"مينفعش نكون في عصر السيسي رئيسي ويكون الفن بالشكل ده".. تحت هذا العنوان العريض الذي أطلقه نقيب الموسيقيين المصريين هاني شاكر، عادت أزمة مطربي المهرجانات (الأغاني الشعبية) لتفرض نفسها على الوسط الفني المصري مرة أخرى، لكنها هذه المرة ذات مذاق خاص، بعدما تحولت إلى قضية جدلية وساحة كبيرة للتبارز باسم الوطن، بالذوق تارة وتضييق الخناق وكبت الحريات تارة أخرى.

نقيب الموسيقيين، وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أصدر قرارًا في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بمنع 19 مطربًا من مطربي المهرجانات بدعوى أن "أصواتهم وكلماتهم غير جيدة"، علمًا أن الوارد أسمائهم في كشف الرقيب يمارسون الغناء منذ سنوات بتصاريح يحصلون عليها من النقابة دون أن يتعرض لهم أحد.

الوصاية على أذواق الناس عبر فرض أسماء وموضوعات بعينها ومنع أخرى، بزعم الحفاظ على الأخلاق والقِيَم المجتمعية، سردية قديمة متجددة، تُستخدَم بين الحين والآخر لتبرير قرار ما تقفُ خلفه حزمة من الدوافع، آخرها إنقاذ الذوق والحفاظ على الأخلاقيات، هكذا يفسِّر المعارضون للقرار موقفهم، وفي المقابل هناك من يرى أن البُعد الأخلاقي يجب أن ينتصر بتنقية الأجواء وتطهيرها من الشوائب التي تعكّر صفوها.

عدة سجالات شهدتها الساحة الفنية المصرية خلال الأيام الأخيرة، تحولت في بعض الأحيان إلى معارك على منصات التواصل الاجتماعي، بعضها تجاوز حدود الخلاف إلى بروز اختلافات وتصفية حسابات شخصية، كما حدث مع رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي قوبل بحملة انتقادات واسعة بسبب رفضه قرار نقيب الموسيقيين، ما يدفع للتساؤل حول حقيقة هذا القرار، وما إذا كان هدفه الأساسي الانتصار للذوق أم استعذاب ممارسة الديكتاتورية والسلطوية وتضييق الخناق وكبت الحريات الفنية باسم الوطنية والحفاظ على القيم العليا؟

إفساد للذوق العام

نقيب الموسيقيين في تصريحاته المتلفزة، قال تبريرًا لقراره إن "دور النقابة أن تحافظ على الأعضاء وعلى المهنة وعلى الشكل العام لمصر"، لافتًا أن قرار النقابة مؤقّت لحين تصحيح أوضاع الموقوفين القانونية، بجانب اجتياز الاختبارات المطلوبة للحصول على عضوية النقابة بجانب التصريحات اللازمة لممارسة الغناء.

بدوره وصف سكرتير عام النقابة، أحمد رمضان، المهرجانات بأنها "نوع من الضجيج الأسود" الذي يعتمد على تلاعُب في الصوت عبر أجهزة ميكانيكية لا تعكس الصوت الحقيقي للمطرب، لافتًا أن هذا النوع من الغناء مرتبط بصورة أو بأخرى بالعشوائيات وانتشار "التوك توك" على حد وصفه.

وأضاف رمضان في تصريحاته صحفية له أن المهرجانات "فن لقيط"، ارتبطَ بداية بأصوات المزمار الشعبي التي تمّت معالجتها عبر أصوات مطربين محدودي الكفاءة والموهبة، وانتشر في الأفراح والموالد لجمع أموال النقوط، لكنه لا يمتلك المقوّمات المطلوبة للفن المتعارف عليه، والذي يجب أن يحتوي على بعض الشروط أبرزها تمكُّن المطرب وتمتُّعه بالصوت الجيد والأداء المقبول.

يُذكر أن فن المهرجانات في مصر قد انتشرَ بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، مستفيدًا من التطورات التكنولوجية اللافتة في مجال تقنيات الصوت، فيما انتشرت عشرات الفرق الغنائية التي تبنّت هذا النوع من الغناء وحقّقت عدة نجاحات لا سيما في المناطق الشعبية.

قرار معيب

وفي الجهة المقابلة هناك من وصفَ هذا القرار بـ"المعيب"، لافتين إلى أن تقويم الأخلاق لا يكون بالمنع، وهو الرأي الذي ذهبَ إليه الناقد الفني طارق الشناوي، الذي يرى أن سلاح المنع قد ولّى منذ مئات السنين، ولم يثبت مطلقًا قدرته على منع أي شيء على مرِّ التاريخ.

الشناوي في تصريحات له أوضحَ أنه من العار أن نكون في الألفية الثالثة، حيث الإنترنت والسماوات المفتوحة والميتافيرس، ثم يلجأ البعض للمنع، معتبرًا أن قرار كهذا "تخلُّف عن منطق الزمن"، مضيفًا في تصريحاته لـ"الحرة" أن المنع من الغناء ليس من حق النقابة، وأن حقها فقط عدم منح عضويتها لمن لا يستحقونها.

رجل الأعمال، نجيب ساويرس، دخلَ هو الآخر على خط الأزمة، معلّقًا على القرار بقوله: "أول مرة أشوف نقيب للمغنين فخور جدًّا بمنع الغناء (..) الجمهور اللي يقرر يسمع مين وميسمعش مين.. مش النقيب!"، معتبرًا ذلك "حجر على حرية التعبير"، وتابعَ: "مش عاجبك متسمعهوش!"، مطالبًا المطربين الممنوعين باللجوء إلى القضاء.

المطرب الشعبي محمود العسيلي وصفَ قرارات منع الغناء بأنها ردة للقرون الوسطى، وأنها أشبه بالمدارس الداخلية المتشددة، لافتًا في تغريدة له على تويتر أن "دا حل جاهلي لا يمتّ للواقع بصلة. المواجهة تكون بتقديم محتوى راقي وعصري.. الحل هو احتواء كل ما هو جديد والحلو هيكمل ويحلو والوحش هيموت وينقرض.. كفاية حل دفن راسنا في الرمل زي النعام.. العالم بتاعنا دلوقتي مافيش حاجة فيه ينفع تستخبى"، مضيفًا: "حرية الإبداع والتعبير حق مكفول للإنسان والناس هي اللي تحدد ايه اللي عاجبها واللي مش عاجبها".

المنع.. الحل الأسهل

بات المنع هو الأداة الأسرع لمعاقبة كل من يغرّد خارج السرب، سواء كان لأسباب إدارية أو فنية أو سياسية، وهو ما يمكن قراءته بشيء من التفصيل خلال قرائن عديدة شهدتها السنوات الأخيرة، ليس مع نقابة الموسيقيين فحسب بل في كافة القطاعات.

فعلى مستوى النقابة، بصفتها موضوع المادة الأساسي، فمنع الـ 19 مطربًا ليست الواقعة الأولى من نوعها، إذ سبقتها نماذج مشابهة، أبرزها وقف المطربة شيرين عبد الوهاب عن الغناء في مارس/ آذار عام 2019، وإحالتها للتحقيق فيما نُسب إليها من تصريحات تضرُّ بالأمن القومي المصري، حسبما قيل وقتها.

وكانت المطربة المصرية في إحدى حفلاتها في البحرين قالت: "أيوه كده أقدر أتكلم براحتي عشان في مصر اللي يتكلم بيتسجن"، ما دفعَ المحامي الشهير سمير صبري تقديم بلاغ ضدها للنائب العام، يتّهمها فيه بالتطاول على مصر ونشر أخبار كاذبة.

الأمر تكرّر مع مطربين آخرين على رأسهم أحمد سعد ورضا البحراوي وحسن أبو الروس وحسن شاكوش وغيرهم، كان السبب الأبرز عدم الالتزام بلوائح النقابة، فيما تمّت تسوية تلك الخلافات بسداد رسوم واشتراكات داخل خزينة النقابة، لتعود المياه إلى مجاريها ويُمنحوا التصاريح اللازمة للغناء.

المنع تجاوز المطربين المصريين إلى العرب، حيث أصدرت نقابة المهن الموسيقية قرارًا بعدم التعامل نهائيًّا مع المطربة اليمنية بلقيس، وعدم إصدار أية تصاريح عمل لها داخل مصر، كذلك مؤدّي الراب الفلسطيني شب جديد، لكن سرعان ما تراجعت النقابة عن قرارها بعد سداد مبالغ مالية معيّنة.

تكبيل الحريات باسم الوطنية

لم يكن تعليق نقيب الموسيقيين على قرار الوقف بأن هذا المستوى المتدنّي -وفق نظره- من الغناء لا يصحّ في عصر الرئيس السيسي تعليقًا اعتباطيًّا، وبعيدًا عن دوافع "الشو" الإعلامي وتجميل الصورة، إلا أن التعليق يتماشى مع التوجهات العامة التي باتت عليها الساحة خلال السنوات الأخيرة.

وقد شهدت مصر موجة من القوانين المكبّلة للحريات بوازع الحفاظ على الأمن القومي وسدّ كافة النوافذ أمام الجهات التخريبية من الوصول إلى مبتغاها، فكان الغلق والمنع وتضييق الخناق هو الحل الأسهل من وجهة نظر المشرّعين، ولعلّ حجب ما يزيد عن 500 موقع إلكتروني خلال عام 2017 أحد النماذج الصارخة على هذا التوجه.

السيسي خلال أكثر من مناسبه وجّه بضرورة إعادة النظر فيما يقدَّم عبر الشاشات والمواقع الإلكترونية والصحف من مضامين ربما تهدِّد الأمن المجتمعي ومنظومة القيم والأخلاق، وكانت تلك التلميحات -بمنطق الملكيين أكثر من الملك- بمثابة إشارة البدء نحو "تأميم" العديد من المجالات الثقافية ذات المحتوى التوعوي التي تتشارك في تشكيل الوعي المجتمعي، فكانت شركة "سينرجي" ثم "إعلام المصريين" ومن بعدها "المتحدة للخدمات الإعلامية" التي احتكرت خارطة الإنتاج الدرامي والسينمائي في مصر خلال العامَين الماضيَين.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) في دراسة لها في يوليو/ تموز 2020، رصدت أهم القوانين التي أصدرتها السلطات المصرية خلال السنوات السبع الماضية، والتي حوّلت مصر من دولة تحلم بالديمقراطية إلى دولة خوف وفق تعبير المنظمة.

ومن أبرز القوانين التي رصدتها الدراسة "قانون تنظيم الاجتماعات والتظاهرات السلمية" الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، ثم تعديل قانون الجامعات في يناير/ كانون الثاني 2014 بإضافة مادة على قانون الجامعات تنصّ على: "لرئيس الجامعة أن يوقع عقوبة الفصل على الطالب الذي يمارس أعمالًا تخريبية -دون تعريف لما هو المقصود بالأعمال التخريبية- تضرّ بالعملية التعليمية أو تعرِّضها للخطر أو تستهدف منشآت الجامعة أو الامتحانات أو العمل داخل الجامعة أو الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات العامة والخاصة أو تحريض الطلاب على العنف واستخدام القوة أو المساهمة في أي ممّا تقدم".

وفي العام نفسه كان "قانون مباشرة الحقوق السياسية" الذي وضعَ تعريفات مطّاطة للأشخاص الممنوعين من الترشح، لتشمل بعض ضحايا النظام من الذين تمّت مصادرة أموالهم أو اتهامهم في قضايا بتهم واهية، وفي العام التالي كان "قانون الكيانات الإرهابية" الذي جاءت تعريفاته الخاصة بتلك الكيانات فضفاضة ومطّاطة، ما يضع بعض الكيانات المعارضة، التي تهدف إلى التغيير السلمي أو التعبير عن رأي، تحت مرمى نيران هذا القانون الذي تترواح عقوبته بين الحبس ومصادرة الأموال.

أما ما يتعلق بالحريات الإعلامية، فشهدت الساحة حزمة من القوانين المكبِّلة أبرزها "قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام" عام 2016، وهو القانون الذي وُصف بأنه "سيّئ السمعة"، أعقبه قانون رقم 175 لعام 2018 بشأن جرائم تقنية المعلومات، ثم قانون رقم 180 لعام 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام الذي أثار موجة عاصفة من الغضب داخل الأسرة الصحفية، واختتمت تلك الحزمة بقوانين 178، 179 لعام 2018 الخاصة بإنشاء هيئات الصحافة والإعلام.

بالمحصلة.. مصر أمام موجة متواصلة من المنع والحظر، بل الهندسة المجتمعية لتحديد ما هو مقبول ومحبوب ومناسب وعلى مقاس بروباغندا "السيسي رئيسي" وما هو غير ذلك، وكما أن الأمر لم يبدأ بمطربي المهرجانات، فلن يتوقف عندهم كذلك.