أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل، أمس الجمعة 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أنها بدأت في استصدار قانون من البرلمان يصنف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" كمنظمة إرهابية ويتم حظرها في المملكة المتحدة، مبررة ذلك بالتزام حكومتها بالتصدي "للتطرف والإرهاب" لأن الحركة "لديها إمكانيات إرهابية كبيرة تشمل إمكانية الوصول إلى أسلحة واسعة النطاق ومتطورة".

القرار الذي أعلنته باتيل، ذات الأصول الهندية والمعروفة بميولها الصهيونية المتطرفة ودعمها لدولة الاحتلال في حكومة بوريس جونسون، قوبل بإدانات فلسطينية من السلطة وكل الفصائل، وفي المقابل ترحيب كبير من حكومة "إسرائيل" وأذرعها الإعلامية في بعض الدول.

وبهذا القرار تنضم بريطانيا إلى أمريكا وكندا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يكشف الكثير من المؤشرات عن التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية البريطانية بعد البريكست، ومحاولة مغازلة يهود العالم وحركاته الصهيونية لتعزيز أركان الدولة التي تعاني أوضاعًا صعبة على المسارات كافة خلال الآونة الأخيرة.

بالنسبة لكثيرين، لا يعدّ القرار مفاجئًا، - رغم الدعم الذي تتلقاه القضية الفلسطينية في الداخل البريطاني -، كونه يتماشى مع ثنائية المغازلة والدعاية التي تتبعها حكومة جونسون خلال العام الأخير تحديدًا، ما يدفع للتساؤل عن تبعات هذه الخطوة وارتداداتها على المسار الفلسطيني والدولي، بجانب ما تحمله من دلالات.

الوزيرة والسياق.. مدخل مهم لفهم القرار

من الأهمية بمكان قراءة السياق العام للقرار على المستوى الشخصي والسياسي، قبل الولوج في تفسيراته ومآلاته وما يحمله من رسائل وارتدادات، البداية مع الوزيرة ذاتها، بطلة القرار وصاحبة الإعلان عنه، فهي أحد أشد الداعمين لـ"إسرائيل" في حكومة بريطانيا الحاليّة، كما أن هذا الموقف كان سببًا رئيسيًا في وصولها إلى هذا المنصب.

وبالعودة إلى 2017، نجد أن باتيل أُجبرت على تقديم استقالتها من حكومة تيريزا ماي، بسبب تنظيمها لاجتماعات سرية مع الحكومة الإسرائيلية، ومناقشتها مسألة منح مساعدات بريطانية للجيش الإسرائيلي، من أموال المساعدات الخارجية التي تمنحها لندن للدول الفقيرة، الأمر الذي اعتبرته الحكومة وقتها مخالفة لتوجهات المملكة.

لم يكن موقف باتيل إلا حلقة في سلسلة طويلة داخل تيار كبير من المحافظين الداعمين لـ"إسرائيل"، وهو التيار الذي تغلغل بصورة كبيرة داخل بقية الكيانات السياسية في بريطانيا، حتى داخل "حزب العمال" اليساري، المعروف بدعمه للقضية الفلسطينية وتحفظاته على سياسة الاستيطان والتهجير الإسرائيلي.

من المتوقع أن يسفر هذا القرار عن معارك قانونية كبيرة في الداخل البريطاني نفسه، فهناك العديد من المؤسسات الخيرية والإنسانية الإنجليزية التي تعمل في قطاع غزة ولديها اتصالات مكثفة مع مسؤولين بحركة حماس

هذا التوجه العام داخل الوسط السياسي البريطاني كان نتيجته الإطاحة بمعظم الأصوات الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، ولعل من أبرز ضحاياه زعيم حزب العمال جيرمي كوربين، الذي زار الأراضي الفلسطينية قبل نحو 10 سنوات، والتقى نوابًا من حركة حماس.

الغريب أن من جاء خلفًا لكوربين على رأس زعامة العمل، هو كير ستارمر، الذي رغم ميوله اليسارية، كان السوط الأكبر لكل المناصرين للقضية الفلسطينية داخل الحزب، حيث عزلهم من مناصبهم باستخدام الدعوى نفسها التي تستخدمها باتيل، أي "مكافحة معاداة السامية".

ومن هنا يمكن القول إن العنصرية التي تبنتها باتيل ضد القضية الفلسطينية والتصريح بين الحين والآخر بعدائها لحماس، الممثل الشرعي والقانوني للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، كان الباب الأكثر اتساعًا لتولي حقيبة الداخلية، وهو الإغراء الذي قد يدفع الكثير من الطامعين في المناصب لتحقيق أحلامهم من أقصر الطرق.

هناك سياق عالمي آخر، تجدر الإشارة إليه، يتعلق بالحضور الفلسطيني أمميًا، والنجاحات المحققة على المستوى الدبلوماسي الدولي، فقد حققت فلسطين بالأمس انتصارًا كبيرًا بحصولها على 157 صوتًا لصالح قرار "السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل، على مواردهم الطبيعية"، في مقابل معارضة 7 دول فقط من بينها أمريكا وكندا، وهو ما يمكن أن يعطي دلالة على حجم الضغوط التي ربما تتعرض لها بعض الدول لتضييق الخناق على القضية الفلسطينية لتحجيم انتصاراتها الدبلوماسية على المستوى العالمي.

باتيل

قرار سياسي من الدرجة الأولى

يذكر أن كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، كان قد تم تصنيفها قبل مدة كمنظمة إرهابية، وهو التصنيف الذي بُرر حينها بأبعاده الأمنية، لكن اليوم حين يتم تصنيف الحركة ككيان متكامل، فإن القرار يعتبر سياسيًا من الدرجة الأولى بعيدًا عن المزاعم الخاصة بالأنشطة المتطرفة وتهديدات الأمن والسلم البريطاني.

وعليه ذهب خبراء وأساتذة قانون أن القرار بصيغته الحاليّة لا مبرر له مطلقًا وأن الهدف منه فرض المزيد من التضييق على النشاط السياسي الفلسطيني كما أشار أستاذ القانون في جامعة لندن الدكتور مازن المصري، الذي أوضح في تفسيره للقرار بأنه يعني أن "أي عضوية في حركة حماس تجعل صاحبها تحت المساءلة القانونية وتقديم لوائح جنائية ضده"، منبهًا لكون التأويل القانوني لمسألة الدعم يبقى مفتوحًا، بحسب تصريحاته لـ"الجزيرة".

وقدم المصري مثالًا على نموذج تطبيق القرار بعد دخوله حيز التنفيذ قائلًا: "أي مظاهرة تخرج في بريطانيا لدعم الفلسطينيين ربما يتم منعها، بل ويعاقب منظموها في حال رفع شعارات حمساوية أو ترديد شعارات تؤيد المقاومة والحركة"، معتبرًا أن هذه الخطوة امتداد لسلسلة من "المضايقات القانونية على النضال الفلسطيني، بداية من محاولة منع حركة المقاطعة، وكذلك تعريف معاداة السامية الذي يخلط بين معاداة السامية وانتقاد الاحتلال".

ومن المتوقع أن يسفر هذا القرار عن معارك قانونية كبيرة في الداخل البريطاني نفسه، فناك العديد من المؤسسات الخيرية والإنسانية الإنجليزية التي تعمل في قطاع غزة ولديها اتصالات مكثفة مع مسؤولين بحركة حماس، وهنا تساؤل: هل يتم تصنيف تلك المؤسسات على أنها كيانات إرهابية؟ وهل يتم معاقبة أعضائها البريطانيين على تواصلهم مع أفراد من حماس على هامش نشاطهم داخل القطاع؟

عمليًا.. يفهم مما سبق أن قرار بريتي باتيل في حقيقته، هو تضافر  لجهود اللوبي الصهيوني في أوروبا مع داعمي "إسرائيل" داخل الكيانات السياسية البريطانية، لتضييق الخناق على أي نشاط فلسطيني من شأنه فضح الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، ودعم مخطط التوسعة الصهيوني على حساب أراضي الفلسطينيين.

غير أن لهذا الأمر عواقب وخيمة، لا تقتصر على حركة حماس أو القضية الفلسطينية فحسب كما يظن بعض المنتشين فرحًا بالقرار، بعضهم من العرب، لكن ارتدادته ستكون أكثر اتساعًا، تتعلق بالفضاء السياسي الذي تدور حوله معارك تشتبك فيها قضايا التحرر الوطني من الاحتلال، مع قضايا العنصرية و"معاداة السامية" في كل مكان، وهو ما قد يهدد السمعة والنفوذ والمصالح البريطانية على المستوى الدولي.

قد يشتم من وراء هذه الخطوة رائحة دعاية انتخابية في الوقت ذاته، لا سيما أن طموح وزيرة الداخلية ذوي الأصول الهندية في الوصول إلى رأس الهرم السلطوي في المملكة ليس بخاف على أحد

ترهيب وتضييق خناق

القرار ينضوي على حزمة من التبعات التي تصب في النهاية في إطار "تضييق الخناق" على الحركة الفلسطينية، أبرزها تجفيف منابع التمويل وتجريم الدعم بشتى أنواعه، بما يشمل منع التعاطف والدعاية والترويج للحركة وأنشطتها والدفاع عنها خاصة وحقوق الشعب الفلسطيني برمته بصفة عامة.

ومن ثم.. فحين يدخل القانون دائرة التنفيذ سيصبح أي نشاط من أنشطة الحركة داخل بريطانيا، أو المتعاطفين معها، مجرم بصورة قانونية، ويتعرض صاحبه للمساءلة التي ربما تصل للحبس لأكثر من 14 عامًا وفق ما ذهب بعض الخبراء القانونيين، تفسيرًا للقرار وفق لائحة القانون البريطاني لمكافحة الإرهاب والتطرف.

هذا القانون سيضع النشطاء الفلسطينيين والحقوقيين في مرمى الاستهداف، ويجعلهم عرضة للانتقام الشخصي والابتزاز أحيانًا، لا سيما في ظل تنامي التيار المناصر للصهيونية داخل بريطانيا باسم الدفاع عن السامية، وهو التيار الذي يستهدف تقويض القضية الفلسطينية شعبيًا وشيطنة مقاومتها بما يمهد الطريق نحو توفير كل سبل الدعم للمخططات الصهيونية فوق التراب الفلسطيني.

السؤال الأبرز هنا: ما مدى تأثير هذا القرار على حركة حماس؟ رئيس منتدى التفكير العربي في لندن محمد أمين، يجيب عن هذا التساؤل قائلً:ا "القانون رغم تأثيره على نشاط الحركة (إن وجد) داخل بريطانيا، لن يؤثر بشكل مباشر عليها من الناحية العملية والسياسية".

وأضاف خلال تصريحات صحفية له أن الأثر الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على الحركة، وفق تفسير القرار استنادًا إلى القانون البريطاني، هو إمكانية تحريك المتابعة الأمنية في حق قادة الحركة حال كانوا في أوروبا، وهو ما يمكن تجنبه مع الأخذ بالحيطة، وإن كان عنصر تهديد وابتزاز يقوض تحركات القادة ويؤثر بالفعل على نشاطهم المعتاد.

القرار لم يكن جديدًا، وليس بمستغرب في ظل سياسة بريطانيا الجديدة بعد البريكست، التي تنتصر لمصالحها على حساب أي شعارات أخلاقية أو توجهات محافظة سابقة، كما أنه قد يشتم من وراء هذه الخطوة رائحة دعاية انتخابية في الوقت ذاته، لا سيما أن طموح وزيرة الداخلية ذوي الأصول الهندية في الوصول إلى رأس الهرم السلطوي في المملكة ليس بخافيًا على أحد.

وفي النهاية.. لم تكن تلك الضربة الأولى التي تتلقاها حماس والمقاومة الفلسطينية بصفة عامة، إذ اعتادت مثل تلك الرميات طيلة العقود الماضية، منذ أن رفعت شعار التصدي للمحتل وعدم مغادرة الميدان قبل تحرير الأراضي كافة، وهو الشعار الذي بسببه يتوقع أن تواجه القضية موجات من تضييق الخناق والابتزاز، تزيد وتنقص وفق المستجدات والظروف، لكنها لن تتلاشى إلا بخروج آخر صهيوني من التراب الفلسطيني، الأمر الذي يدفع الحركة للبحث عن أدوات جديدة وإستراتيجيات بديلة للتعامل مع هذا التوجه العالمي الذي من المتوقع تصاعد وتيرته في الأيام القادمة.