رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في بروكسل

نرجمة وتحرير: نون بوست

تقف البنوك المركزية الرئيسية في العالم في حيرة من أمرها في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الترفيع في أسعار الفائدة الآن يمكن أن يوجّه ضربة للتعافي الاقتصادي بعد فترة الركود التي تسبب فيها الوباء. وإذا انتظرت الحكومات وقتًا أطول فإن التضخم يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة.

الولايات المتحدة الأمريكية

إذا كانت هناك كلمة واحدة تُقظ مضجع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول فهي كلمة "مؤقتة". تشير العديد من المقاييس إلى أن الاقتصاد الأمريكي بدأ يتعافى من حالة الركود التي تسبب فيها الوباء. فقد تراجعت نسبة البطالة إلى 4.6 بالمئة في تشرين أول/ أكتوبر الماضي مقارنة بالمستوى القياسي 14.8 بالمئة في ذروة الوباء. ويشهد سوق الشغل اضطرابًا وسط الأعداد الكبيرة للأشخاص الذين يستقيلون بحثًا عن وظائف أفضل وأجور أعلى. في الأثناء، يحقق أداء أسواق الأسهم أرقامًا قياسية، وسط عودة الأمريكيين إلى الإنفاق. 

ولكن يبدو أن شبح التضخم يخيّم على الاقتصاد الأمريكي ويهدد بتقويض كل المؤشرات الإيجابية المسجلة حتى الآن. فقد أدى ارتفاع تكاليف الطاقة وزيادة الاستهلاك مقابل نقص العرض إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 6.2 بالمئة، وهو مستوى قياسي لم تشهده الولايات المتحدة منذ أكثر من 30 عاما. وقد صرّح باول وإدارة بايدن بأن هذه الارتفاعات "مؤقتة" وستتراجع مع تلاشي ​​تأثير الوباء على الاقتصاد، لكن الأسعار تستمر في الارتفاع.

لا شك أن المستوى الذي وصل إليه معدل التضخم يثير مخاوف المستهلكين الأمريكيين التي غذّاها السياسيون الجمهوريون لأهداف سياسية وهوّلتها التقارير الإعلامية. ونتيجة لذلك، تراجعت ثقة المستهلك الأمريكي إلى أدنى مستوى لها في 10 سنوات في تشرين الثاني/ نوفمبر.

إن الوسيلة الرئيسية التي يلجأ إليها نظام الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة التضخم هي الترفيع في أسعار الفائدة، وهو حل لا يحبّذه باول. وتتمثل المعضلة الحقيقية في أن الترفيع في أسعار الفائدة بسرعة كبيرة يمكن أن يوقف التعافي المرتبك للاقتصاد ويؤدي إلى نتائج عكسية إذا كان ارتفاع الأسعار "مؤقتًا". لكن الفشل في كبح التضخم قد ينتج عنه زيادات جامحة في الأسعار ومزيد من الترفيع في الفائدة وركود.

المملكة المتحدة

من المتوقع أن يصبح بنك إنجلترا أول بنك مركزي رئيسي يعمد إلى الترفيع في أسعار الفائدة عندما يجتمع المسؤولون الشهر المقبل. ويعتقد العديد من المحللين في لندن أن قفزة معدل التضخم إلى 4.2 بالمئة في تشرين الأول/ أكتوبر هي الأعلى منذ عقد، وقد تجبر صناع القرار على زيادة معدل الفائدة من 0.1 بالمئة إلى 0.25 بالمئة قبل الترفيع فيه مرة أخرى في شباط/ فبراير إلى 0.5 بالمئة.

يخشى صناع القرار الآن من أن كثرة الوظائف الشاغرة ستشجع العمال على المطالبة بأجور أعلى للتعويض عن ارتفاع تكاليف المعيشة

باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، لا سيما أن أكثر من ثلث ناتجها المحلي الإجمالي يعتمد على التجارة، عانت بريطانيا من أزمة سلسلة التوريد وارتفاع أسعار الطاقة. كما أن خروجها من الاتحاد الأوروبي خلق مصاعب على مستوى توفر اليد العاملة الماهرة، خاصة أن العمال الأوروبيين في السابق كانوا يستأثرون بمستويات قياسية من الوظائف الشاغرة. 

يخشى صناع القرار الآن من أن كثرة الوظائف الشاغرة ستشجع العمال على المطالبة بأجور أعلى للتعويض عن ارتفاع تكاليف المعيشة. وقد يؤدي التزايد المتصاعد في الأجور والأسعار إلى دائرة مفرغة قد تستمر عدة سنوات.

يتساءل منتقدو البنك المركزي عما ستفعله تكاليف الاقتراض المرتفعة لكبح أسعار الطاقة التي تحددها الأسواق العالمية. هذا إلى جانب قلة الأدلة التي تشير إلى إمكانية حل مشكلة نقص العمالة من خلال جعل الحصول على الائتمان أكثر تكلفة. بدلاً من ذلك، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تردي مستويات معيشة الأشخاص الذين يعتمدون على الائتمان كمصدر رزق لهم.

الاتحاد الأوروبي

بينما يراهن المضاربون على الترفيع في أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يرسل البنك المركزي الأوروبي رسالة واضحة: لا تتوقعوا نفس الخطوة من فرانكفورت. في الوقت الحالي، بلغ معدل التضخم في منطقة اليورو 4.1 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ 13 عاما، مع أن الأسعار ترتفع على نطاق واسع في المنطقة. 

يُحدد البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة لجميع الأعضاء التسعة عشر في منطقة اليورو. يوم الجمعة، حذّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من أن اللجوء في وقت مبكر إلى الترفيع في أسعار الفائدة يمكن أن يقوّض التعافي الاقتصادي، مبينة أنه "في الوقت الذي تتعرض فيه القدرة الشرائية للضغط بسبب ارتفاع تكاليف فواتير الطاقة والوقود، فإن تشديد القيود المالية بشكل غير مبرر سيأتي بنتائج عكسية على عملية التعافي".

يتفق كبير الاقتصاديين الألمان في "أكسفورد إيكونومكس"، أوليفر راكاو، مع البنك المركزي الأوروبي على أن التضخم في منطقة اليورو "مؤقّت". ويتوقع فريقه أن يتباطأ التضخم إلى 2 بالمئة في سنة 2022، بعد أن بلغ متوسطه 2.4 بالمئة في السنة الجارية. وهو يوصي بالتخفيف من خطة التيسير الكمي قبل زيادة  تكلفة الاقتراض، ويرى أنه "من غير المنطقي الحديث عن ارتفاع أسعار الفائدة قبل التأكد من أن مشتريات الأصول عند مستوى طبيعي".

فرنسا

يتم تحديد أسعار الفائدة الفرنسية من قبل البنك المركزي الأوروبي في ستراسبورغ، في حين تختلف سرعة التضخم في منطقة اليورو من دولة إلى أخرى، ولكل حكومة استراتيجياتها الخاصة لإدارة ارتفاع الأسعار. 

في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، بلغ معدل التضخم السنوي 2.6 بالمئة، وهو أعلى معدل منذ سنة 2008، وكان مدفوعًا بارتفاع قدره 20 بالمئة في أسعار الطاقة. 

ردّ رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس بالإعلان عن مساعدة قدرها 100 يورو للتصدي للتضخم ستُمنح لكل شخص يتقاضى أقل من 2000 يورو شهريًا، أي ما يعدل 38 مليون فرنسي. كما تدخل الوزراء لكبح أسعار الطاقة من خلال تجميد تعريفة الغاز حتى نيسان/ أبريل المقبل، ووضع حد أقصى للزيادة في سعر الكهرباء يكون بنسبة 4 بالمئة.

وتشير أحدث توقعات بنك فرنسا إلى أن "التضخم مؤقت، ولكنه يمكن أن يستمر لفترة". وقال محافظ البنك فرانسوا فيليروي دي غالو، إنه لا يرى سببًا يدعو البنك المركزي الأوروبي إلى زيادة أسعار الفائدة السنة المقبلة.

أستراليا

يبدو أن بنك الاحتياطي الأسترالي يعتمد على مبدأ "الاستثنائية الأسترالية" لتجنب زيادة سعر الفائدة الذي يعد الأدنى على الإطلاق 0.1 بالمئة قبل سنة 2024. وحسب ما قاله رئيس قسم الاقتصاد الأسترالي في بنك الكومنولث، جاريد أيرد، في مذكرة إحاطة أخيرة، فإن "البنك الاحتياطي الأسترالي أعرب عن استعداده لزيادة الفائدة بالنظر إلى آفاق التضخم".

كما هو الحال في أي مكان آخر، قفزت أسعار المستهلكين الأساسية في أستراليا في 15 أيلول/ سبتمبر 0.7 نقطة مئوية لتصل إلى 2.1 بالمئة، وهي المرة الأولى التي يرتفع فيها مقياس التضخم منذ ست سنوات إلى نطاق (2-3) بالمئة منذ التسعينيات.

خوفا من الانتقادات، شدّد البنك المركزي على أنه يريد أن يكون نسق زيادة الأجور أسرع من التضخم. لهذا السبب أكد استعداده إلى "التحلي بالصبر" بشأن ارتفاع الأسعار قبل حتى "التفكير في زيادة أسعار الفائدة السنة المقبلة"، وذلك حسب ما أفاد به محافظ بنك الاحتياطي الأسترالي فيليب لوي هذا الأسبوع.

اليابان

تمثل اليابان استثناءً ملحوظًا عندما يتعلق الأمر بمعدل التضخم. وباعتبارها دولة رائدة في السياسة النقدية فائقة السهولة - حيث أن معدل الفائدة في حدود 0.1 بالمئة تحت الصفر منذ سنة 2016 - يكافح ثالث أكبر اقتصاد في العالم لإنهاء عقود من الانكماش المالي والركود الاقتصادي ويبدو أنه من غير المرجح أن تصل نسبة التضخم إلى 2 بالمئة التي يهدف إليها في المستقبل المنظور. 

برزت اليابان بوصفها الاقتصاد الوحيد الذي تبنى النظرية الكينزية

على الرغم من أن البيانات الحكومية أظهرت زيادة طفيفة على أساس سنوي في أسعار المستهلكين الأساسية في شهر تشرين الأول/ أكتوبر مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الوقود، حذر الاقتصاديون من أن نسبة ارتفاع التضخم من المرجح أن تكون محتشمة. 

ووفقًا للخبير في الاقتصاد الياباني في "كابيتال إيكونوميكس"، توم ليرماوث، فإنه "بالنظر إلى اضطرابات السوق المصطنعة والصدمات غير المتكررة، ما زلنا نتوقع أن يتسارع التضخم حتى يبلغ ذروةً تقارب + 1.0 بالمئة في وقت مبكر من السنة المقبلة، قبل أن يبدأ بالتراجع". 

في استطلاع أجرته وكالة "رويترز" مؤخرًا، قال الاقتصاديون إنهم يتوقعون أن يُرفّع 13 من أصل 25 بنكا مركزيا أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية السنة المقبلة، لكن بنك اليابان ليس من بينها. وقال كبير المحللين الاقتصاديين في بنك الاستثمار السويسري "يو بي إس"، ماساميشي أداشي، إن "بنك اليابان يعيش في عالم مختلف تمامًا لكونه لا يتبع الاتجاه العالمي".

برزت اليابان بوصفها الاقتصاد الوحيد الذي تبنى النظرية الكينزية عندما كشف رئيس الوزراء الجديد للبلاد، فوميو كيشيدا، عن حزمة تحفيز قياسية قدرت بحوالي 56 تريليون ين (490 مليار دولار) في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر. وتتضمن حزمة الإنفاق مساعدات نقدية للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 18 سنة أو أقل، وكذلك الاستثمار للتأهب لمواجهة الأوبئة.

الصين

تعود بعض عوامل التضخم ومشاكل سلسلة التوريد العالمية مباشرة إلى الصين. إن الصين أكبر دولة مصدّرة في العالم وتستأثر بما يقارب 30 بالمئة من إجمالي التصنيع في العالم، لذلك من الطبيعي أن يكون للاضطرابات في الصين مثل نقص الطاقة والعمالة والشحن آثار غير مباشرة في جميع أنحاء العالم.

ارتفع معدل التضخم السنوي في البلاد إلى 1.5 بالمئة في تشرين الأول/ أكتوبر، مقارنة بـ 0.7 بالمئة في أيلول/ سبتمبر، وهو المعدل الأعلى منذ 13 شهرًا، وسببه ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود. والمثير للقلق أن أسعار التصنيع ارتفعت بنسبة 13.5 بالمئة وهو أسرع معدل منذ 26 سنة، ويرجع ذلك إلى تزايد تكاليف الطاقة.

لكن لدى بنك الشعب الصيني مشاكل أكبر ليقلق بشأنها، مثل قطاع العقارات المتذبذب. بلغ معدل الفائدة الرئيسي 3.85 بالمئة منذ أوائل سنة 2020، ومن غير المرجح أن يرتفع أكثر من ذلك نظرًا لتداعياته السيئة على سوق الإسكان.

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية