المقاطعة ساعدت جبهة التحرير على تصدُّر المشهد.

المقاطعة ساعدت جبهة التحرير على تصدُّر المشهد.

سنتان على استقالة عبد العزيز بوتفليقة من منصب رئاسة الجزائر على إثر الحراك الشعبي الكبير الذي شهدته البلاد، لكن رغم ذلك ما زال حزبه يتصدّر المشهد السياسي في البلاد، إذ فاز في الانتخابات التشريعية وفي الانتخابات المحلية أيضًا، ما طرحَ عدة تساؤلات.

هزّات كبرى

تصدّرت جبهة التحرير الوطني المشهد السياسي الجزائري لعدة عقود، فأغلب مسؤولي الدولة منذ الاستقلال عام 1962 ينتمون إليها، ما جعلها تحكم سيطرتها على مفاصل الدولة، إلا أنها في السنتَين الأخيرتَين تعرّضت لهزّات كبرى.

المظاهرات التي خرجت في فبراير/ شباط 2019 ضد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لم تكن ضد شخصه فقط، بل المنظومة بأكملها والتي يمثّل حزب جبهة التحرير الوطني أحد أعمدتها القوية، إذ حمّل المحتجّون هذا الحزب مسؤولية ما وصلت إليه البلاد، خاصة أنه كان المساند الأبرز لترشُّح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة رغم يقينه بمرضه وعجزه عن ممارسة السلطة، فضلًا عن تزكيته لسياسات اتّسمت بالفساد قام بها نظام عبد العزيز بوتفليقة وارتباط قيادته بالفساد.

بعد هذه الهزات، لم يكن أحد يتوقع بقاء جبهة التحرير في المشهد السياسي الجزائري، لكن انتخابات يونيو/ حزيران 2021 أثبتت العكس.

تحول الحزب في أنظار الجزائريين الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات من بانٍ للجزائر الحديثة إلى عائق لتقدُّمها نحو الديمقراطية الحقيقية، لذلك وجبَ تنحّيه عن طريقهم وفسح الطريق أمام أحزاب وطنية جديدة.

بعد رحيل بوتفليقة عن سدّة الحكم تصاعدَ الانقسام داخل جبهة التحرير الوطني، حيث شاهدنا صراعًا حادًّا بين قيادة الحزب والمعارضين، وبدأنا نشاهد الاعتصامات أمام المقرّ المركزي للحزب في العاصمة الجزائرية، ما جعلَ الأمين العام يتغيّر في أكثر من مرة.

امتدّت الأزمة من القيادة المركزية إلى الولايات التي تشهد انقسامًا ونزيفًا كبيرَين داخل الحزب، فقد استقالت عدة قيادات وانتقلت إلى أحزاب أخرى، الأمر الذي أدّى إلى حدوث أزمات مستمرة في القيادة وحالة من عدم الاستقرار.

ليس هذا فحسب، فاثنان من أمنائه العامّين موجودان في السجن، جمال ولد عباس ومحمد جميعي، لقضايا فساد وتجاوزات، كما يقبع العديد من رجال الأعمال الذين كانوا يدعمون الحزب في السجن بتُهم تتعلّق بالفساد وتبييض الأموال.

 

في الأثناء، طالب العديد من الجزائريين خلال الحراك الشعبي بحلِّ الحزب واسترجاع ملكية رمز الجبهة العامة لكلّ الجزائريين، باعتبارها الجبهة التي قادت الجزائريين في معركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي بين أعوام 1954 و1962.

يحمل حزب جبهة التحرير الوطني اسم المنظمة التي قادت الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكان الحزب الواحد الحاكم بعد الاستقلال وإلى غاية إقرار التعددية السياسية عام 1989، وكان بوتفليقة الرئيس الشرفي له إلى غاية عام 2015 عندما أصبح رئيسه الفعلي.

المحافظة على تصدُّر المشهد

بعد هذه الهزات، لم يكن أحد يتوقّع بقاء جبهة التحرير في المشهد السياسي الجزائري، لكن انتخابات يونيو/ حزيران 2021 أثبتت العكس، فقد تصدّرَ الحزب الانتخابات في الوقت الذي كانت فيه التحليلات تتوقع هزيمة كبرى للحزب مشابهة لهزيمته التاريخية أمام الجبهة الإسلامية للإنقاذ (محظورة) في الانتخابات البلدية عام 1990 والبرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 1991، وهزيمته في الانتخابات البرلمانية عام 1997 أمام التجمع الوطني الديمقراطي، الذي كان قد أُنشئ حديثًا.

تصدّرت جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم في الجزائر، نتائج الانتخابات التشريعية، وحلّت الجبهة في المرتبة الأولى مع 98 مقعدًا من أصل 407، يليه المرشحون المستقلون الذين حصلوا مجتمعين على 84 مقعدًا.

حمّل العديد من الجزائريين الجزء الأكبر لما وصلت إليه البلاد من أزمات جبهةَ التحرير الوطني، وطالبوا بحلّها وإحالتها إلى المتحف السياسي.

مفاجأة الجبهة أو كما يُطلق عليها في الجزائر "الأفلان" (الأحرف الأولى من اسمها بالفرنسية: أف أل أن) هنا، إذ تمكّن حزب جبهة التحرير الوطني من الفوز في انتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية المبكرة التي نُظِّمت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، ليحافظ على تصدُّره المشهد السياسي في البلاد.

يوم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلنَ رئيس السلطة المستقلة للانتخابات محمد شرفي حصد الحزب 5978 مقعدًا ليظفر بـ 124 بلدية بأغلبية مطلقة، في حين كان ينافس قوائم الأحزاب والمستقلين على قيادة 552 بلدية، وفق مبدأ الأغلبية النسبية.

أما في المجالس الولائية، فقد حصل الحزب على 471 مقعدًا في 25 ولاية (محافظة)، دون أن يسجّل أغلبية مطلقة في أي من المجالس، وتفرض الأغلبية النسبية عليه الدخول في تحالفات بهدف الظفر برئاسة عدد أكبر من البلديات والمجالس الولائية.

فيمَ يكمن الخلل؟

تصدّرت جبهة التحرير الوطني جميع العمليات الانتخابية التي نُظِّمت بشكل مسبق في الجزائر، رغم كل المشكلات والهزات التي عرفتها خلال السنتَين الأخيرتَين، ما جعلَ العديد من المتابعين يتساءلون عن سرّ ذلك.

في جوابه عن هذا السؤال، يقول الصحفي الجزائري رياض المعزوزي لـ"نون بوست": "لم يعد الجزائريون إلى سكة المشاركة في صنع القرار وبناء المؤسسات، أي أن المقاطعة هي السيد بدليل نسبة المشاركة الضئيلة، رغم الدعوات وإبراز قيمة المشاركة في بناء المؤسسات خلال هذه الفترة بالذات، أو كما تُسمّى مرحلة بناء الجزائر الجديدة".

أدّت هذه المقاطعة، وفق المعزوزي، إلى "ثبات القاعدة النضالية للأحزاب، والتي تكون فيها جبهة التحرير الوطني في الطليعة، باعتبار أن أغلب عاشقيه هم من كبار السن والذين يربطون اسم الحزب بالثورة ومقاومة الاستعمار الفرنسي، أما الذين يطالبون بوضع الحزب في الأرشيف، ويطالبون بإزاحته من المشهد السياسي، هم من المقاطعين، وهم الأغلبية".

هناك سبب آخر جعل جبهة التحرير الوطني تحافظ على الصدارة، وفق رياض المعزوزي، وهو "اعتمادها على شعار نتجدّد ولا نتبدّد، من خلال استمالة بعض الشباب والجامعيين على وجه للتحديد لضمّهم إلى قوائم الانتخابات، لإبداء نيّة التغيير والتخلي عن ذهنيات الحزب السابقة حين كان كبار السن ورؤساء المكاتب الولائية والبلدية هم الأولى في التواجد بالقوائم".

يضيف الصحفي الجزائري في حديثه لـ"نون بوست": "هذا السبب تجاوز مع قانون الانتخابات الجديد الذي يعطي للناخب حق اختيار المترشح من ضمن القائمة بالشطب، بعد إلغاء الترتيب المعتمَد سابقًا"، ويرى رياض المعزوزي أن جبهة التحرير الوطني بالجزائر ستبقى السيدة ما استمرّت المقاطعة.

إلى جانب ذلك، ما زالت جبهة التحرير تسيطر على مفاصل الدولة، فليس من السهل أن يتمَّ اقتلاعها في وقت وجيز، ما جعلها تستقطب عدة وجوه سياسية أو نشطاء المجتمع المدني الراغبين في الاستفادة من خيرات السلطة والحكم.

حمّل العديد من الجزائريين الجزء الأكبر لما وصلت إليه البلاد من أزمات جبهةَ التحرير الوطني، وطالبوا بحلّها وإحالتها إلى المتحف السياسي، لكن أثبتت الجبهة في كل المحطات الانتخابية التي شاركت بها أنها قوة لا يُستهان بها، في ظل رفض فئات كثيرة من الشعب الجزائري المشاركة في الانتخابات وقيادة التغيير.