مع بدء مشاروات تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية التي سبق أن أعلن عنها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مع الكتل والتحالفات الفائزة بالانتخابات، التي يأتي في مقدمتها تحالف تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، ووفد القوى الكردية بزعامة هوشيار زيباري؛ أخذت قوى الإطار التنسيقي الشيعي تدفع بمناصريها الذي يتظاهرون منذ أيام احتجاجًا على نتائج الانتخابات لاقتحام المنطقة الخضراء عبر عدة أبواب.

فقد شهدت ظهيرة يوم الجمعة صدامات عنيفة بين قوات حفظ النظام والمتظاهرين، أوقعت العديد من الإصابات في صفوف الطرفين، في مؤشر يعطي دلالةً واضحةً عن إمكانية انفجار الوضع الأمني في بغداد، خصوصًا أن بيانات حادة صدرت من قيادات العديد من الفصائل المسلحة، ومنهم زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، تندد باستخدام القوة ضد المتظاهرين.

إن التطور السياسي الحاليّ في العراق يظهر مدى الخشية الكبيرة التي تعتري قوى الإطار التنسيقي الشيعي الرافض لنتائج الانتخابات، في مضي الصدر بمشاورات تشكيل الحكومة بمفرده، دون أن يكون هناك إجماع شيعي عليها.

فالتصعيد الأخير على بوابات المنطقة الخضراء يأتي بوصفه ردة فعل متوقعة على خطوة الصدر في زيارته للحلبوسي، الذي أعطى مؤشرًا لبداية تحرك يقوده الصدر بنفسه لتشكيل تحالف طولي مع تقدم والحزب الديمقراطي الكردستاني في تحقيق حكومة أغلبية، ومن بعدها حشر تحالف الفتح بزعامة هادي العامري بالزاوية واحتوائه لاحقًا، مع محاولة عزل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وجعله خارج اللعبة السياسية، على الأقل في مسارات تشكيل الحكومة.

فهذه الحركة إن لم تتجاوزها قوى الإطار التنسيقي الشيعي، فإن تغييرًا كبيرًا سيصيب قواعد اللعبة السياسية في العراق، وقد نشهد تحولات وحراكًا واضحًا خلال 72 ساعة القادمة، ستكون الكلمة في تحول المشهد السياسي بيد الإيقاع الايراني، وتحديدًا مع إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن قرب إعلان النتائج النهائية.

وفي هذا السياق أيضًا، يبرز لنا خاسران آخران من خارج الإطار التنسيقي الشيعي، والحديث هنا عن تحالف عزم بزعامة خميس الخنجر، فيما لو تحقق تقارب الثلاثي (الصدر وتقدم والديمقراطي الكردستاني)، فالتقارب الأخير بين الصدر والحلبوسي يشير إلى أن هناك انقلابًا كبيرًا على تفاهمات عمان التي شهدت لقاءً بين الحلبوسي والخنجر، ويكشف محاولة الحلبوسي للانفراد بالمشهد السني، وقد نشهد إقصاءً للخنجر عن المشهد السني، مثلما يسعى الصدر إلى إقصاء المالكي عن المشهد الشيعي القادم.

سياسة الفعل وردة الفعل المتبعة بين الصدر وقيادات الفصائل المسلحة، بشأن ملفات عديدة منها حصر السلاح بيد الدولة، أصبحت حالة معقدة تفرض إيقاعها على المشهد السياسي في الآونة الأخيرة

مما لا شك فيه أن صعود الصدر في الانتخابات جاء بسبب التحولات المهمة التي أصابت الخطاب الصدري في الفترة الماضية، رغم الخلاف حولها، وتحديدًا في موضوعات قدم فيها وعودًا بالقيام بإصلاحات سياسية ترمي إلى إضعاف النزعة الطائفية والسعي لبناء مجتمع مدني ووضع حد للتدخل الإيراني في العراق وإخراج القوات الأمريكية من البلاد، بما في ذلك احتواء الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، والأكثر من ذلك إشاراته الواضحة إلى ضرورة إعادة تعريف دور الحشد الشعبي، وبصورة أدق الفصائل الولائية المنضوية فيه، ضمن المنظومة الأمنية العراقية.

وبعد الصدام على بوابات المنطقة الخضراء، حاول الصدر تجاوز حالة التصعيد مع الفصائل المسلحة، سواء عبر تأكيده بأن الحشد الشعبي حشد جهاد وليس حشدًا سياسيًا، أم دعوته لصلاة موحدة في ديالى، أم حتى تهديده من اللجوء إلى ما لا يحمد عقباه، ففوز الكتلة الصدرية بالانتخابات فرض على زعيمها تبني مفردات خطابية تعزز مفهوم الدولة في مواجهة اللادولة التي أضعفتها كثيرًا، كما تهدف خطوة الصدر بتجميد عمل سرايا السلام، إلى خلق حالة تمايز واضحة بين الفصائل التي تؤمن بتقوية الدولة على حساب الفصائل التي تعمل خارج سياق الدولة.

المشهد السياسي في العراق مرشح لمزيد من التصعيد

إن سياسة الفعل وردة الفعل المتبعة بين الصدر وقيادات الفصائل المسلحة، بشأن ملفات عديدة منها حصر السلاح بيد الدولة ودمج الفصائل ضمن الأجهزة الأمنية العراقية، أصبحت حالة معقدة تفرض إيقاعها على المشهد السياسي في الآونة الأخيرة.

وجاءت خطوة الصدر بتجميد عمل سرايا السلام لتزيد من حدة الخلاف، فرغم أن قرار الصدر لم يجمد السرايا بصورة كاملة، فإنه أثار حفيظة الفصائل المسلحة التي عبرت عن رفضها الكامل أن تكون خطوة الصدر مقدمة للحديث عن سلاحها أو حتى نفوذها مستقبلًا، ما يؤشر إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الصراع بين الطرفين، بخصوص (حصر السلاح - سلطة الدولة - اقتصاديات الفصائل)، خصوصًا إذا نجح الصدر بتشكيل الحكومة المقبلة، وأخذت الفصائل على عاتقها معارضتها أو حتى الصدام معها.

إجمالًا، يبدو أن المشهد السياسي في العراق مرشح لمزيد من التصعيد، هذا التصعيد الذي ينظر إليه المعترضون على نتائج الانتخابات بأنه الوسيلة الوحيدة لضمان وضعهم السياسي والاقتصادي والأمني في المرحلة المقبلة، فمشكلة تحالف الفتح الرئيسة ليست في عدد الوزارات أو تمثيله في المرحلة اللاحقة، المشكلة الأساسية هي في برلمان لا يمتلك فيه  إمكانية تقديم طلب لاستجواب وزير، وهذا يعني أن المكاسب التي حققها على الأرض خلال السنوات السابقة، ستكون معرضة  لخطر كبير، وهذا يعني استمرار المشاغبات في المرحلة المقبلة.