شهدت الأيام القليلة الماضية، وتحديدًا في مرحلة ما بعد استهداف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بثلاث طائرات مسيرة، كانت تهدف لاغتياله في عملية معقدة للغاية، ما زالت ملابساتها غير واضحة، تحولًا مهمًا في طبيعة الموقف الإيراني في العراق والمنطقة بصورة عامة.

فبالتوافق مع الموقف الإيراني المندد بعملية الاغتيال، الذي جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، فإن زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قآني لبغداد وانتقاده الواضح لسلوك قادة الفصائل المسلحة، جاء متماهيًا مع الموقف الإيراني من تحولات جديدة في المنطقة، ومنها عدم انتقاد لقاء الرئيس السوري بشار الأسد بوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، إلى جانب اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية الإيراني حسين أمير  عبد اللهيان، مع نظرائه وزراء خارجية الأردن ومصر، فضلًا عن إعلانه عن جولة جديدة من المحادثات السعودية الإيرانية قريبًا.

هذا التحول الإيراني يشير إلى أن النظرة البراغماتية عادت لتسيطر على قناعة صناع القرار في إيران، لأسباب داخلية وخارجية، وتحديدًا على مستوى الدور الإيراني في العراق، وذلك من أجل أن تتجنب خسارات جديدة، فبعد أن خسر حلفاؤها الانتخابات المبكرة، وقبلها تصاعد السخط الشعبي من هذا الدور، منذ تظاهرات تشرين الاحتجاجية عام 2019، فإن مستقبل هذا الدور أصبح هو الآخر على المحك اليوم.

فعملية الاغتيال أعطت زخمًا كبيرًا للكاظمي نحو الولاية الثانية، بعد بيانات الدعم المحلي والإقليمي والدولي التي حظي بها، ما مثل من جهة أخرى إدانة واضحة للفصائل المسلحة، وهو ما أدركته إيران جيدًا، وهو أيضًا ما أدى إلى تصاعد حدة الخلاف بين عصائب أهل الحق والسفير الإيراني في بغداد إيراج مسجدي، الذي جسدته تغريدة للقيادي في العصائب أمير الطائي، الذي قال: "إيراج مسجدي نسي عمله كسفير، وأصبح مرسالًا".

تصاعد الخلاف السياسي بين عصائب أهل الحق وسياسة فيلق القدس في العراق، بما فيها العلاقة مع السفير الإيراني، بدأت بعد اغتيال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني مطلع العام الماضي، وبعد الهيكلة الإيرانية التي حصلت عقب الاغتيال، من خلال إعادة توزيع الأدوار على شخصيات سياسية محسوبة على إيران منها هادي العامري كزعيم لتحالف الفتح، وأكرم الكعبي كممثل لفيلق القدس في العراق، وأبو فدك (عبد العزيز المحمداوي) كرئيس لأركان الحشد الشعبي، بقي قيس الخزعلي زعيم العصائب يبحث عن مكان له في هذه المعادلة الجديدة.

أخذت إيران مؤخرًا تتماهى مع فكرة أن عدم ضبطها لحركة الفصائل المسلحة، وتحديدًا في مسألة الالتزام بالتعليمات والمواقف القادمة من طهران، يتطلب منها إعادة هيكلة هذه الفصائل

إن بوادر الخلاف ظهرت للعلن بعد خرق العصائب للتهدئة الأمنية التي فرضتها طهران وإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في نهاية العام الماضي، عبر توجيهها وقتئذ عدة صواريخ إلى مقر السفارة الأمريكية في بغداد، اعتقل على إثرها مسؤول وحدة الصواريخ في العصائب المعروف بـ"حسام الإيزيرجاوي" من القوات الأمنية العراقية، فزيارة قآني وإعلان دعمه للكاظمي، ومنددًا في الوقت ذاته بالهجمات، معلنًا عدم معرفة بلاده المسبقة بها، أظهرت حجم الهوة بين الفصائل وطهران.

كما أن تغريدة الطائي ضد مسجدي، توضح أن العصائب تخشى التضحية بها وغيرها من الفصائل في أي تسوية مقبلة، كما حصل مع سرايا الخُرساني سابقًا، مع ضرورة الإشارة إلى أن هناك مستوى لم تتجاوزه الخلافات بين الطرفين بعد، وهو الوصول إلى حد القطيعة، لحاجة كل منهما للآخر، وهو ما يرجح فرضية العودة السريعة لبيت الطاعة الإيراني، فإيران لا تريد بالنهاية التفريط بورقة الفصائل، خصوصًا أنها على مشارف الدخول في الجولة السابعة للمباحثات النووية في فيينا نهاية الشهر الحاليّ، كما أنها تدرك قيمة الفصائل في تأمين الممر البري الآمن الذي يمتد من طهران وحتى البحر الأبيض المتوسط.

أخذت إيران مؤخرًا تتماهى مع فكرة أن عدم ضبطها لحركة الفصائل المسلحة، وتحديدًا في مسألة الالتزام بالتعليمات والمواقف القادمة من طهران، يتطلب منها إعادة هيكلة هذه الفصائل، فالتطورات السياسية التي أعقبت اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وتصاعد حدة المواقف القادمة من النجف، فضلًا عن التشدد الأمريكي، تستدعي منها إجراء تغييرات على إستراتيجيتها في العراق، خصوصًا أن قآني لم يتمكن حتى اللحظة من ضبط حركة هذه الفصائل، وهو ما يعني أن هيكلة هذه الفصائل في العراق قد تشهد تغييرات في الأيام المقبلة، عبر التفكيك أو الدمج أو الحل، لما أصبحت تمثله من عبء على إيران ونفوذها.

إن فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في ضبط حركة هذه الفصائل، أسهم في غياب خطوط واضحة لأدوارها، في داخل وخارج العراق، وهو ما قد ينبئ بتداعيات خطيرة قد يشهدها الواقع العراقي، فيما لو تحولت الخلافات الفصائلية في الوقت الحاضر على نتائج الانتخابات من السياسة، واستخدمت الشارع كساحة للصراع.

فصعود الفصائل جعلها في حالة صدام مباشر مع الدولة العراقية، وذلك بسبب ارتباطها بالدور الإيراني، الأمر الذي عرض السيادة العراقية للكثير من الانتهاكات، ورغم أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن نهاية لدور الفصائل، لأن الأمر يتعلق بإجراءات تشريعية ينبغي أن يقدم عليها البرلمان العراقي، بحكم ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، فإنه بالمقابل يمكن الإشارة، بأن هناك توجهًا سياسيًا وشعبيًا طامحًا لاحتواء دورها الذي لم يعد ينسجم مع جسد النظام السياسي في العراق.