ولي عهد أبو ظبي يزور تركيا للمرة الأولى منذ 10 سنوات

ما كان يتوقع أكثر المتفائلين أن ولي عهد أبو ظبي سيحل ضيفًا على أنقرة بهذه السرعة وتلك الكيفية بعد سنوات من القطيعة والخصام وتشابك الأجندات نتيجة لرغبة أبناء زايد التوسعية في المنطقة التي قادت الدولة الخليجية نحو معارك عدة مع العديد من القوى الإقليمية والدولية.

استقبال تركي لمحمد بن زايد يتجافى شكلًا ومضمونًا مع سنوات الخصومة الماضية، لكنها السياسة التي لا تعترف بالثوابت، لتُختتم الزيارة بحفل توقيع حزمة من اتفاقيات التعاون في شتى المجالات لتدخل العلاقات التركية الإماراتية مرحلة جديدة من التناغم تطي بها - مؤقتًا - صفحة الخلافات المتراكمة على مدار العقد الأخير، وتعكس تموضعًا جديدًا للشرق الأوسط بعد الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من كثير من ملفاته الشائكة.

سياقات التقارب

يأتي التقارب في وقت تنحصر فيه نسبيًا مصادر التوتر الرئيسية بين أنقرة وأبو ظبي، لا سيما فيما يتعلق بالربيع العربي وجماعة الإخوان المسلمين، فبعد عقد كامل على انطلاق أول رحلة لقطار الثورات العربية، تراجع الزخم كثيرًا عما كان عليه في السابق، ومن ثم هدأت الأجواء بصورة ملموسة لتبرد معها بالتبعية حدة الخصام والنزاع.

المستجدات الإقليمية والدولية التي ألقت بظلالها على المنطقة جيوسياسيًا، كان لها دور محوري في تهيئة المناخ العام نحو تخفيف حدة التوتر وتباطؤ منسوب الاستقطابات على خريطة التحالفات، وهو ما دفع أبو ظبي لإدخال بعض التعديلات على سياساتها تتماشى مع فرضية خفض التصعيد في الإقليم.

وكانت خسارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية التي جرت نهاية العام الماضي، وفوز الديمقراطي جو بايدن، تبعتها خسارة رئيس الحكومة العبرية السابق بنيامين نتنياهو، ضربة موجعة للإمارات أجبرتها على إعادة النظر في الكثير من التوجهات، إذ كانا يمثلان الحاضنة السياسية لها في تحركاتها الإقليمية.

بدأ الإماراتيون في استدعاء دفاترهم القديمة، نحو توجه جديد يطرق أبواب القوى الإقليمية ذات التأثير القوي، الذي يمكن أن يكون بابًا كبيرًا للدولة الخليجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

التغير الذي فرض نفسه على خريطة التحالفات الإقليمية كان حاضرًا بقوة في تبريد أجواء الخلاف الإماراتي التركي، فحراك التطبيع بين أنقرة والقاهرة من جانب، ومؤشرات التقارب مع الرياض من جانب آخر، والقدرة العسكرية المتصاعدة للجيش التركي ثالثًا، فضلًا عن الآثار الاقتصادية الكارثية لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) كلها كانت عوامل تحفيزية لأبو ظبي لطرق باب التقارب مع أنقرة رغم الخلافات العميقة بينهما، فقد أثرت الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا خلال الآونة الأخيرة بشكل أو بآخر على إعادة البلاد النظر في توجهاتها الخارجية، إذ بات الهدف الأبرز الآن هو علاج تلك الأزمة والخروج من عنق الزجاجة بأقل الخسائر، وهو ما كان له صداه على السياسة الخارجية التركية.

الخروج من غرف الإنعاش

خلال السنوات الأربع الأخيرة تقزم دور الإمارات في العديد من الملفات التي كانت تتصدر قائمة اللاعبين بها، أبرزها الملف الليبي الذي تعرضت فيه لضربات قوية إثر انفصام عرى التحالف مع القاهرة والرياض نظرًا لتباين الأجندات، ما زج بالدولة الخليجية إلى "دكة البدلاء".

حتى على المستوى السوري، خرجت أبو ظبي من عباءة التحالف العربي المناهض لنظام بشار الأسد الدموي، لتطرق من بعيد باب التقارب معه دون أي اعتبارات سياسية أو حقوقية، وهو ما كان له صداه في توتير أجواء علاقاتها مع أضلاع تحالفها القديم وفي المقدمة منهم السعودية واتبعت التوجه ذاته في اليمن حيث الإضرار بالأمن القومي السعودي جراء سياساتها في الجنوب وعلى الشريط الساحلي.

وعلى مستوى التطبيع، توهم أبناء زايد أن الهرولة نحو التقارب مع دولة الاحتلال سيحقق أحلامهم التوسعية في المنطقة، باعتبار أن تل أبيب بوابة الدعم الأمريكي والغربي بصفة عامة، غير أن الإفراط في تعزيز التعاون مع تل أبيب كان له صداه السلبي على ثقل الإمارات في المنطقة، وصورتها لدى الشارع العربي.

وفي ذات السياق، فإن التغريد خارج السرب في القرن الإفريقي ووسط القارة السمراء لم يجن ثماره، فبعد سنوات من بسط النفوذ وفرض الهيمنة تكبدت أبو ظبي خسائر كبيرة، سياسيًا واقتصاديًا، فألغيت بعض الاتفاقيات وسحبت منها مشروعات لوجستية عملاقة على البحر الأحمر، وتشوهت العلاقات مع بعض العواصم الإفريقية، وهو ما رسم صورة مسيئة للدولة الخليجية وتوجهاتها التوسعية في القارة، مستغلة فقر وعوز بعض الحكومات.

تلك السياسات الشعبوية البرغماتية أفسدت العلاقات بين أبو ظبي وحلفائها، حتى إن لم يخرج ذلك للعلن، وهو ما يمكن قراءته على أكثر من ملف، تزامن ذلك مع تقارب غير متوقع مع أنقرة، سواء من القاهرة أم الرياض، وهو ما وضعها في مأزق سياسي كبير، قزم دورها الإقليمي.

وأمام تلك الوضعية الحرجة، وبمبدأ برغماتي معروف وميكافيللية لا تحتاج إلى تفسير، بدأ الإماراتيون في استدعاء دفاترهم القديمة، نحو توجه جديد يطرق أبواب القوى الإقليمية ذات التأثير القوي، الذي يمكن أن يكون بابًا كبيرًا للدولة الخليجية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن هنا كان التخلي عن أي خلافات سياسية أو أيديولوجية في سبيل إحياء النفوذ المفقود عبر تحالف جديد يضع أبو ظبي على أجهزة التنفس الصناعي مرة أخرى.. فكانت تركيا أحد تلك الأبواب التي طرقتها الأيادي الإماراتية.

بدأت الدول الشرق أوسطية في إعادة صياغة سياستها نحو تشاركية أقل مع الولايات المتحدة وتعزيز قنوات الاتصال والتعاون مع دول الجوار الإقليمي في محاولة لإعادة رسم خريطة تحالفات جديدة تحافظ على الحد الأدنى من مصالحها وتفرض سياجًا حاميًا نسبيًا من أي استهدافات خارجية

الاقتصاد الكلمة الفصل

الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا منذ قرابة أكثر من عامين لعبت دورًا كبيرًا في توجهات أنقرة إزاء الانفتاح على بعض الدول التي كانت تعاني العلاقات معها من توترات، فقد فرضت الأزمة تموضعات جديدة دفعت أنقرة لإعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه بعض الملفات والحكومات.

وتواجه تركيا منذ أكثر من عامين هزّات اقتصادية متعاقبة، فيما وصلت العملة الوطنية "الليرة" إلى مستويات من التهاوي غير مسبوقة، فقد بلغت قيمتها حاجز 11 مقابل الدولار الأمريكي الواحد خلال الأيام الماضية، وهو ما دفع البنك المركزي لتخفيض سعر الفائدة، في محاولة لمكافحة التضخم المتزايد، وهي السياسة التي لجأت إليها الحكومة التركية مؤخرًا لمحاربة ما أسماه أردوغان "أب وأم الشرور".

ونتاجًا لهذا المأزق الاقتصادي رسمت أنقرة بعض السياسات العامة لعبور تلك المحنة التي تقف حزمة من الأسباب خلفها، بعضها خارجية، من أبرزها تبني نوع من المرونة في التعامل مع بعض الملفات وبعض القوى، كان من بينها التقارب مع الإمارات، رغم تباين وجهات النظر.

وعليه، فقد أسفرت زيارة ولي عهد أبو ظبي عن توقيع عدد من اتفاقيات التعاون بين البلدين، في مختلف المجالات، فيما أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية "وام"، عن تأسيس الدولة الخليجية لصندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا، سيركز على الاستثمارات الإستراتيجية ومنها الاستثمار في قطاعي الطاقة والصحة.

وفي المقابل هناك فريق يرى أنه من الخطأ تفسير الحوار التركي الإماراتي على أساس اقتصادي بحت، إذ كانت المصالح السياسية التي فرضتها التحديات الأخيرة هي العامل الأبرز، مستندين إلى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتراجع رغم الخلافات السياسية بينهما خلال السنوات الأخيرة، إذ تحتل الإمارات المرتبة الأولى خليجيًا في حجم استثماراتها داخل تركيا (4.3 مليار دولار)، فيما تعد الشريك التجاري الأول لتركيا في الشرق الأوسط.

أنصار هذا الرأي يميلون إلى أن التقارب بين البلدين أكبر من أن يُحصر في خندق الاقتصاد فقط، إذ ثمة تقاربات وتشابكات تجعل من طي صفحة الخلافات المستعرة خلال السنوات الماضية ضرورة للحفاظ على مصالح البلدين في المنطقة، وعليه كان لا بد من خطوة للخلف لاستقراء المشهد بصيغته الجديدة.

تموضع جديد للمنطقة

تلاقت الرغبة الإماراتية في تبريد الأجواء الساخنة مع تركيا في محاولة لاستعادة نفوذها المتناقص عبر تحالف جديد، مع الميل التركي لتعزيز اقتصاده والخروج من تلك الشرنقة من خلال سياسة أكثر انفتاحية بعيدًا عن التجاذبات السياسية، إيذانًا بمرحلة جديدة لخريطة التحالفات في الشرق الأوسط.

وتعد التحالفات التي تشكلها الدول في إطار الهويات المتشابهة والمصالح المشتركة وأولويات السياسة الخارجية من بين أبرز الديناميكيات التي تحدد ملامح سياسة الشرق الأوسط، وسواء كانت هذه التحالفات قصيرة المدى أم طويلة إلا أنها أحد أهم العناصر في السياسة الخارجية للدول، خاصة في ظل المستجدات الطارئة التي ربما تدفع الجميع نحو إعادة النظر في كثير من السياسات المتبعة.

الخروج الأمريكي المرحلي من الشرق الأوسط، عبر الانسحاب التدريجي من بعض الملفات الحساسة، وتوجيه بوصلته الخارجية نحو آسيا، أحدث حالة من السيولة والارتباك في المنطقة، اختلطت فيها أوراق اللعبة، وتغيرت الكثير من المعادلات والتوازنات، فكان لا بد من التحرك عبر آليات أخرى لتعويض هذا الخروج والتعاطي معه من باب "الهجوم خير وسيلة للدفاع".

الصحفية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، تمارا قبلاوي، في تحليل نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية كشفت عن وجه آخر للتقارب الإماراتي التركي، يتعلق بالتشكك في التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط، لافتة إلى أن تركيز رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين على آسيا أشعر الكثير من القادة الإقليميين بأنهم بحاجة إلى تدبير المزيد بأنفسهم للدفاع عن مصالحهم بعيدًا عن الارتكان إلى أمريكا كحاملة لواء الحماية والدعم لحكومات المنطقة.

التحليل استعرض الجهود التي بذلتها الإمارات في هذا الاتجاه، لافتًا إلى أن لقاء ابن زايد بأردوغان هو الاجتماع الأبرز بين خصوم ولي عهد أبو ظبي السابقين حتى الآن، ويأتي في أعقاب زيارة قام بها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق في وقت سابق من هذا الشهر، وهي الأولى منذ بدء الأزمة السورية عام 2011.

القارئ للمشهد الخليجي والعربي والشرق أوسطي بصفة عامة يجد أن هناك رغبةً ملحةً نحو فك ارتباط الولايات المتحدة عن المنطقة

وتحيا المنطقة حالة سيولة سياسية غير مسبوقة، تجمع بين الخصوم، ويلتقي فيها الأضداد على مائدة واحدة، محادثات إيجابية بين الرياض وطهران، عبر وساطة عراقية عمانية، وتدخل العلاقات المصرية القطرية أجوائها الدافئة، بينما تخيم الفوضى على الساحة اللبنانية واليمنية، في الوقت الذي تسحب فيه أمريكا يدها من معظم تلك الملفات، تزامن ذلك مع تطورات خطيرة على الساحة الأفغانية وتصاعد مخاطر عودة تنظيم الدولة "داعش" لنشاطه المعهود عبر بوابة كابل.

القارئ للمشهد الخليجي والعربي والشرق أوسطي بصفة عامة يجد أن هناك رغبة ملحة نحو فك ارتباط الولايات المتحدة عن المنطقة، وهو التأكيد الذي نفاه وينفيه المسؤولون الأمريكيون وإن كانت المؤشرات تثبت صحته، وعليه استقر في يقين اللاعبين الإقليميين أنهم لم يعد بإمكانهم الوثوق أكثر من ذلك بالولايات المتحدة وربط مستقبلهم الأمني بمزاجها السياسي، فأمريكا التي قفزت مرة للدفاع عنهم في أثناء غزو صدام حسين للكويت 1991، لم تحرك ساكنًا إزاء الهجوم على مصافي النفط السعودية في 2019، ولا استهداف السفن الخليجية في مياه الخليج العربي.

ومن ثم بدأت تلك الدول الشرق أوسطية في إعادة صياغة سياستها نحو تشاركية أقل مع الولايات المتحدة وتعزيز قنوات الاتصال والتعاون مع دول الجوار الإقليمي في محاولة لإعادة رسم خريطة تحالفات جديدة تحافظ على الحد الأدنى من مصالحها وتفرض سياجًا حاميًا نسبيًا من أي استهدافات خارجية في إطار صراعات القوى والنفوذ.

الشبكة الأمريكية في نهاية تحليلها توقعت استمرار تلك الديناميكيات التي أدت إلى هذه الموجة من التقارب والرياح الدافئة بين دول المنطقة، بصرف النظر عن اسم وهوية أي رئيس يتولى السلطة في البلاد، سواء في الوقت الحاليّ أم خلال انتخابات 2024.

وفي النهاية.. لم تغير أنقرة مواقفها المعلنة إزاء ملفات المنطقة، كذلك الإمارات (حتى كتابة هذه السطور على الأقل) لتفرض رغبة البلدين في فتح صفحة جديدة (وتنحية صفحة الخلافات مرحليًا) من العلاقات الدافئة التي فرضتها المستجدات والتحديات الأخيرة نفسها كمحدد رئيسي في هذا التقارب، بعيدًا عن دوافعه السياسية والاقتصادية، لتبقى المرحلة القادمة فترة تقييم حقيقية لهذا الحراك الدبلوماسي بين الخصمين.