يأمل ماكرون في الحفاظ على امتيازات بلاده في ليبيا.

يأمل ماكرون في الحفاظ على امتيازات بلاده في ليبيا.

تستضيف اليوم العاصمة الفرنسية باريس مؤتمرًا للسلام حول ليبيا بمشاركة ممثلين عن 30 دولة فاعلة في ليبيا، وبحسب الإليزيه فإن الهدف منه بحث سُبل الوصول لسلام دائم في ليبيا قبيل الانتخابات المرتقبة نهاية الشهر القادم. في المقابل، ليس من المستعبد أن تسعى باريس من خلال هذا المؤتمر إلى تعزيز نفوذها في هذا البلد العربي الغني بالنفط، خاصة أن عدة دول إقليمية منافسة لفرنسا حازت على امتيازات كبرى في ليبيا في الفترة الأخيرة.

مؤتمر باريس

رئاسة مؤتمر باريس ستكون مسؤولية فرنسا وألمانيا وإيطاليا إضافة إلى ليبيا والأمم المتحدة، وكان قصر الإليزيه قد أعلنَ في وقت سابق أن مسؤولين من غالبية الدول الضالعة في الأزمة الليبية أو حلها، وبينهم نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، سيحضرون المؤتمر دون إعطاء لائحة مفصّلة.

أفادت حكومة الوحدة الوطنية الليبية بدورها، أمس الخميس، بأن رئيسها عبد الحميد الدبيبة سيشارك في مؤتمر باريس الدولي بشأن ليبيا، كما قالت المتحدثة باسم المجلس الرئاسي الليبي نجوى وهيبة إن رئيس المجلس محمد المنفي سيكون على رأس الوفد الليبي بصفة رسمية في مؤتمر باريس بشأن ليبيا.

طوال الصراع الليبي-الليبي انحازت فرنسا إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في حربه ضد المؤسسات الشرعية في ليبيا.

أما روسيا التي تدعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فستكون ممثلةً بوزير خارجيتها سيرغي لافروف كما أوضحت موسكو، فيما لم يحدَّد بعد مستوى تمثيل تركيا في المؤتمر أو إن كانت ستشارك فيه أم لا، خاصة أنها ترفض حضور اليونان فيه.

أما مصر فيمثّلها الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وصل أمس باريس، فيما تمثّل رئيسة الحكومة نجلاء بودن تونس، وبخصوص الجزائر فيمثلها وزير خارجيتها رمطان لعمامرة بعد رفض الرئيس عبد المجيد تبون الحضور، نتيجة توتر العلاقات مع فرنسا في الفترة الأخيرة.

بالنسبة إلى المملكة المغربية، سيرأس وفدها ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية في الحكومة المغربية، كما سيشارك في المؤتمر أيضًا رئيس النيجر محمد بازوم وممثل عن الكونغو وتشاد واليونان.

بحث عن سلام

تقول باريس إن الهدف من وراء هذا المؤتمر الدولي البحث عن سلام دائم في ليبيا، وإعطاء "دفع" أخير لانتخابات 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وكان الإليزيه قد أشار في معرض تقديمه المؤتمر إلى أن "الانتخابات في متناول اليد، وهناك حركة قوية تعمل في ليبيا حتى يتمّ إجراؤها، واستقرار البلاد معلق عليها".

واستدركت الرئاسة الفرنسية بالقول: "لكن المعطّلين (هؤلاء الذين يريدون تعطيل الدينامية الحالية) يتربّصون بها، يحاولون إخراج العملية عن مسارها"، وشدّدت على أنه من الضروري بالتالي "جعل العملية الانتخابية غير قابلة للطعن ولا عودة عنها وضمان احترام نتيجة الانتخابات".

ويأمل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة لإخراج البلاد من الأزمات التي تعيش على وقعها منذ سنوات، فالذهاب مباشرة إلى الشعب لانتخاب رئيس يمثّل الليبيين في برلمان جديد، من شأنه تجاوز جميع التناقضات القانونية وبناء هيكل مؤسَّسي واحد يمكن أن تتعامل الجهات الفاعلة الإقليمية والمجتمع الدولي معه، كونه يستند إلى الشرعية الانتخابية، لكن يبدو أن هناك جهات لا يُسعدها أن تجري ليبيا الانتخابات في موعدها.

 

عدة معطيات تؤكد أن إجراء الانتخابات يبدو غير محسوم، فهناك أطراف تصرُّ على عرقلة إجراء الانتخابات إلّا بالصيغة التي تخدم مصالحها، من بينها البرلمان الليبي الذي عملَ في الفترة الأخيرة على صياغة قوانين على المقاس تخدم حلفاء عقيلة صالح ولا تصبُّ في مصلحة البلاد والشعب.

ففي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أقرَّ البرلمان قوانين مثيرة للجدل بشأن الانتخابات، وصوَّت لتأجيل الانتخابات البرلمانية إلى مطلع العام المقبل، ما من شأنه أن يزيد من انقسام البلاد، في وقت يأمل فيه الليبيون أن يغلقوا ملف الفوضى والعنف إلى الأبد.

ترى فرنسا في ليبيا مدخلًا لإعادة إحياء دورها التاريخي الاستعماري في القارة الأفريقية.

كما تقول باريس إن الهدف من المؤتمر أيضًا البدء بخطوات سحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، و"إنهاء التدخلات الخارجية"، كما صرّح وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، وهي واحدة من أصعب نقاط الخلاف حتى الآن.

وسبق أن أكدت عدة دول فاعلة في الشأن الليبي، فضلًا عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، على ضرورة عقد الانتخابات في موعدها المقرَّر، وتوفير القاعدة القانونية والدستورية لها، إضافة إلى سحب العناصر الأجنبية المقاتلة من البلاد، وضرورة الامتثال لحظر الأسلحة المفروض.

تعزيز نفوذ

شدَّد ماكرون في أكثر من مرة على ضرورة مغادرة كل القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب الموجودين في ليبيا، وتمكين قوات الأمن الليبية الموحَّدة تحت سلطة المجلس الرئاسي من تولّي مهمة الأمن في البلاد، واجراء الانتخابات في موعدها.

لكن السؤال المطروح الآن، هل يمكن لفرنسا أن تكون وسيطًا موثوقًا به؟ انطلاقًا من عدة معطيات ومؤشرات فالإجابة ستكون بالتأكيد لا، فطوال الصراع الليبي-الليبي انحازت فرنسا إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في حربه ضد المؤسسات الشرعية في ليبيا.

 

وثبت في أكثر من مرة التدخل الفرنسي المباشر في ليبيا، وذلك من خلال الوجود المُثبَت للمديرية العامة للأمن الخارجي والقوات الخاصة إلى جانب خليفة حفتر، فضلًا عن تزويد باريس قوات حفتر التي تُتَّهم بارتكاب جرائم حرب بالأسلحة المتطورة، وذلك ضمن الاتجاه العام للسلطات الفرنسية بدعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي.

كما سبق أن قُتل عدد من الجنود الفرنسيين في تحطُّم مروحية في مدينة بنغازي في فبراير/ شباط 2016، وسبق أن ضبطَ الأمن التونسي 13 فرنسيًّا بأوراق دبلوماسية محمّلين بأسلحة وذخيرة على الحدود الليبية مع تونس، كُشف فيما بعد أنهم كانوا مع حفتر.

 

كما مكّنت باريس حفتر من الحضور الدبلوماسي في العديد من المناسبات، رغم عدم حمله لأي صفة رسيمة في الدولة الليبية، وتورُّط قواته في جرائم ضد الإنسانية، وتسبُّبها في دمار العديد من المدن الليبية والمرافق الحيوية في البلاد.

انطلاقًا ممّا سبق، يمكن القول إن فرنسا تضغط للذهاب نحو الانتخابات للحفاظ على مصالحها في هذا البلد العربي، بعد أن ضمن حليفها حفتر قانونًا انتخابيًّا على مقاسه، وتأمل فرنسا في فوز حفتر وجماعته لتعزيز سيطرتها على موارد الطاقة في ليبيا، وأيضًا تعزيز مكانتها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، إذ ترى فرنسا في ليبيا مدخلًا لإعادة إحياء دورها التاريخي الاستعماري في القارة الأفريقية، فباريس منحت نفسها -دون الرجوع إلى أحد- حقّ التدخل في أغلب الدول الأفريقية التي تمتلك ثروات باطنية مهمة لحماية مصالحها هناك.