قد تكون هتافات البريطانيين واستصراخهم للقدس والأحياء المقدسية المهددة بالتهجير في مايو/أيار 2021، قد صمت آذان اللوبي الصهيوني في الخارج، حتى شدد من ضغوطاته وعلاقاته ليقنع وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل بتصنيف حركة المقاومة الإسلامية حماس كـ"حركة إرهابية"، حتى تخرج الأخيرة في أثناء إعلانها هذا بطمأنة اليهود في بريطانيا أن خطر "معاديي السامية" انتهى.

إن مصطلح "معادٍ للسامية" هو دموع الاحتلال الكاذبة في الغرب، الذي يبكيها كلما ضاق الخناق عليه واحتاج إلى مزيد من الدعم والتأييد الغربي، حينها، يبدأ باتهام كل من يروج للرواية الفلسطينية بأنه معادٍ للسامية اليهودية، إضافة إلى اتهامه بذلك - بطبيعة الحال - كل أجنحة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، مع أن المروجين للرواية الفلسطينية والمقاومين للاحتلال الإسرائيلي وحتى المتضامنين الغربيين مع فلسطين يؤكدون بشكل قطعي في خطابهم أن مشكلتهم مع الاحتلال مشكلة سياسية استعمارية بمعزل عن الدين اليهودي.

وفي خضم هذا كله، ومع ارتداء الفظائع الصهيونية قناع "السامية"، يشرع اللوبي الصهيوني في حملات ضغط ومناصرة للفكر الصهيوني، ودعمٍ لـ"إسرائيل" كدولة شرعية على أرض فلسطين، وقد بدأ بهذه الحملات قُبيل مؤتمر بازل عام 1897، حين بدأ اللوبي الصهيوني باستنهاض العالم الغربي لفكرة الأرض اليهودية المسلوبة في المنطقة المقدسة، أي فلسطين.

ولعل قرار وزيرة الداخلية البريطانية بتصنيف حركة حماس "حركة إرهابية"، يأخذنا في القراءة نحو واقع التأييد الغربي للقضية الفلسطينية، والفارق بين الساسة والجمهور الشعبي في منظورهم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعن مدى نجاح اللوبي الصهيوني في بريطانيا بشكل خاص وأوروبا عامة في ترسيخ فكرة الدولة الصهيونية في العقل الشعبي الغربي.

حركة مقاطعة "إسرائيل".. النِدُّ القوي

تمارس حركة مقاطعة "إسرائيل" لائحة أعمالها في ترويج الرواية الفلسطينية القانونية وفق القانون الدولي، وتمارس حملات الضغط على المؤسسات والجماهير لقطع علاقاتهم بالاحتلال الإسرائيلي وسحب استثماراتهم الاقتصادية منه ومقاطعة منتجات المستوطنات المقامة بوجه غير شرعي على الأراضي الفلسطينية وفرض العقوبات على الاحتلال بسبب جرائمه.

وفي استطلاع أجرته يوجوف (YouGov) إحدى أكبر الشركات العالمية في مجال أبحاث السوق، وجدت أن 61% من أعضاء حزب العمال البريطاني يؤيدون حركة مقاطعة "إسرائيل" (BDS) رغم التوجهات الغربية الرسمية بتصنيف الحركة كمنظمة إرهابية، تحت ضغط من اللوبي الصهيوني، كما فعلت ألمانيا وأمريكا وغيرهما.

وفي عام 2018، صوت حزب العمال البريطاني، في مؤتمره السنوي العام، لصالح قرارٍ يدعو لـ"تجميد بيع الأسلحة لـ"إسرائيل"، وفتح تحقيقٍ بشأن الانتهاكات الإسرائيلية واستخدام القوة في قتل وقمع وإصابة متظاهري مسيرات العودة الكبرى العزّل، والرفع الكامل وغير المشروط لحصار غزة"، كما طالب القرار بزيادة التمويل البريطاني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين للأمم المتحدة (UNRWA)، في ظل وقف الدعم الأمريكي لها.

مستنكرًا "إعادة كتابة تاريخ الشعب الفلسطيني وشطب ضحايا حرب عام 1948 الذين هجروا قسرًا من أراضيهم"، في رفضٍ لمحاولات اللوبي الصهيوني تكميم الأصوات المؤيدة لفلسطين ومحاولات تصفية حق العودة الفلسطيني.

اضطرت السلطات البريطانية مؤخرًا إلى إجلاء سفيرة الاحتلال الإسرائيلي لدى بريطانيا من حفل أقيم في كلية لندن للاقتصاد، بسبب مظاهرة كبيرة مؤيدة للقضية الفلسطينية نُظمت في الكلية

في الأثناء، وبينما تتسم الأوساط الغربية في دور فاعل للمثقفين والأكاديميين في تصويب حركة التفكير والمعتقدات للجماهير، استطاعت حركة مقاطعة "إسرائيل"، على صعيد بريطانيا، الحصول على توقيع ما يزيد على 1000 شخصية ثقافية وفنية بريطانية على ميثاق للمقاطعة الثقافية للاحتلال الإسرائيلي، كما صوت 73% من أساتذة وطلبة وعاملي كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن على دعم المقاطعة الأكاديمية لـ"إسرائيل"، وإلى جانب ذلك كله فقد انضم المجلس التنفيذي للاتحاد الوطني للطلبة في بريطانيا، الذي يمثل 7 ملايين طالب، لحركة المقاطعة.

ربما هذا ما يفسر اضطرار السلطات البريطانية مؤخرًا إلى إجلاء سفيرة الاحتلال الإسرائيلي لدى بريطانيا من حفل أقيم في كلية لندن للاقتصاد، بسبب مظاهرة كبيرة مؤيدة للقضية الفلسطينية نُظمت في الكلية، وقد حمّل المتظاهرون سفيرة الاحتلال المسؤولية عن "الدفاع عن الاستعمار الاستيطاني والتورط في الخطاب المعادي للإسلام وتأييد العنصرية ضد الفلسطينيين".

مايو 2021.. كشف الأقنعة

في لحظة ما خلال العامين الأخيرين، ظن الفلسطينيون أن العالم تقاعس عن نصرتهم وتجاهل استغاثتهم أمام جرائم الاحتلال الإسرائيلي في حصاره لغزة وعدوانه عليها وفي انتهاكاته بالمدن الفلسطينية المحتلة والقدس الشريف وفي استمرار التهام مستوطناته أراضي الضفة الغربية، وخاب أمل الفلسطينيين مع تصاعد موجات التطبيع العربي مع "إسرائيل"، واعتقدوا أن الستار قد أسدل على فصل التأييد العالمي للحق الفلسطيني في الأرض والعودة.

في الأثناء، جاء شهر مايو/أيار المنصرم ليأتي بالمفاجأة، وليقدّم للاحتلال صفعةً قويةً على ما ظنه يومًا إنجاز اللوبي الصهيوني الخارجي، فقد انطلقت كبرى المدن العالمية في مظاهرات دعمًا للقضية الفلسطينية وتنديدًا بإجراءات الاحتلال في القدس وحي الشيخ جراح وعدوانه على قطاع غزة، وقد شوهد العلم الفلسطيني يرفرف في لندن وبرلين ونيويورك وغيرها.

وإلى جانب ذلك، فقد كشف ذاك الشهر الفلسطيني بامتياز عن توجه عدد كبير من المؤثرين والمشاهير العالميين إلى دعم فلسطين عبر حساباتهم، واستخدام رقعة اتساعهم التي تمتد لملايين الأشخاص في فضح الجرائم الإسرائيلية، وهو ما دفع اللوبي الصهيوني في أعقاب الأحداث المتوترة حينها إلى شن حملات "معاداة السامية" عليهم، والضغط على الشركات المتعاونة معهم لسحب وكالاتهم واتفاقاتهم مع هذه الأصوات الشهيرة.

تُظهر بيانات استطلاع (YouGov) في شهر يونيو/حزيران أن شعبية "إسرائيل" في جميع أنحاء أوروبا انخفضت بشكل كبير في شهر مايو/أيار، منذ الاستطلاع الأخير للمركز في فبراير/شباط الماضي، فقد انخفض معدل التفضيل الصافي للدولة 14 نقطة في جميع البلدان التي شملها الاستطلاع.

إن حملات اللوبي الصهيوني، وإن كانت قد أسفرت عن تصنيف حماس كحركة إرهابية، فإن فاعليتها و"نجاحها" لا يتعدى أروقة مكاتب الساسة البريطانيين، ولم تثبت نجاحها حتى الآن في الأوساط الشعبية الغربية - الأوروبية خاصة -، فلم تفلح في إقناع الجمهور الأوروبي والبريطاني بأن "إسرائيل" هي الضحية في المعادلة الشرق أوسطية، وأن الأرض الفلسطينية هي أرض "إسرائيل وما الفلسطينيون إلا مارقون عابرون محتلون".