قد يبدو غريبًا على المجتمعات الخليجية شيوع التسول فيها، ومن أبناء البلاد وليس فقط الوافدون عليها، فالخليج ضمن الأغنى بالعالم في معدل الدخل لحاملي جنسيته، ومع ذلك ظاهرة التسول الإلكتروني على وجه التحديد تلقى رواجًا غريبًا وتتسع يومًا بعد الآخر، ما دفع السعودية لمقاومة هذه الآفة سريعًا بأقصى العقوبات، فكرامة المجتمع من الخطوط الحمراء التي لا يمكن التفريط فيها. 

لكن اندفاع السلطات لانتزاع التسول من البلاد يلقي بالكثير من الخوف لدى المنظمات الحقوقية بخصوص الطريقة التي سيعامل بها الأطفال على وجه التحديد، وإن كان المجتمع الذي يسعى لترميم كبريائه سيكون من المهم لديه تأهيلهم أم تصنيفهم في هذه الخانة للأبد! 

التسول الإلكتروني

التسول الإلكتروني ليست مهنة الضعفاء أو الكسالى، بل محترفو استخدام السوشيال ميديا وأصحاب الأفكار المبتكرة، فيمكنك مصادفة إعلانات وطلبات مختلفة الأهداف، هناك من يطلب مساعدة في تسديد فواتير المستشفى المتعلقة بمشكلة صحية مستمرة يعاني منها أحد أطفاله. 

وهناك من يسوق بطريقة عاطفية جلوسه عن العمل والتهديد بالطرد من المسكن حال عدم دفع المستحقات المطلوبة، وهناك من يسوق حاجة والديه للحج أو العمرة ويقدم وصلة ابتزاز ديني لأصحاب المشاعر الدينية الملتهبة من أجل مساعدته ماليًا في البر بأهله. 

وكما تخدم التكنولوجيا كل مظاهرة الحياة وتوفر طاقات إبداعية لإنجاز المهام المختلفة، أصبحت تخدم أيضًا المتسولين الذين طوعوا تطور الوسائل التقنية وزيادة أعداد المستخدمين لمواقع التواصل لابتكار طرق جديدة في التسول، على رأسها إنشاء آلاف الحسابات الوهمية بأرقام هواتف غير حقيقية، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

أرقام صادمة

يشير التقرير السنوي الإحصائي الصادر عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى أرقام صادمة كشفتها دراسة ميدانية أجراها مكتب مكافحة التسول في منطقة عسير خلال الأشهر الماضية، بمدن ومحافظات وقرى المنطقة، أثبتت أن ظاهرة التسول لم تعد حكرًا على الأجانب بل تضم سعوديين أيضًا ونسبتهم ارتفعت خلال الأشهر الماضية إلى 38% من إجمالي المتسولين في المملكة. 

هذه النسبة جرى تفكيكها من خلال الدراسة التي أكدت أن عدد المتسولين في المملكة وصل إلى أرقام مفزعة، أكثر من 150 ألف متسول، وبلغ حجم الإنفاق عليهم من زوار المملكة وأهلها ما يزيد على 700 مليون ريال يتم تهريب أغلبها للخارج لغسلها من خلال أطراف خارجية للهروب من المساءلة القانونية. 

ويستغل أرباب التسول الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة لجمع الأموال من الحجاج والمعتمرين، إذ يتم استهدافهم أولًا من على السوشيال ميديا في المناسبات الخاصة مثل شهر رمضان، ويتم التقابل معهم داخل بيت الله الحرام لابتزازهم بكل الطرق بعيدًا عن أعين أجهزة الأمن، التي يصعب عليها وسط هذه الجموع تتبعهم واكتشاف شخصياتهم. 

وتزيد حصيلة التسول في الأيام العشر الأواخر من رمضان، فقد يصبح باستطاعة المتسول تحصيل 120 ألف ريال شهريًا، وإذا ضاعف مجهوده واستمر على هذه النسبة أشهر قليلة لا تزيد على العام، سيضمن تحقيق ثروة تقدر بأكثر من مليون ريال وهو رقم ضخم، يجعل صاحبه في مستوى آخر خلال أقل مدى زمني ممكن. 

برهن على ذلك، إلقاء الشرطة السعودية القبض على ثري عربي بتهمة التسول واكتشفت أن بحوزته ثروة تزيد على 1.2 مليون ريال سعودي وسيارة رباعية الدفع باهظة الثمن، كما يملك إقامة في دولة خليجية قريبة ويزور المملكة بتأشيرة سياحية مع زوجته وأطفاله الثلاث، ويملك شقة فاخرة مفروشة في ميناء ينبع الغربي. 

مثل هذه الأخبار تلقي حالة من الخوف داخل جهات صنع القرار على الصورة الذهنية عن المملكة والانطباع الاقتصادي والحضاري الذي سيتشكل عنها حال تزايد نمو الظاهرة التي تلهم الشباب بانتهاج التسول لتحقيق الثراء دون مجهود يذكر، ما يشجع في النهاية على الكسل وعدم الرغبة في العمل، الأمر الذي سيعود بأشد الضرر على الاقتصاد السعودي. 

تفاصيل القانون الجديد

في سبتمبر/أيلول الماضي أقرت السلطات السعودية قانونًا لمواجهة هذه الظاهرة، وفسرت المملكة التسول على أنه "من يستجدي مال غيره دون مقابل عبر منصات التواصل أو في الواقع"، وتوعدت المخالفين بالسجن ستة أشهر أو غرامة تصل إلى 50 ألف ريال (أكثر من 13 ألف دولار أمريكي).

وبالنسبة إلى المتسولين غير السعوديين، نصت المادة الخامسة على أن الإبعاد عن البلاد سيكون مصير كل من امتهن التسول أو حرض عليه من غير السعوديين عدا زوجة السعودي أو زوج السعودية، كما يمنع الشخص من دخول البلاد باستثناء أداء شعيرتي الحج أو العمرة.

ترى السعودية أن تشديد العقوبات بقانون صارم وآلية إجرائية واضحة هو الحل الأمثل لمحاربة مشكلة التسول الغريبة على مجتمع ثري، وحتى تسد هذه الثغرة، وضعت أطرًا مناسبة للتبرع، وحصرتها في الجمعيات والمنصات المعتمدة، بحيث يتأكد المتبرع أن المبالغ تم تسليمها إلى مستحقيها. 

وجهت المملكة أيضًا خطباء المساجد لتحذير المصلين من خطورة التعاطف مع المتسولين وإبصارهم بالأدوار التي تقوم بها الدولة لمساعدة الفقراء سواء العينية أم المالية، مثل الضمان الاجتماعي والكثير من الجمعيات الخيرية المنتشرة على مستوى المملكة، لكن البعض بالغ في التحذير من خطورة الظاهرة وحذر من احتمالية تحويل هذه الأموال لأعداء المملكة من البلدان القريبة من حدودها، وإعادة هذه الأموال في صيغة أعمال عدائية وإرهابية. 

فرق المكافحة

لكي تتمكن المملكة من تنفيذ القانون الجديد، عهدت لـ8 جهات حكومية المسؤولية عن مكافحة ظاهرة التسول في المملكة، بدايةً بإنشاء خط ساخن للدعم والمساندة والتوجيه للجهات الأمنية، وتخصيص فرق بالتعاون مع قوة أمن المسجد الحرام وقوة أمن المسجد النبوي للقبض على المتسولين داخل الحرمين.

أسندت السعودية لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية دراسة الظروف الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية للمتسولين في المملكة وإنشاء قاعدة بيانات لتسجيل كل حالة تسول لنشر الوعي بالمخاطر النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لهذه الممارسات.  

أشركت السلطات المواطنين معها أيضًا في جهود مكافحة هذه الظاهرة لتحريض المجتمع على التفاعل عن طريق تطبيق كلنا أمن للإبلاغ عن حالات التسول، وبجانب الحسم الأمني، نفذت السعودية حملات إعلامية مكثفة لرفع مستوى الوعي. 

كما توسعت في إجراء الدراسات الميدانية من المتخصصين في البحوث الاقتصادية والاجتماعية، التي تهدف للبحث عن الفقراء والوصول إليهم، وتمكينهم من الحصول على برامج التأهيـل والتمكين وتوجيههـم للقنوات الداعمة حسب احتياج كل حالة. 

مخاوف دولية

رغم الرغبة الصادقة للسعودية في مكافحة التسول وعدم الإساءة إلى المقدسات، هناك تخوفات دولية أبرزتها عدة منظمات حقوقية على رأسها هيومن رايتس ووتش، من البطش بأطفال التسول بنظام العدالة الجنائية السعودي الذي يمنح المدعين العامين والقضاة سلطة تقديرية واسعة في توجيه الاتهام إلى الأفراد ومعاقبتهم على جرائم غير محددة بدقة.

تقود التفسيرات المتضاربة بحسب المنظمات إلى نتائج تعسفية تتعارض مع المعايير الدولية للإجراءات القانونية الواجبة، لا سيما أن السعودية ما زالت تحتفظ بأشكال العقوبة الجسدية كعقوبات جنائية بما في ذلك الجلد وبتر الأطراف، وقد يطبق ذلك على الأطفال الذين سيخالفون القانون مع أنهم مجبرون على ذلك. 

وتؤكد المنظمات أن الإجراءات التي تحرص المملكة على اتباعها في المعالجة الاجتماعية للأزمة لن تنفي عدم وجود تشريع شامل أو إطار عمل لمعالجة كيفية معاملة الأطفال المذنبين أو كيفية التعامل مع قضاياهم، ما يترك لمسؤولي إنفاذ القانون سلطة تقديرية واسعة في تحديد وقت اعتقال الأطفال ومدة احتجازهم والعقوبات عليهم. 

بحسب التقارير الحقوقية لن يكون للأطفال إلا فرص محدودة للدفاع عن أنفسهم، وما يزيد من خطورة تعرضهم لأذى فوق تحملهم النظرة العامة المجتمعية والقانونية للأطفال الأجانب الذين هم ضحايا الاتجار في المقام الأول، وتعتبرهم مجرمين يجب القبض عليهم واحتجازهم أو ترحيلهم، ما يعرض الأطفال لأذى مادي أو خطر العودة إلى أماكن يواجهون فيها ضررًا لا يمكن إصلاحه.