جاء الخطاب الذي ألقاه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، والذي قدّم فيه رؤيته السياسية لتشكيل الحكومة المقبلة وفق قاعدة التوافق السياسي من وجهة نظر صدرية، لتؤسِّس لتحوُّلٍ مهمٍّ في طبيعة الخطاب الصدري حيال الكتل السياسية الأخرى، خصوصًا أن الخطاب جاء بعد مبادرة طرحها زعيم تحالف قوى الدولة عمار الحكيم، وكذلك تصعيد الفصائل المسلحة على بوابات المنطقة الخضراء، وهي محاولات فسّرها الصدر على أنها تأتي في إطار الالتفاف على استحقاقه الانتخابي، خصوصًا في مسألة رئاسة الوزراء التي ينظر إليها الصدر على أنها استحقاق سياسي لا يمكن التفريط به.

ما المختلف في خطاب الصدر؟

الجديد في خطاب الصدر هذه المرة أنه وجّه سهامه نحو الفصائل المسلحة تحديدًا، عبر حديثه عن ضرورة تصفية الحشد الشعبي من الفصائل المسلحة غير المنضبطة، وحلّ جميع الفصائل المسلحة، وتسليم سلاحها لهيئة الحشد الشعبي بإشراف القائد العام للقوات المسلحة، فضلًا عن إشارته الواضحة لملفّ الموصل، من خلال حديثه عن الفساد الاقتصادي في هذه المدينة، والذي تضمّن الإشارة الضمنية لاقتصاديات الفصائل المسلحة ومكاتبها الاقتصادية والتجارة غير المشروعة، وهي مسائل يبدو أن الصدر على دراية واضحة فيها.

في الوقت الذي تحاول فيه قوى الإطار الالتفاف على الاستحقاق الانتخابي للصدر، وسحب الشرعية السياسية منه، أخذَ الصدر يركّز على مسألة سحب شرعية مسمّى "الحشد الشعبي" عن الفصائل المسلحة المنضوية فيه.

يمكن القول إن الصدر أراد بخطابه الأخير تقديم مفهوم جديد لقاعدة التوافق السياسي في البلاد، وذلك عبر الذهاب نحو التوافقية السياسية لكن بشروط الفائز بالانتخابات، وليس ضمن شروط الإطار التنسيقي الشيعي الذي دعا لاجتماع عاجل عقب خطابه الأخير لمناقشة الخطوات المقبلة.

وفي هذا السياق جاءت أولى ردود الأفعال على الخطاب، عبر تغريدة للمتحدث العسكري باسم كتائب حزب الله العراقي أبو علي العسكري، والذي قدّم موافقة مشروطة على مبادرة الصدر، لكن بعد أن يتمَّ حل سرايا السلام التي يقودها الصدر، وكذلك قوات البيشمركة الكردية التابعة لإقليم كردستان، ونزع سلاحهما، وبعدها يمكن الحديث عن سلاح الفصائل المسلحة، كما أشارت منصات إعلامية عديدة تتبع للفصائل المسلحة على تطبيق تيليغرام بأنها لن تسلِّم سلاحها إلا لصاحب العصر والزمان على حد تعبيرها.

معركة انتزاع الشرعية

هذا التدافع السياسي بين الصدر والفصائل المسلحة، يشير بوضوح إلى أن الصدر بدأ يدرك جيدًا أين تكمن نقطة الضعف لدى الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يشكّل تحالف الفتح (الجناح السياسي للفصائل المسلحة) أحدَ أركانه.

ففي الوقت الذي تحاول فيه قوى الإطار الالتفاف على الاستحقاق الانتخابي للصدر، وسحب الشرعية السياسية منه، أخذَ الصدر يركّز على مسألة سحب شرعية مسمّى "الحشد الشعبي" عن الفصائل المسلحة المنضوية فيه، والحديث عن حلّها وتفكيكها.

فما يجري اليوم هو صراع على انتزاع الشرعية من الطرف الآخر، ويبدو أن معركة الشرعية ستزداد سخونة في الأيام المقبلة، مع الرفض المستمرّ للمبادرات السياسية، وكذلك الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء المقبلة.

فوز الكتلة الصدرية بالانتخابات فرضَ على زعيمها تبنّي مفردات خطابية تعزِّز من مفهوم الدولة في مواجهة اللادولة التي أضعفتها كثيرًا.

حاول الخطاب الصدري في الفترة الأخيرة تجاوز حالة التصعيد مع الفصائل المسلحة، والتي بدأت بعملية النزول للشارع تنديدًا بنتائج الانتخابات، وافتعال أزمات أمنية كما حصل في ديالى، أو العودة لإطلاق صواريخ الكاتيوشا، ومن ثم تبنّي خطابات وبيانات تهديدية وصلت حدّ التلويح بتهديد السلم الأهلي في العراق.

قابل الصدر هذه الخطابات ببيانات تحدّث فيها عن "ضرورة ضبط النفس والتحلي بالروح الوطنية من أجل الوطن، والالتزام بالطرق القانونية في ما يخصّ الاعتراضات الانتخابية، وعدم اللجوء إلى ما لا يحمد عقباه"، في خشية واضحة من أن يتحول الصراع من السياسة إلى الشارع، إلا أن تهديدها المستمر لاستحقاقه الانتخابي دفعَ الصدر نحو الخطوة الجديدة للمطالبة الصريحة بنزع سلاح هذه الفصائل وحلّها.

متطلبات المرحلة

إن فوز الكتلة الصدرية بالانتخابات فرضَ على زعيمها تبنّي مفردات خطابية، تعزِّز من مفهوم الدولة في مواجهة اللادولة التي أضعفتها كثيرًا، كما تهدف خطوته الأخيرة إلى خلق حالة تمايز واضحة بين الفصائل التي تؤمن بتقوية الدولة على حساب الفصائل التي تعمل خارج سياق الدولة.

كما يدرك الصدر أن الفترة الراهنة تحتاج إلى العمل السياسي بصورة أكبر، وأنه ليس بحاجة لقوّته المسلحة في المرحلة المقبلة، حتى لو اضطرَّ للذهاب نحو حلّ سرايا السلام كخطوة لوضع الفصائل المسلحة أمام الأمر الواقع، وكمحاولة لتجسيد صحّة قوله ونواياه، خصوصًا إذا ما نجحَ بتشكيل الحكومة عبر سياقات تحالفية يسعى لإكمالها مع الكتل الأخرى، بعد عملية المصادقة على نتائج الانتخابات الأسبوع المقبل، حسبما أعلنت عن ذلك المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في بيان لها يوم 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

يدرك الصدر ألّا نجاح سيُكتَب لحكومته في ظل استمرار الفصائل الاحتفاظ بسلاحها، ما يعطي تصور واضح لحجم التعقيد السياسي الحاصل في العراق الآن.

ويدرك الصدر جيدًا أن خطوة حل الفصائل المسلحة هي خطوة صعبة للغاية، كون الأمر إلى جانب كونه يتعلق برفض الفصائل المسلحة لهذه الخطوة، فإنه من جهة أخرى يرتبط بإجراءات تشريعية لا بد منها، ولا سيما أن سلاح هذه الفصائل مشرعن قانونًا بحكم انتمائها لهيئة الحشد الشعبي، وحسب القانون رقم 40 لسنة 2016، إذ تعمل هذه الفصائل تحت طائلة هذه القانون.

هذا رغم أن هناك العديد من الأوامر الديوانية التي صدرت منذ فترة من رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وحتى مصطفى الكاظمي، من أجل ضبط وهيكلة سلاح الفصائل المسلحة، إلا إنه عادة ما تنتصر إرادة الفصائل المسلحة بالنهاية.

وإلى جانب ما تقدَّم، فإنه رغم تقديم الصدر رسالة واضحة لإيران في خطابه الأخير، من خلال دعوته الصريحة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، ومطالبة الكتل السياسية بالتخلي عن ولاءاتها الخارجية، إلا أن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني، وكذلك مسؤول ملف العراق في حزب الله اللبناني في الأيام الماضية، وتأكيدهما على مسألة رفض أي حديث عن سلاح الفصائل المسلحة، يدل أن هناك تحديات كبيرة تقف في وجه الصدر، فهو يدرك ألّا نجاح سيُكتَب لحكومته في ظل استمرار الفصائل الاحتفاظ بسلاحها، ما يعطي تصوّرًا واضحًا لحجم التعقيد السياسي الحاصل في العراق الآن