لعلّ الفرق الظاهر بين حكومة بنكيران وحكومة أخنوش، هو أن الأولى جاءت لتحتوي غضب الشارع عام 2011، على نقيض الثانية التي فجّرت الغضب في وجهها، إثر اتّخاذها لمجموعة من القرارات "الاستفزازية"، وقد عرف الناس طريقهم إلى الشوارع ضد هذه الحكومة التي تواجه لومًا شعبيًّا منذ بداياتها الأولى.

في أعقاب الربيع العربي، فازَ حزب العدالة والتنمية الإسلامي في أول انتخابات جرى تنظيمها تحت ظل الدستور الجديد، ما أضفى شرعية على العملية السياسية الديمقراطية، وامتصَّ غضب الناس على أحزاب توالت على الحكم دون إحداث التغيير الموعود، حيث منح المغاربة لأول مرة ثقتهم لهذا الحزب، ثم جدّدوها خلال انتخابات 2016، ليسحبوا البساط من تحته في انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول الماضي، حينها فقدَ الإخوان ما يزيد عن 90% من مقاعدهم في البرلمان.

إرضاء القصر

منحَ الإصلاح الدستوري لعام 2011 رئيس الحكومة صلاحيات واسعة، لكن عبد الإله بنكيران، كما هو الشأن بالنسبية لخلفه سعد الدين العثماني، اختار التخلي عن هذه الصلاحيات للملك مقابل إرضاء القصر.

لا يمكن إنكار المجهودات التي قامت بها حكومة بنكيران، خلال 5 سنوات، في إصلاح سياسة الدعم الاجتماعي ومنظومة الصحة والتعليم

النسخة الأولى من حكومة العدالة والتنمية تعاملت مع ملفات شائكة، لم تكن حكومات سابقة لتجرؤ على الاقتراب منها، كإصلاح صناديق المعاش التي كانت موشكة على الاستنزاف، حيث قررت حكومة بنكيران الرفع التدريجي من سنّ الإحالة على التقاعد من 60 إلى 63 عامًا، وكذا رفع نسبة المساهمة في هذه الصناديق من 10 إلى 14% على نحو تدريجي.

ويبدو لافتًا أن حكومة بنكيران قدّمت دعمًا ماليًّا مباشرًا للنساء الأرامل والمطلّقات، اللواتي ينتمين إلى الطبقة الهشّة، وهي عبارة عن منحة شهرية تقدَّر بـ 120 دولارًا، بالتالي لا يمكن إنكار المجهودات التي قامت بها هذه الحكومة، خلال 5 سنوات، في إصلاح سياسة الدعم الاجتماعي ومنظومة الصحة والتعليم.

غضب المعلمين

حتى لو جرى اعتماد التوظيف في التعليم بموجب عقود، مقابل التخلي عن نظام الوظيفة العمومية، إلا أن أعداد المناصب، التي كانت متاحة لإشغالها كل موسم دراسي، مهمة ومن شأنها أن تحدَّ نسبيًّا من ارتفاع نسبة البطالة، طالما أن شروط امتحانات التوظيف لم تكن إقصائية، وتمنح الفرصة لجميع خريجي الجامعات للتباري حول المناصب المتاحة، دون التمييز بينهم على أساس العلامات والسنّ وأقدمية الشهادة.

لعلّ ما سيسهم أساسًا في عرقلة عملية استكمال البناء الديمقراطي في البلاد، هو المال الذي يحشر أنفه كل مرة في السياسة

إلا أن بنود العقد جاءت لتحرم المدرِّسين من حقوق وامتيازات شتّى، بل حتى صيغة التعاقد لم تكن مقبولة من طرف فئة تمثّل نحو 100 ألف معلم ومعلمة في المدارس العمومية، بمختلف مستوياتها الابتدائية والإعدادية والثانوية، لهذا ما زالوا يضربون عن العمل ويخرجون إلى الشوارع مطالبين بإدماجهم في نظام الوظيفة العمومية أسوة بزملائهم الذين التحقوا بالفصول الدراسية قبل عام 2016.

كانت احتجاجات المعلمين في شوارع العاصمة الرباط والمدن الكبرى حاشدة، أعادت إلى الذاكرة احتجاجات حركة 20 فبراير/ شباط 2011، عندما كانت تخرج حشود من المواطنين في مسيرات سلمية، من أجل المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، على رأسها الانتقال إلى نظام ملكي برلماني كما هو الشأن في الجارة الإسبانية وهولندا والمملكة المتحدة، وكذا الطلاق بين المال والسلطة.

زواج غير شرعي

زواج المال والسلطة هو غير شرعي، وهو عنوان الحكومة الحالية الملقّبة بحكومة رجال الأعمال، يرأسها الملياردير الشهير عزيز أخنوش، الذي تتضارب مصالحه مع مصالح المواطنين، ذلك أن الزيادات العالية في أسعار المواد الأساسية برّرتها وزارة الاقتصاد بالزيادة غير المتوقعة في أسعار المحروقات، بينما "مجموعة أكوا" التي يمتلكها أخنوش تحتكر سوق المحروقات في البلاد.

لم يخرج المسار الديمقراطي في المغرب من المتاهة الرمادية، ولعلّ ما سيسهم أساسًا في عرقلة عملية استكمال البناء الديمقراطي في البلاد، هو المال الذي يحشر أنفه كل مرة في السياسة، ذلك أن الأغنياء يعجزون في لحظة ما عن مضاعفة رأسمالهم، لهذا يجدون لأنفسهم طريقًا إلى ممارسة السياسة من أجل حماية مصالحم فقط.

قال بنكيران في فبراير/ شباط 2018: "إن زواج المال والسلطة خطر على الدولة" في سياق هجومه الشرس على أخنوش، الذي كان آنذاك يشقّ طريقه نحو الظفر بمنصب رئيس الحكومة، وسخرَ منه بنكيران بأن خاطبه قائلًا: "دُلّنا على العرّافة التي أخبرتك بفوز حزبك".

على خطى بنكيران

عندما عاد بنكيران إلى زعامة العدالة والتنمية، خلال المؤتمر الاستثنائي المُنعقد قبل شهر تقريبًا، دعا الرجل فريق حزبه في البرلمان إلى التخفيف من حدة الخطاب وعدم رفع سقف المعارضة، حيث لربما كان بنكيران يرغب في توحيد خطاب القيادة مع الفريق البرلماني، خاصة أن حكومة أخنوش ستباشر عملها بتنزيل ملفات وُضعت أُسُسها خلال عهد بنكيران، منها إصلاح التقاعد وصندوق المقاصة.

أبانت الحكومة الحالية توجُّهها نحو الهيمنة، من خلال توزيع المناصب في الوزارات ومجالس المدن، فوحده أخنوش لأول مرة يجمع بين رئيس الحكومة وعمدة أكادير

ولم يكن لهذه الإصلاحات صدى جيد لدى الشارع المغربي، فقد انفجر في وجه بنكيران وطالبَ برحيله مرارًا، حيث اعتبروه عدوًّا للطبقة الوسطى والفقيرة، لأن ما تسميه الحكومة بإصلاحات كبرى، يأتي على حساب هذه الطبقة التي لا قبل لها برفع الدعم عن الغاز والسكر والدقيق، هذا فضلًا عن رفع نسبة الاقتطاع من رواتب الموظفين.

في انتظار المحاكمة

أما حكومة أخنوش فقد تنكّرت لأبرز ما ورد في البرامج الانتخابية، التي سطرتها الأحزاب الثلاثة المكوِّنة لها: التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال.

صحيح أن النظام الانتخابي في المغرب يحول دون حصول حزب واحد على أغلبية المقاعد في البرلمان، بالتالي يكون الحزب الأول ملزمًا بالتحالف مع أحزاب أخرى قصد تشكيل حكومة ائتلافية، وهذا يحوج إلى صياغة برنامج حكومي متّفق عليه بين أحزاب الائتلاف، ولكن أليس حريًا بها أن تحافظ على أبرز التزاماتها عندما كانت تستجدي أصوات الناخبين؟

أبانت الحكومة الحالية توجُّهها نحو الهيمنة، من خلال توزيع المناصب في الوزارات ومجالس المدن، فوحده أخنوش لأول مرة يجمع بين رئيس الحكومة وعمدة أكادير، كما نالت فاطمة الزهراء المنصوري عن حزب الأصالة والمعاصرة منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي في الوقت نفسه عمدة مراكش، كما عُيّن عمدة مدينة تارودانت، عبد اللطيف وهبي، وزيرًا للعدل، وهو الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة.

في الوقت نفسه هيمنت أحزاب الأغلبية الثلاثة على مناصب المسؤولية في المجالس الجهوية والإقليمية، الشيء الذي يُظهر انعدام الحس الوطني، والتهافُت على امتلاك النفوذ ومصادر الثروة، ويبثُّ الشعور باليأس وخيبة الأمل في نفوس الناس، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للانتظار 5 سنوات أخرى قبل أن تحين قيامة المحاكمة.