توهم البعض أن الاتفاق الذي أبرمه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك، في 21 من الشهر الحاليّ، سيقود إلى تبريد محتمل للأجواء الساخنة التي تخيم على الشارع السوداني منذ الانقلاب الذي قاده رئيس مجلس السيادة الانتقالي في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ورغم أن الانقلاب جاء نتيجة أزمة سياسية متراكمة منذ بداية الفترة الانتقالية في أعقاب الإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019، فإن تداعياته كانت كارثية على المشهد برمته، كونها برهنت بشكل كبير على صحة مخاوف تيار كبير من الثوار بشأن مخطط العسكر القفز على السلطة والاستئثار بها.

وبينما كان البرهان ورفاقه يتوقعون تهدئة للشارع بعد إعادة حمدوك على رأس حكومة جديدة من التكنوقراط، إذ بتصعيد جديد يضرب بتوقعات العسكر عرض الحائط، ليضع البلاد في مرمى أزمة كامنة، فقد أعلن المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة في شرق البلاد العودة لإغلاق الإقليم إذا لم يُلغَ مسار الشرق في اتفاقية جوبا للسلام، الموقعة بين الحكومة الانتقالية مع الحركات المسلحة في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020 قبل المهلة المتفق عليها بين الطرفين.

وكان مجلس السيادة ونظارات البجا قد اتفقا على مهلة مدتها شهر لحل أزمة شرق السودان، ومن المقرر أن تنتهي المدة المحددة في 4 ديسمبر/كانون الأول القادم، فيما لم تبارح الأزمة مكانها، الأمر الذي يتوقع معه أن تدخل ولايات الإقليم في غلق جديد، يكلف البلاد خسائر اقتصادية باهظة.

وسبق أن أغلق محتجون من أبناء قبائل الشرق خطوط الاستيراد والتصدير في ميناء بورتسودان في سبتمبر/أيلول الماضي، وهي التحركات التي عزلت الخرطوم عن أي منفذ بحري، ما كان له تبعاته الكارثية على الأوضاع الاقتصادية للبلاد، إذ يمثل هذا الإقليم أهمية إستراتيجية محورية للاقتصاد الوطني.

انتهاء المهلة.. تحذيرات 

حذر الأمين السياسي للمجلس الأعلى لـ"نظارات البجا والعموديات المستقلة" سيد علي أبو آمنة من أنه سيتم إغلاق شرق البلاد "في الموعد المحدد"، فيما أوضح أمين الإعلام البجا عثمان كلوج، أن الطريق القومي والموانئ البحرية ستغلق في 4 ديسمبر/كانون الأول المقبل وفقًا لاتفاق المجلس مع الحكومة، مضيفًا في بيان للمجلس "نحذر شركات الملاحة واتحاد أصحاب العمل واتحاد غرف النقل السودان والموردين وأصحاب الصادرات وشركات التعدين".

وكان المجلس قد لوح الجمعة الماضية أنه "إذا استمر الحال بهذه الطريقة، سيكون خيارنا المضي قدمًا في التعبير السلمي والعودة لمربع التتريس والاعتصام عند انتهاء الفترة المحددة"، لافتًا إلى تمسك عناصره بالاتفاق لفترة تجاوزت العشرين يومًا، مؤكدًا "تواصل المجلس مع كل الجهات الرسمية للدولة، متمثلين في رئيس مجلس السيادة ونائبه ولفيف من القيادات السياسية والحزبية".

ويتمسك مجلس النظارات بمقررات مؤتمر "سنكات" (نسبة إلى منطقة سنكات شرق البلاد التي عقد فيها) الذي عقد مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2020، التي كان من بينها تخصيص نسبة 70% من موارد إقليم شرق السودان لمواطنيه، بجانب رفض مسار الشرق بمنبر جوبا والتجاوزات التي تمت في اختيار والي ولاية كسلا.

البيان الختامي للمؤتمر اعتمد تحالف كيانات (كسلا والقضارف والبحر الأحمر)، وتكوين هيئة تنسيقية عليا مشتركة بين المكونات كافة، رافضًا كل التدخلات الخارجية ومحاولات التغول على السيادة الوطنية، كما طالب البيان بإنهاء سياسات "الوصائية الإقصائية" لجماهير الإقليم لتحديد خيراته، معلنًا تمسكه بحق أبناء الإقليم في حكم إقليمهم والمشاركة في حكم الدولة على كل المستويات.

العسكر.. توظيف سياسي للأزمة

منذ الاتفاق بين المجلس ونظارات البجا لم تبارح قضية الشرق مكانها، فخلال قرابة شهر لم تنجح السلطة الانتقالية في تقديم أي جديد يمكنه حلحلة الأزمة، بل على العكس تعاملت مع الموقف بشيء من التجاهل واللامبالاة، وهو ما زاد من احتقان سكان تلك الولايات إزاء المجلس السيادي العسكري.

التجاهل الرسمي إزاء مطالب ولايات الشرق وعلى رأسها إلغاء المسار وعدم طرح أي مبادرات من شأنها أن تعكس رغبة حقيقية لدى الجنرالات في وضع حد لتلك الأزمة، كان عامل دفع قوي لإصرار قبائل الإقليم على العودة لما كانت عليه الأوضاع خلال الأشهر الماضية، حيث التصعيد عبر غلق كل الطرق والموانئ والجسور التي تربط البلاد بالبحر.

تجدر الإشارة إلى أن الأزمة المتفاقمة في الشرق كانت أبرز الأسباب التي أضعفت موقف حكومة حمدوك الأولى، فقد حُملت مسؤولية ما وصلت إليه التطورات هناك، في الوقت الذي كان يقف فيه العسكر على الحياد دون اتخاذ أي إجراءات جدية رغم الخسائر التي تكبدتها البلاد جراء سياسة الغلق.

كان المكون العسكري في إطار نزاع القوى والنفوذ مع المدنيين يتعامل مع هذا الملف تعاملًا سياسيًا انتخابيًا دعائيًا بعيدًا عن مصلحة الدولة العليا، فكان بوق تضخيم للأزمة إلى الحد الذي أوصل فيه قبائل البجا لرفع شعار إسقاط الحكومة كأحد أبرز المطالب المرفوعة، هذا دون أن تحرك المؤسسة العسكرية ساكنًا، كون هذا الأمر يتناغم مع أجندتها وأهدافها في السيطرة على الحكم وتعطيل العمل بالوثيقة الدستورية التي تقر بتسليم السلطة للمدنيين نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ.

اليوم وبعدما باتت الكرة في ملعب العسكريين، لم يتحرك الملف قيد أنملة واحدة للأمام، وفي ظل تفرد البرهان ورفاقه بالمشهد، فإن الوضع من المحتمل أن يأتي بصورة سلبية، ويكشف مخططهم القديم بشأن اللعب بتلك الورقة لتحقيق مصالح سياسية خاصة بعيدًا عن مصالح أهل الشرق الذين يبدو أنهم قد خدعوا بشعارات الحرية وتوسيع الحاضنة السياسية استنادًا إلى المنصة الثورية التي رفعها العسكر للوقيعة بين المدنيين وبقية القوى السياسية، التي كانت مقدمة لانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

الشرق على أبواب غلق جديد

أيقن العسكر أن الوضع الراهن لن يخدم مصالحهم وربما يكون التجرع من نفس الكأس مصيرهم حال استمراره دون تقدم، وعليه سارع نائب رئيس المجلس السيادي وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بفتح قنوات اتصال مع بعض قبائل الشرق من أجل التهدئة وإثنائهم عن أي تصعيد محتمل.

التحركات السياسية التي يقوم بها العسكر لن تجدي نفعًا ما لم يترتب عليها خطوات عملية في إطار تحقيق مطالب مجلس البجا، حتى لو كان المقابل تقديم حزمة من الوعود السياسية كتعيين بعض مشايخ القبائل في مناصب سياسية أو توفير بعض الخدمات والإغراءات التي ربما ترضي قطاعًا كبيرًا من سكان الإقليم المحرومين من ثروات منطقتهم النفطية والمعدنية.

هناك مأزق حقيقي في الاستجابة لمطالب قبائل الإقليم، لا سيما إلغاء مسار الشرق، فهذا المسار الذي بات جزءًا من اتفاقية السلام الموقعة في جوبا مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2020، يتطلب موافقة كلا الطرفين الموقعين على الاتفاقية، وهما الحكومة والجبهة الثورية، فضلًا عن حكومة جنوب السودان والمجتمع الدولي كضامنين لها، وهو ما يتطلب وقتًا وجهدًا مضاعفًا من الصعب الوفاء به في هذا التوقيت الذي تعاني فيه البلاد من سيولة سياسية مقلقة.

الأيام الخمس المقبلة من المتوقع أن تشهد حراكًا دبلوماسيًا بين المجلس السيادي ومجلس البجا، ومن المتوقع أن تخضع للضغوط والإغراءات، والابتزاز أحيانًا، غير أنها في الوقت ذاته من المحتمل أن تشهد تصعيدًا من نوع آخر حال إصرار الإقليم على تنفيذ تحذيراته بإعادة الغلق مرة أخرى، الأمر الذي قد يضع العسكر وقبائل الشرق في مواجهة مباشرة، وهو ما لا يصب في صالح البرهان وأجندته.