جاءت عملية الاغتيال التي تعرّض لها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في المنطقة الخضراء فجر الأحد الماضي، بواسطة 3 طائرات مسيّرة انتحارية انطلقت من مناطق شمال شرق بغداد، حسبما أشارت لذلك التحقيقات الأولية، لتشير إلى تحول خطير وصلت إليه العملية السياسية في العراق.

فرغم بروز "الاغتيال السياسي" كسلوك لتصفية الخصوم السياسيين بالعراق بعد عام 2003، إلا أن الطريقة التي جاءت بها الهجمات الأخيرة تمثّل تصعيدًا خطيرًا على مستوى ممارسة العمل السياسي في العراق.

ورغم عدم وضوح الجهة التي تقفُ خلف الهجمات الأخيرة التي طالت الكاظمي، إلا أن حملة التحريض والتصعيد السياسي التي مورست ضد الكاظمي من قبل قيادات الفصائل الولائية، وتحديدًا عصائب أهل الحق وكتائب "حزب الله"، بعد تصدي حكومة الكاظمي لمحاولات اقتحام المنطقة الخضراء من قبل عناصر تابعة للفصائل الجمعة الماضي؛ وفضلًا عن إعلان الكاظمي بعد عملية الاغتيال معرفته للجهات التي تقف خلفها، إلا أن تقارير استخباراتية صدرت مؤخرًا توضّح أن الطائرات المسيَّرة والصواريخ المستخدَمة في الهجمات الأخيرة، هي ذاتها التي كانت تُستخدَم في الهجمات التي طالت القواعد والمنشآت الأمريكية، ما يوجّه أصابع الاتهام نحو الفصائل الولائية، وبمعنى أدقّ خلايا تابعة لها، بالوقوف خلف الهجمات.

لا شك أن هناك العديد من الدوافع التي تدفع بالفصائل الولائية للوقوف خلف الهجمات الأخيرة؛ فترحيب إيران بنتائج الانتخابات، رغم رفضها من قبل الفصائل، إلى جانب مضي مقتدى الصدر بمشروع الأغلبية الوطنية، فضلًا عن الخشية الكبيرة التي بدأت تعتري الفصائل الولائية من المستقبل الذي ينتظرها بعد تشكيل الحكومة المقبلة، فيما لو لم تحصل على وضع سياسي يناسبها، وإمكانية أن تفرّط إيران ببعض منها، كما حصل مع سرايا الخرساني سابقًا، دفعها نحو المضي قدمًا للتصعيد مع حكومة الكاظمي.

كما يبدو أنها كانت أمام خيارَين لا ثالث لهما؛ إما مواجهة الصدر وإما مواجهة الكاظمي، واختارت مواجهة الكاظمي لأنها مواجهة أسهل لها بناءً على تجارب الماضي، لكن الإشكال الذي وقعت به الفصائل في الهجمات الأخيرة، جعلها معزولة سياسيًّا بعد حملة التأييد التي حظيَ بها الكاظمي بعد عملية الاغتيال، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ما مثّل من جهة أخرى إدانة واضحة للفصائل وسلوكها، وهو ما جاء من إيران قبل غيرها، حيث حملت زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني للعراق عقب الهجمات، الكثير من السخط والاستنفار الإيراني من تحرك الفصائل الأخير.

نحو التهدئة أم التصعيد؟

لا شك أن الساعات القليلة الماضية حملت العديد من المبادرات التي بدأت تطرحها قيادات سياسية عراقية، من أجل إبعاد شبح الصراع الشيعي الشيعي عن المشهد السياسي، وبدء حوار سياسي ينهي الأزمة الحالية.

فرغم إصرار الكاظمي على المضي بعمليات التحقيق من أجل كشف الجهات التي تقفُ خلف الهجمات الأخيرة، إلا أن مصادر سياسية عديدة كشفت عن مبادرة يقودها زعيم تحالف قوى الدولة عمار الحكيم، لإنهاء الخلاف بين الكاظمي والفصائل الولائية من جهة، والخلاف بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي الشيعي من جهة أخرى.

وتأتي هذه المبادرات في ظلِّ توافق إيراني أمريكي على إدانة الخطوة الأخيرة للفصائل، فإيران تريد تجنُّب المزيد من الخسارات في العراق، والولايات المتحدة تريد الحفاظ على الشراكة مع العراق، بعيدًا عن أي سيناريوهات معقّدة.

وفي سياق جهود التهدئة التي تُبذَل في الوقت الحالي، لا بدّ من الإشارة إلى أن بيانات التنديد الإقليمي والدولي، حول عملية الاغتيال، وتحديدًا تلك الصادرة من مجلس الأمن الدولي، تُشير إلى أن هناك إجماعًا دوليًّا للحفاظ على حالة الاستقرار السياسي الهشّ في العراق.

فالمجتمع الدولي ونتيجةً للتحديات الدولية المتصاعدة، لم يعد مستعدًّا للتعاطي مع سيناريو يمني جديد في العراق، خصوصًا أنه لم يتمكّن حتى اللحظة من تجاوز تبعات وتداعيات الأزمة اليمنية التي أفرزت أزمات إنسانية صعبة للغاية.

قد تؤدي عملية الاغتيال الأخيرة إلى عزلة سياسية للفصائل الولائية قد تكون الأشد منذ تشكيلها، في ظلّ حالة التنديد والاستنكار التي تتعرض لها داخليًّا وخارجيًّا، ومن الممكن أن تتحول حادثة الاغتيال إلى مخرج لفكّ الاختناق السياسي على نتائج الانتخابات، خصوصًا أن الكاظمي سلبَ المبادرة من خصومه، وبات يمتلك خيارات أكبر للمناورة، ومنها إنهاء أزمة الانتخابات.

فتعاطي الكاظمي مع عملية الاغتيال عبر تبنّي خطاب مهدِّد ومتوعِّد، أعطى حافزًا لبدء محركات الحوار السياسي لحل الأزمة، وقد تفضي في النهاية إلى إخراج طيف من الفصائل عن مسار العملية السياسية، والإبقاء عبر التفاوض على أطراف توافق على إنهاء العنف السياسي ومحاولات الانقلاب على السلطة.

ومن جانب آخر، إن التحول المهم الذي أصاب سلوك الفصائل الولائية في العراق، يُنذر بمزيد من الخشية حول المستقبل الذي ينتظر العملية السياسية، فهي على ما يبدو غير قادرة على التوافق مع مخرجات هذه العملية، وتحديدًا في إمكانية تقبُّل العملية الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة، حيث يبدو أنها تعاني من تحديات داخلية عديدة، كما أنها لم تعد على وفاق مع الخطوط الحمراء الإيرانية في العراق، والأكثر من ذلك لم تعد منسجمة مع النظام السياسي في العراق.