذلك من خلال التماهي مع الخرافة، عندما يفزع حين يرى نفسه فجأة في المرآة على هيئة رجل الحلوى المخيف، ثم يعتكف في مرسمه ليرسم أشخاصًا مشوَّهين بألوان غامقة، ويتحول مع الوقت إلى شخص غير متّزن.

الجدير بالذكر أن المخرجة حاولت أن تصنع تماسًّا بين روح الفيلم القديم عبر شخصية ويليام، وروح الفيلم الجديدة عن طريق أنثوني، ولكن في لحظةٍ ما ستشعر أن الكاتب يحاول ليّ عنق النص، وإجبار القصة أن تسير نحو نهاية معيّنة، ربما هذه النهاية تحمل جزءًا من الحقيقة، ولكنها تُخرِج القصة عن طورها الغرائبي، وتوجّهه نحو جمهور بعينه، وهذا يفقد الفيلم قيمته.

صورة

أرادت المخرجة أن تثبت وجهة نظر معيّنة، لم تعطِ للمشاهد الفرصة لكي يتفاعل مع الحكاية، ولكنها بطريقة ما تشتبك مع الواقع في مواضع حساسة وعاطفية، فتحمل المشاهد على شيء معيّن، وهذا شيء جيد من الناحية البصرية والتقنية، ولكن من ناحية السيناريو فالموقف يغلب عليه نوعًا من الوعظ الجافّ، وهذا لا يلغي القيمة الجمالية لفيلم تمَّ التأسيس له بشكل جيد، بالإضافة إلى منحه بعض اللحظات الدموية، ولكن ذلك الميل لخطاب وعظي هو من حطّم هيكل الفيلم، ليتّجه إلى نهاية أكثر هشاشة، بدت موجّهة بشكل مفتعل، رغم الأداء الجيد من بطل الفيلم، والإخراج التقني المميز.

السيناريو من كتابة جوردان بيل ووين روزنفيلد ونيا داكوستا، لكن الفيلم بشكل أكثر وضوحًا ينتمي إلى عوالم جوردان بيل، صوت الكتابة نفسه في فيلمَيه السابقَين Get Out وUs، ومن الواضح أن هذا الصوت في كتابة السيناريو سيكون من الأنماط السردية المهمة في المستقبل، لأنه يقدِّم نظرة واقعية للمجتمع في إطار رعب نفسي مختلف، بجانب اهتمامه بقضايا المجتمع الأسود التي تمثِّل الآن أولوية لكثير من شركات الإنتاج والمنظمات الحقوقية والمهرجانات العالمية.