تتلقّى فرنسا في المدة الأخيرة ضربات متتالية في القارة الأفريقية، تمثّلت في تصاعد النزعة الوطنية المطالبة بالتخلُّص من كل ما له علاقة بباريس، وفي مقدمتها لغة موليير، وهو واقع جعل نفوذ المستعمر القديم يترنّح في عدة دول كانت خيوط الحل والربط بها إلى الأمس القريب بيد الفرنسيين، الذين صاروا اليوم غير قادرين على مواجهة تطورات داخلية وخارجية جديدة بالقارة السمراء.

وقبل انتخابات رئاسية مقرَّرة في أبريل/ نيسان المقبل، يخوضها الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، تجدُ باريس نفسها أمام تراجع رهيب لثقلها الدبلوماسي عالميًّا، ظهر في صفقة الغواصات مع أستراليا والصيد البحري مع بريطانيا، وأيضًا في تراجع نفوذها بأفريقيا الذي يظهر بأوجُه متعددة.

تخلُّص من الفرنسية

تتصاعد في الفترة الأخيرة الحملات في عدة دول أفريقية، خاصة العربية، المنادية بتقليص استعمال اللغة الفرنسية في المعاملات الرسمية وفي المؤسسات التعليمية.

وفي الجزائر التي تمرُّ علاقاتها بباريس بأزمة جديدة بسبب ملف التأشيرات وتصريحات ماكرون، التي شكّكت في وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي للبلاد عام 1830، تتزايد المؤشرات التي تصبُّ في خانة استبدال الفرنسية بالإنجليزية في المنهاج التعليمي كلغة أجنبية أولى، رغم العراقيل التي يفتعلها التيار الفرانكفوني في البلاد الذي كان وراء عملية فرنسة وتغريب المدرسة الجزائرية.

ونقلت صحيفة الشروق الجزائرية عن مصادر مطلعة، أن مفتّشي البيداغوجيا للتعليم الابتدائي يحضّرون لطرح مسودة مشروع لإصلاح وإعادة هيكلة الطور الابتدائي على وزارة التربية الوطنية، يتضمّن إدراج اللغة الإنجليزية بدءًا من السنة الثالثة بحجم ساعي لا يتعدّى ساعة واحدة.

ولا تُدرَّس اليوم في الجزائر في الطور الابتدائي سوى لغة أجنبية واحدة ابتداء من السنة الثالثة هي الفرنسية، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى التلاميذ مستقبلًا في الطور الجامعي الذي أساسه البحث العلمي، والذي أصبحت اليوم الإنجليزية مفتاحه والفرنسية مجرد لغة إضافية فقط.

ويصبُّ هذا الإصلاح في خانة الاستجابة لمطالب سابقة انطلقت بعد حراك 22 فبراير/ شباط 2019، تدعو لاستبدال الفرنسية بالإنجليزية في المؤسسات التعليمية الجزائرية.

إن كان التخلي عن اعتماد الفرنسية لغة أجنبية أولى قد أصبح اليوم مطلبًا شعبيًّا ونخبويًّا، إلا أنه يبقى يواجه رفضًا داخليًّا مدعومًا من الخارج حتى في نواكشوط المعروفة ببلد المليون شاعر وشاعر.

وباشرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية عام 2019 برنامجًا لتعميم استعمال اللغة الإنجليزية في كل أطوار الجامعات الجزائرية والمعاهد، وذلك بعد استفتاء طُرح على الإنترنت كانت نتائجه مبهرة بالنسبة إلى داعمي هذا الطرح، إذ أيّد 93% من المستفتين التوجُّه نحو تعميم التدريس بالإنجليزية.

وقبل أسابيع، أصدرت عدة وزارات كالعمل والتكوين المهني والشباب والرياضة، قرارات بإلزامية استعمال العربية فقط في المراسلات والمعاملات الرسمية، ما يعني التوقف عن استعمال الفرنسية في هذه الدوائر الوزارية.

وفي موريتانيا، الجارة الغربية الجنوبية للجزائر، تتجه الحكومة أيضًا للتخلُّص من الفرنسية في المؤسسات التربوية، فالسبت الماضي خرجت الأيام التشاورية حول إصلاح النظام التعليمي بتوصية تدعو إلى "اعتماد العربية لغة تدريس، وتطوير اللهجات الوطنية، وخاصة في مدارس الصحة، والمعاهد المهنية، وداخل المخيمات الصيفية للتلاميذ".

وتنصُّ التوصيات الموريتانية على اعتماد العربية لغة موحَّدة لتدريس المواد العلمية في التعليم الأساسي والثانوي، لتكون بديلة للفرنسية المعتمدة منذ عام 1999 لتدريس المواد العلمية الأساسية.

وإن كان التخلي عن اعتماد الفرنسية لغة أجنبية أولى قد أصبح اليوم مطلبًا شعبيًّا ونخبويًّا، إلا أنه يبقى يواجه رفضًا داخليًّا مدعومًا من الخارج، حتى في نواكشوط المعروفة ببلد المليون شاعر وشاعر هناك جهات وحتى أحزاب سياسية تعارض تطليق الفرنسية.

رفض شعبي

تتزايد روح الغضب من الوجود الفرنسي في أفريقيا، وبالخصوص بمنطقة الساحل، فالأسبوع الماضي أصيب 4 أشخاص على الأقل بمدينة كايا في بوركينا فاسو، حيث يعارض متظاهرون منذ الخميس الماضي مرور قافلة عسكرية كبيرة للجيش الفرنسي نحو دولة النيجر المجاورة.

وذكرت مصادر محلية أن المتظاهرين أرادوا تفتيش القافلة الفرنسية القادمة من ساحل العاج، للاشتباه في أن عناصر قوة مكافحة الإرهاب الفرنسية بحوزتهم أسلحة ودراجات نارية تُستخدَم في إمداد الإرهابيين، واستقبل المواطنون قافلة الجيش الفرنسي بشعارات "نريد خروج فرنسا" و"كايا تقول للجيش الفرنسي: عد إلى وطنك". 

ولا تقتصر تهمة تمويل الإرهابيين التي تلاحق فرنسا على البوركينيين فقط، بل إن الاتهام جاء سابقًا من مسؤولين ماليين، ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي اتّهمَ رئيس الحكومة الانتقالية في مالي شوغيل مايغا فرنسا بتدريب "جماعات إرهابية" تنشط في بلاده، وأن حكومته تملك أدلة على ذلك.

وقال مايغا، في تصريحات لوكالة "ريا نوفوستي" الروسية، إن "الإرهابيين" الموجودين حاليًّا في مالي جاؤوا إلى البلاد من ليبيا، وأن القوات الفرنسية أنشأت جيشًا في كيدال (شمالي مالي) وسلّمته إلى حركة تشكّلت من "أنصار الدين" المتعاونة مع تنظيم القاعدة.

رغم بقاء باريس ميدانيًّا في مالي، فهي لن تسحب جميع قواتها من البلاد كما تقول، إنما ستعيد الانتشار بالساحل فقط، بتخفيض عدد قواتها من 5100 عسكري إلى ما بين 3000 و2500 فرد بحلول عام 2023.

وكشف مايغا أنه لا يمكن للحكومة المالية الوصول إلى كيدال حاليًّا، كونها منطقة معزولة تسيطر عليها فرنسا، ولديها مجموعات مسلحة هناك درّبها ضبّاط فرنسيون، كما أعلن صراحة أن حكومته ليست راضية عن تصرفات باريس، لذلك ستطلب المساعدة من شركاء آخرين. وشهدت مالي في عدة مرات احتجاجات تنادي برحيل القوات الفرنسية من البلاد، كونها قوات احتلال.

وإذا كانت السياسة الفرنسية في الساحل وفي أفريقيا ذاتها، ولا تختلف اليوم عن أمس، فإن امتلاك دول أفريقية رغم أزماتها المعقّدة الشجاعة لاتهام باريس بهذه الجرائم مردّه سبب واحد، هو أن باريس لم تعد تمسك بخيوط اللعبة جميعها في هذه الدول التي استعمرتها ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا لسنوات، وكانت إلى وقت قريب ضمن دائرة نفوذها.

وما عزّز هذا الغضب ضدّ كل ما هو فرنسي هو استمرار جرائمها في حق السكان المحلي، ففي يناير/ كانون الثاني الماضي، قامت غارة للطيران الفرنسي بقتل 100 مدني في عرس بقرية بونتي، وسط مالي.

ورغم بقاء باريس ميدانيًّا في مالي، فهي لن تسحب جميع قواتها من البلاد كما تقول، إنما ستعيد الانتشار بالساحل فقط، بتخفيض عدد قواتها من 5100 عسكري إلى إلى ما بين 3000 و2500 فرد بحلول عام 2023، لكن ذلك لن يكون كافيًا لاستعادة زمام الأمور بالمنطقة لذلك شرعت باللجوء لورقة الضغوط الدولية.

ورغم تعاملها الفوري مع كل الانقلابات والتغيرات التي حدثت في مالي، لم تقم باريس سابقًا بإعلان تهديدات ضد السلطة الحاكمة في البلاد، إلا أنها تهدِّد اليوم عبر وزير الخارجية جان إيف لودريان بفرض عقوبات على قادة مالي حال تخلُّفهم عن إجراء الانتخابات والانتقال السياسي في البلاد في فبراير/ شباط المقبل.

خسائر

أدّى الغضب المتصاعد في أفريقيا ضد الفرنسيين إلى تسجيلها خسائر سياسية واقتصادية، فعلى الجانب السياسي تمرُّ علاقاتها اليوم بمرحلة توتر مع الجزائر التي قررت منع عبور طيران الجيش الفرنسي عبر أجوائها الجوية في طريقه إلى الساحل، إضافة إلى أن نفوذها في مالي بدأ يتراجع بشكل واضح لصالح روسيا التي استطاعت أن تضع مجلسًا عسكريًّا حاكمًا مواليًا لها.

وتعزِّز موسكو وجودها ببماكو أمام مرأى الفرنسيين، حيث كانت البداية بالاحتجاجات التي تمَّ فيها رفع العلم الروسي وسط هتافات مندِّدة بالوجود الفرنسي، وتبعها الحديث الجاري اليوم حول تعاقد الحكومة المالية مع شركة "فاغنر" الروسية الأمنية التي استطاعت أن تقلب سابقًا الموازين لصالحها في شرق ليبيا، رغم الاتهامات الموجهة لها بأنها جماعة مرتزقة، إلا أن هذه التُّهم بين الدول الاستعمارية السابقة لا تهمُّ بقدر ما يهمُّ توسيع النفوذ والتحكم بزمام الأحداث بالبلد الموجودة به.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تبشّر الأمور أيضًا بخير بالنسبة إلى الفرنسيين، فقد ساهم توترها مع الجزائر بفقدانها عدة صفقات، بعد عدم تجديد صفقة مؤسسة "طراتيبي باريس" التي كانت تشرف على مترو الجزائر، وإنهاء الشراكة بين مجمع "سياز" الفرنسي وشركة تطهير مياه العاصمة، التي كانت تشرف على تسيير عملية توزيع المياه في العاصمة الجزائر وولايتَي تيبازة ووهران.

وكانت الجزائر رفضت أيضًا بيع أصول شركة "أنداركو" الأمريكية في الجزائر لصالح "توتال" الفرنسية بتطبيق حق الشفعة، كما سحبت رخصة الاعتماد لبنك "كريدي أغريكول" الذي ينشط في السوق الجزائرية منذ عام 2007.

وفي الجانب الاقتصادي، كانت 8 دول أفريقية، منها كوت ديفوار وبنين، قد أعلنت عام 2019 التخلي عن عملة الفرنك الأفريقي الموروثة عن الفرنك الفرنسي، والتي لا تزال إلى اليوم تحدَّد قيمتها من البنك المركزي الفرنسي، وذلك باستبدالها بعملة الإيكو المستقلة عن باريس، وحتى إن لم تنجح هذه الدول حتى الآن في تحقيق مبتغاها بسبب الضغوط الفرنسية الرافضة لذلك، إلا أن كل المعطيات تشير إلى أن جعل الفرنك الأفريقي مأساة من الماضي أصبح أمرًا وشيكًا.

لا تعدّ الصين هي المنافس الجديد الوحيد لفرنسا اقتصاديًّا في أفريقيا، فإضافة إلى الأمريكيين والروس توجد تركيا التي تنوي رفع مبادلاتها التجارية مع القارة السمراء من 25 مليار دولار حاليًّا إلى 50 مليار دولار في أقرب وقت.

وإذا كانت أوجُه التراجع الاقتصادي الفرنسي في أفريقيا عديدة، فإن فقدان باريس لنفوذها في بعض القطاعات يعدّ أكثر وجعًا من قطاعات أخرى، ولعلّ المجال الدفاعي أبرزه، ففرنسا التي كانت بالأمس القريب هي من تشعل التوترات والحرب في القارة السمراء عبر بيعها الأسلحة للجماعات المتنازعة، بدأت تفقد هذه السوق، ولعلّ عقد النيجر مؤخرًا صفقة دفاع مع تركيا أكبر دليل على ذلك.

واقتنت نيامي عددًا من الطائرة المسيّرة "تي بي 2"، وطائرة التدريب "هوركوش" التركية الصنع، إضافة إلى أن عدة دول أفريقية كالمغرب ونيجيريا وإثيوبيا اشترت أو تنوي اقتناء الطائرات المسيّرة التركية.

واقتصاديًّا، لم تعد باريس قادرة على مجاراة المد الصيني نحو القارة السمراء، الذي جعل حجم التبادل التجارى بين بكين والدول الأفريقية يبلغ 208 مليارات دولار عام 2019، وهو الذي كان قبل عام من ذلك عند 190 مليار دولار، وهو حجم يفوق التبادل التجاري للقارة السمراء مع الولايات المتحدة الأميركية والهند وفرنسا مجتمعة.

وتشير إحصاءات عام 2018 إلى أن الصين هي المستثمر الأول في أفريقيا بقيمة 36 مليار دولار سنويًّا، حيث يبلغ مجموع الاستثمارات الصينية بالقارة السمراء ما يزيد عن 400 مليار دولار.

ولا تعدّ الصين هي المنافس الجديد الوحيد لفرنسا اقتصاديًّا في أفريقيا، فإضافة إلى الأمريكيين والروس توجد تركيا التي تنوي رفع مبادلاتها التجارية مع القارة السمراء من 25 مليار دولار حاليًّا إلى 50 مليار دولار في أقرب وقت.

ورغم كل ما سبق ذكره من ترنُّح للنفوذ الفرنسي في أفريقيا، فإنه يبقى مرشّحًا لمزيد من الإخفاقات بسبب استمرار باريس في تعاملها مع القارة السمراء بنظرة أمنية استعمارية خالية من أي بُعد اقتصادي، على عكس كثير من الدول الأخرى التي رأت في التنمية والشراكة التجارية المنفذ لولوج أفريقيا المرشحة لأن تشهد في السنوات المقبلة أكبر أعلى معدلات النمو الاقتصادي عالميًّا، لكن كل هذا لا يعني أن باريس تمَّ طردها نهائيًّا من أفريقيا، بل تظل على الأقل حتى اليوم اللاعب الأول القادر على صنع الأزمات والحروب بالمنطقة.