"لا يمكنك القيام بدبلوماسية جيّدة دون وجبات إفطار جيدة"، مثل يتناقله الفرنسيون، وهم أكثر من تحدّث عن علاقة الطعام بالدبلوماسية، يبين كيفية تأثير المائدة في سير المفاوضات بين قادة الدول التي تستمر في الغالب لساعات طويلة وتتطرق إلى قضايا حساسة ومصيرية، ويعود ذلك إلى تجاربهم وإلى الكواليس التي تم نقلها من جلسات الغداء واجتماعات مآدب الطعام.

 المائدة في العلاقات الدولية تحتل جزءًا مهمًا من اللقاءات وقد يكون لها تأثير واضح في كسر الحواجز وسير المباحثات بين الرؤساء والملوك، وهو ما يذهب إليه الدبلوماسي الفرنسي فيليب فور بقوله: "لطالما نظرت الدبلوماسية في فن الطهي كوسيلة لتحسين التفاوض، وخلق جو من الاسترخاء، إن لم يكن من الفكاهة حول المناقشات الشاقة أو المتوترة".

دبلوماسية الطعام

الطعام في عصر العولمة والانفتاح انتقل إلى مستوى أعلى من مفهومه البدائي أو الكلاسيكي بكونه حاجة بشرية فطرية، بل أصبح محرّكًا أساسيًا في الجيوبوليتيك الدولي، وذلك بعد أن أثبت فاعليته وجدواه في أكثر من مناسبة، على اعتبار مساهمته في خلق تفاهمات ومنع حدوث أزمات دبلوماسية كبرى.

في هذا الجانب، يقول وزير خارجية نابليون، شارل موريس دو تاليران، إنّ "أفضل مساعد للدبلوماسي هو طباخه"، فمنذ العصور القديمة استخدم الأقوياء فنون المائدة لتهدئة الأجواء، وإغراء الحلفاء المحتملين عن طريق الذوق لتسهيل المفاوضات السياسية.

 

دو تاليران، المولود في القرن الثامن عشر (1745-1938)، هو دبلوماسي فرنسي وأول من وضع أسس "دبلوماسية القِدْر"، واستثمر ببراعة في تأثير الأطعمة والأشربة على السياسيين والقادة الدوليين اللسان قطعة مختارة من لحم العجل وكأساً من بنات الكروم.

 

تأثير المائدة الفرنسية على الدبلوماسية الدولية دفعت الصحفي ألبرت موسيه إلى التأكيد في مقال نُشر في لوموند ديبلوماتيك عام 1956، بأنّه "لا شكّ في أنّ باريس هي من ابتدعت وابتكرت فنون بروتوكل المائدة واستغلال تأثيراتها.

للسيدة هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مقولة شهيرة، إن "الطعام هو أقدم أشكال الممارسة الدبلوماسية"، وكانت تستعين وقت توليها الوزارة بأشهر الطباخين في الولايات المتحدة للسفر إلى مختلف دول العالم للمشاركة فى البرامج والنشاطات التعليمية، التي تقيمها السفارات الأمريكية لتعريف الشعوب بالمطبخ الأمريكي.

وهو ما دعا كابريسيا مارشال رئيسة الطباخين في الخارجية الأمريكية للقول إن دبلوماسية الطعام جزء من فلسفة الوزيرة كلينتون حول القوة الذكية في استخدام كل الوسائل الدبلوماسية التي بحوزتنا.

تأثيرات المائدة.. قدور فيينا

السياسي الفرنسي شارل موريس تاليران عُرف بكونه أحد أشهر الدبلوماسيين في تاريخ هذا البلد الأوروبي، حيث تميز بشخصية مرنة وسريعة البديهة، استطاع العمل في ظل أجواء سياسية متوترة وداخل حكومات متناقضة الأهداف والسياسات، ولفرط عمقه الدبلوماسي، لا يزال الفرنسيون يتذكرون رده على الملك لويس الـ18 حينما قدم له لائحة وصايا وتعليمات للمشاركة في مؤتمر فيينا (1814 -1815)، حيث قال: "سيدي، أنا بحاجة إلى القدور والمقالي أكثر من حاجتي للتعليمات المكتوبة".

 

المصادر الفرنسية نقلت أنّه خلال المؤتمر الذي جمع ممثلي الدول الأوروبية سعياً لحل أزمات الحروب النابليونية (هزيمة فرنسا) وغيرها من التوترات التي هزت المشهد السياسي آنذاك، قاد تاليران إلى جانب صديقه الطباخ الشهير ماري أنتوني كاريم، على مدى أكثر من 7 أشهر في النمسا، معركة دبلوماسية عبر أواني ووصفات المطبخ الباريسي أبهرت كبار القادة الأوروبيين، وسُجلت في التاريخ دليلاً على دور "ولائم الطعام" في تقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين.

"مسكوف" صدام حسين

في أواسط السبعينات، أراد صدام حسين الذي كان حينذاك نائباً للرئيس أحمد حسن البكر، أن يرد زيارة صديقه جاك شيراك رئيس وزراء فرنسا خلال رئاسة فاليري جيسكار ديستان، فأقام له تكريمًا في إحدى حدائق بلدية باريس لا يزال الفرنسيون يتذكرونها إلى اليوم.

اصطحب صدام حسين في رحلته صيادين من شارع أبي نواس ببدلاتهم الشعبية خصيصًا لشي سمك "المسكوف" وإقامة مأدبة بغدادية تقليدية في قلب باريس لتكون شاهدًا على العلاقات الحميمة بين فرنسا والعراق.

الشاهد من هذه الحادثة الشهيرة، أنّ المأدبة رسّخت العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية بين البلدين، حيث شهدت بغداد وباريس محطات مهمة من التعاون تلخصت في الاتفاقات والصفقات في ذلك العصر، ونذكر منها بناء "مفاعل تموز" النووي الذي دمرته إسرائيل عام 1981، وتزويد العراق بأحدث الأسلحة خلال الحرب مع إيران (حرب الخليج الأولى 1980 ـ 1988).

 

الأهم من ذلك كله، هو إفشال جاك شيراك بعد وصوله إلى رئاسة فرنسا في عام 2002 قراراً لمجلس الأمن الدولي، أراده الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أن يشكل تغطية أممية للحرب على العراق.

 

روشتي الكوريتين

المائدة نجحت أيضًا في تجميع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بالرئيس الكوري الجنوبي مون جاي، في لقاء هو الأول من نوعه بين زعيمي البلدين منذ عام 2007، وتضمنت قائمة الطعام الرسمية خلال القمة سمكة بحرية مسطحة، لإحياء ذكريات مون المتعلقة بمدينة بوسان الساحلية، مسقط رأسه، بالإضافة إلى طبق روشتي السويسري (يتكون بشكل رئيسي من البطاطا) تكريمًا لسنوات كيم الدراسية.

 

  المتأمل في القائمة، يدرك أن عملية اختيار الطعام كان مدروسًا وبعناية فائقة لخدمة أغراض سياسية وهي جزء من التكتيك الدبلوماسي، وهو ما أكّدته الأستاذة المساعدة في الجامعة الأميركية بواشنطن، والخبيرة في مجال دبلوماسية الطهو، جوانا مندلسون.

من جانبه، أوضح الاستشاري البحثي، سام شابل سوكول، في تصريح لـ"بي بي سي" أن الطعام في القمة، لعب دورًا مهمًا في حدوث مناقشات إيجابية بالمعنيين الحرفي والمجازي، واصفًا قائمة الطعام بالرائعة، لأنها تمثل مناطق متعددة من كلتا الكوريتين، وتحمل تلميحًا ضمنيًا لاتحاد الشعبين، وأشار إلى أن تقديم طبق سويسري للرئيس الكوري الشمالي يمثل مقامرة صغيرة من قبل مصممي القائمة.

نكهة نووية

في عام 2015 وخلال المفاوضات الأميركية الإيرانية على البرنامج النووي، والتي استمرت أكثر من 20 شهرًا، وكادت تفشل 5 مرات تقريبًا بسبب تصعيد التوتر بين الطرفين، نجحت المائدة في تقريب وجهات نظر قادة طهران وواشنطن.

الطرفان كان يتناولان الطعام بشكل منفصل حتى 4 يوليو/ تموز، عندما وجه الإيرانيون دعوة للأميركيين لمشاركتهم المائدة من دون الحديث عن السياسة، ويبدو أن هذا الأمر ساعد كثيرًا في التوصل أخيرًا إلى اتفاق خلال 10 أيام فقط، حيث قالت الدكتورة ماريا دي بيرلينر: "كانت تلك هي المرة الأولى التي ينظر فيها الدبلوماسيون إلى بعضهم بشكل مختلف، في البداية لم يروا في خصومهم سوى مفاوضين، إلا أنّ الطعام جعلهم يرون بعضهم كبشر في النهاية".

بالمحصلة، فإنّ فن الطهي والدبلوماسية عنصران مهمان يتماشيان مع روح العصر وهما أيضًا خطان متوازيان لا يلتقيان إلا إذا كان المذاق طيبًا واستحسنه السياسيون، ودون ذلك لن تُرفع نخب النصر وستبقى الأطباق مجرد بروتكول لن يحل الأزمات المعقدة.