يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرارًا بوقف العمل بقانون الطوارئ، ذلك القانون الاستثنائي سيّئ السمعة الذي هيمنَ على المنظومة القضائية في البلاد لعقود، إلى حدّ وصف باحثين مشتغلين في المساحة بين القانوني والسياسي في مصر، بأن التاريخ القانوني الحديث في البلاد هو قصة قانون الطوارئ.

بطبيعة الحال، انقسمت الاستجابة مع هذا المستجدّ المهم على نحو واضح؛ فقد شكّك البعض في نوايا السلطات المصرية بدعوى أن لها تاريخًا طويلًا من الالتفاف على القوانين لأغراض مختلفة، فيما رأى بعض المتفائلين أن السياق العام قد يمثّل بادرة أمل طيبة بالنسبة إلى المناخ السياسي المتأزِّم في البلاد.

فقد أصدر السيسي بالتزامن تقريبًا عدة قرارات توحي بحدوث تغيُّر محمود في نظرة السلطة إلى المجال العام في مصر، بتعبير يورغن هابرماس، بما في ذلك إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وإعادة تأهيل السجون، وتعيين تشكيلة إدارية جديدة للمجلس القومي لحقوق الإنسان.

فسّر المتفائلون ذلك التوجُّه الجديد بسردية السلطة نفسها، التي تقول إن الأوضاع الداخلية تغيّرت للأفضل، وأنه ليس ثمة داعٍ بعد لتفعيل الأوضاع الاستثنائية، لا سيما خلال الاستعداد إلى تدشين "الجمهورية الجديدة"، فيما ربط الفريق الآخر بين هذه القرارات "الترقيعية" والضغوط الأمريكية الأخيرة على النظام المصري لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، والتي شملت خصمًا من فاتورة الدعم الأمريكي للقاهرة لأول مرة منذ مدة بعيدة.

وبين هذا وذاك، يبدو أن الأمور لم تتطلب كثيرًا من الوقت، حتى بدأ يتّضح أن النظام المصري، وفقًا لمراقبين، قد لجأ بالفعل إلى تعطيل قانون الطوارئ من أجل تبديد الصورة الذهنية السلبية عن أوضاع الاستثناء في البلاد، فيما يعدّ، خفيةً، ترسانة قانونية جديدة تكرِّس لأوضاع ربما تكون أسوأ من الأوضاع السابقة.

3 قوانين

تقوم فلسفة القوانين الجديدة كما يبدو على تكريس الوضع الاستثنائي للمؤسسة العسكرية في إدارة شؤون البلاد، وتعميق سلطات الرئيس المصري في فرض حالة الاستثناء، وتوسيع الحيّز العمومي الذي يحرَّم على المواطن العادي الاقتراب منه، بحيث تصبح كل البلاد تقريبًا خاضعة لحالة الاستثناء، سواء من ناحية تقسيم القطاعات أم من ناحية الأحيزة الفيزيائية الصرفة، وذلك على نحو ما أوضح الفيلسوف السياسي الإيطالي جورجيو أغامبين في كتابه التأسيسي المعروف بـ"حالة الاستثناء".

قبل الشروع في مناقشة تلك القوانين الجديدة، كان التيار غير المتحمِّس لإصلاحات السيسي الجديدة ينظّر لفكرة أن النظام المصري أعاد توزيع الحمولة الاستثنائية للطوارئ بالفعل على عدة قوانين، تجعله في غير حاجة إلى قانون الطوارئ بصيغته الصرفة، بما في ذلك قانون الكيانات الإرهابية وقانون الجرائم الإلكترونية.

ولكن يبدو أن السلطات المصرية رأت أن ذلك ليس كافيًا، فقد أحالت في الأيام القليلة الأخيرة التالية لإلغاء قانون الطوارئ عدة قوانين جديدة تعمِّق من حالة الاستثناء إلى المراجعة التشريعية، والتي لاقت قبولًا واسعًا بالفعل لدى نواب البرلمان المصري، التي تقول مؤسسات حقوقية إن الانتخابات التي جاءت بهم إلى المجلس مشكوك في صحّتها.

وافق البرلمان المصري على مشروع تعديل جديد على قانون الإرهاب، يمنح رئيس الجمهورية الحق في اتّخاذ ما يراه مناسبًا من إجراءات لحماية أمن البلاد في الأوضاع الاستثنائية.

القانون الأول هو قانون يقضي بمأسسة مشاركة الجيش المصري على نحو دائم في حماية المنشآت العامة، مع توسيع نطاق تعريف "المنشآت العامة" بحيث تشمل كل المؤسسات الحكومية والخدمية تقريبًا، مع تغليظ عقوبة مخالفي ذلك القانون، بحيث يُحال المتَّهمون إلى القضاء العسكري بدلًا من القانون الطبيعي.

وبالتزامن تقريبًا، وافق البرلمان المصري أيضًا على مشروع تعديل جديد على قانون الإرهاب يمنح رئيس الجمهورية الحقَّ في اتخاذ ما يراه مناسبًا من إجراءات لحماية أمن البلاد في الأوضاع الاستثنائية، بما في ذلك فرض حظر التجول وعزل وإخلاء بعض المناطق خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر.

وعلى هذا النحو وصولًا إلى تعديل جديد في قانون العقوبات المصري - باب الأمور العسكرية، بحيث يتمُّ توسيع مفهوم "الأسرار العسكرية" على نحو فضفاض، ومن ثم تغليظ العقوبات السابقة بالحبس والغرامة على كل من يشرع في أو يقوم فعلًا بانتهاك تلك المساحة الاستثنائية بأي شكل من الأشكال.

انتقادات واسعة

استند معارضون لهذا التوجه الجديد للسلطات المصرية في فرض هذه القوانين الاستثنائية، إلى منطق أن هذه القوانين تحمل شبهة "عوار دستوري"، فقد بدا قانون مشاركة الجيش في تأمين المنشآت الحيوية أمرًا مؤقتًا، بالتزامن مع بعض أحداث الشغب التي مرّت بها البلاد خلال المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير/ كانون الثاني 2011.

ولكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توسّع تدريجيًّا في استغلال هذا القانون لمنح الجيش صلاحيات واسعة في الشارع المصري بدايةً من يناير/ كانون الثاني 2014، وذلك من خلال تعديله لكي يشمل إحالة المخالفين إلى القضاء العسكري.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2016، أصدرَ السيسي تعديلًا جديدًا يقضي بزيادة سريان مدة العمل بهذا القانون على صيغته الجديدة، بحيث تزيد من عامَين فقط في الصيغة السابقة إلى 5 أعوام في الصيغة الجديدة، وذلك لينتهي العمل بهذا القانون رسميًّا وفقًا للتعديل الجديد في أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

مع التوسُّع في تعريف الأسرار العسكرية، وتغليظ العقوبات الخاصة بمنتهكيها، فإن التعديل الجديد ينصّ أيضًا على حظر إجراء أي جهود بحثية تتعلق من قريب أو من بعيد بشؤون الجيش دون الحصول على موافقة رسمية من وزارة الدفاع.

يرجّح هذا التزامن أن السلطات المصرية كانت مستعدة جيدًا من الناحية القانونية، لملء الفراغ المتوقَّع جراء تعطيل حالة الطوارئ من خلال قوانين جديدة تقوم بالمهمة نفسها؛ إذ يتضمّن التعديل الجديد، الذي وافق عليه البرلمان بعد 48 ساعة فقط من إلغاء الطوارئ، الخروج بهذا القانون من حيّز المؤقّت والاستثناء إلى حالة الديمومة والتطبيع، ليصبح الجيش مكلّفًا بحماية المنشآت الحيوية مع الشرطة على نحو دائم، على أن يُحال المخالفون تلقائيًّا للقضاء العسكري التابع للجيش.

أما القانون الثاني الذي يوسِّع صلاحيات الرئيس في فرض حالة الاستثناء في نطاقات معيّنة على نحو واسع لمدد طويلة، فمن الواضح كما يقول قانونيون، أن الغرض منه هو تعزيز واستمرار الأوضاع الاستثنائية في شبه جزيرة سيناء، بعدما تمَّ تقويضها مؤقتًا بموجب إلغاء قانون الطوارئ، كما وردَ في نص البيان الذي أصدره الرئيس المصري احتفاءً بذلك القرار.

ومع التوسُّع في تعريف الأسرار العسكرية، وتغليظ العقوبات الخاصة بمنتهكيها، فإن التعديل الجديد ينص أيضًا على حظر إجراء أي جهود بحثية تتعلق من قريب أو من بعيد بشؤون الجيش، البشرية أو التقنية، سابقًا أو حاليًّا، دون الحصول على موافقة رسمية من وزارة الدفاع.

سرديات متضاربة

رغم عدم طرح هذه القوانين الجديدة للمناقشة الإعلامية على نحو جادّ بما يتلاءم مع أهميتها، إلا أن التبريرات الرسمية المتاحة لمناقشتها في الوقت الحالي هو أن الأوضاع في البلاد ليست مستقرة بالصيغة التي تتيح لمتّخذ القرار إلغاء الطوارئ، دون إعادة إنتاجها في صور مختلفة.

يبرر وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي اللواء إبراهيم المصري ذلك التوجُّه التعويضي من الآلة القانونية الرسمية لاستصدار قوانين جديدة تحلُّ محل الطوارئ، بما في ذلك إيكال حماية المنشآت العامة للجيش دائمًا وتعزيز الصلاحيات الاستثنائية للرئيس؛ بأن الإرهاب لم ينتهِ في مصر، ولن ينتهي أبدًا، ومن ثم إن هناك حاجة ماسّة لقطع الطريق على أي فراغ قانوني ناتج من إلغاء حالة الطوارئ.

كما برر اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية، وعضو المجلس العسكري، وأحد رجال السيسي في الجيش؛ التعديلات الأخيرة على قانون العقوبات الخاصة بشؤون القوات المسلحة، بأن هناك حاجة أيضًا إلى التصدي للشائعات وحروب الجيل الخامس التي تستهدف الأمن القومي للبلاد.

ورفض العسكريون في المجلس مقترحًا نيابيًّا، حاولت تمريره النائبة المعارضة أميرة صابر، على المادة السادسة من ذلك القانون، يقضي بفرض مدة معيّنة يحصل خلالها الباحث أو الجهة البحثية على رد رسمي من القوات المسلحة على مشروعية القيام بمجهود تحليلي يخص المؤسسة العسكرية، بما يعني أن للجيش الحق في عدم الرد على أي طلب مشابه دون إبداء أسباب، كما أوضح شاهين، وهو ما يعمِّق الخصوصية القانونية للجيش في البلاد فلا تخضع شؤونه لأي مراجعة بحثية.

يتعارض ذلك ظاهريًّا مع السردية التي روّجها الرئيس المصري، بالتزامن مع قرار إلغاء الطوارئ نهاية الشهر الماضي، والتي تقول إن البلاد باتت بفضل تضحيات أبنائها، لا سيما من الجيش والشرطة، واحة للأمن والاستقرار والرخاء، ليس داخليًّا وحسب بل بالنظر إلى محيطها الإقليمي أيضًا.

إعادة إنتاج الطوارئ

فضلًا عن شبهات "العوار الدستوري" التي تعتري هذه القوانين، لا سيما قانون تأبيد اضطلاع الجيش بحماية المنشآت العامة وإحالة المخالفين للقضاء العسكري، هناك المبادئ الدستورية والمواد الصريحة التي تنصّ على حق كل مواطن في التقاضي أمام جهة قضائية طبيعية، أي القضاء المدني، وصدور أحكام قضائية من المحكمة الدستورية العليا سابقًا بتقويض تنفيذ إحالة المخالفين للقضاء العسكري إلا في حالات نادرة.

كما رأى نواب قلائل في البرلمان مثل النائب محمد عبد العليم داوود، أن السلطات المصرية ترسل بذلك رسائل متضاربة إلى المجتمع الدولي، سياسيين وقانونيين ورجال أعمال، حيث تقوم بإلغاء الطوارئ في الوقت نفسه الذي تقوم فيه بتمرير سلسلة من القوانين التي تفرض أوضاعًا أكثر تقييدًا من الطوارئ نفسها.

من جانبه، استند عمرو مجدي، الباحث القانوني في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقييمه لهذه القوانين باعتبارها إعادة إنتاج للطوارئ، كما يرى أنه إذا كانت الحكومة المصرية جادة في مساعي الإصلاح السياسي الداخلي، عليها أن تبحث عن القوانين التي تقوم بدور الطوارئ لتحسينها وتخفيفها، بدلًا من إصدار قوانين جديدة تعمِّق الطوارئ بصِيَغ مختلفة.

هذا ومن المنتظر أن ينظر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قادم الأيام هذه التعديلات الجديدة، لكي يوافق عليها أو يرفضها بموجب صلاحياته القانونية، مع ترجيحات أن الموافقة عليها مسألة وقت بالنظر إلى الحالة السياسية في مصر، التي تبدأ من عند الرئيس وتنتهي عنده في الوقت نفسه، وهو ما ظهر في تمرير النواب بعض هذه التعديلات دون مناقشة.