ماكرون أول رئيس غربي يلتقي ابن سلمان بعد مقتل خاشقجي

ماكرون أول رئيس غربي يلتقي ابن سلمان بعد مقتل خاشقجي

بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الجمعة، جولة خليجية تشمل الإمارات وقطر والسعودية، في مسعى من ماكرون لتقديم نفسه كرجل حل ووسيط بين الدول الخليجية، فضلًا عن توقيع اتفاقيات تجارية وعسكرية يمكن لها أن ترجح كفته قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا.

جولة خليجية

سيرافق ماكرون في هذه الجولة الخليجية كل من وزير الخارجية جان إيف لودريان ووزير الاقتصاد برونو لو مير ووزيرة الجيوش فلورنس بارلي، إلى جانب وزيرة الثقافة ووزير التجارة الخارجية ورجال أعمال ومسؤولي شركات "إيرباص" (Airbus) و"ثاليس" (Thales) و"إير ليكيد" (Air Liquide) و"إي دي إف" (EDF).

هذه الجولة السريعة التي تمتد لمدة يومين فقط، بدأها ماكرون بدولة الإمارات، وفيها التقى ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ومن ثم توجه للدوحة أين التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وشكره على المساعدة في عمليات الإجلاء من كابول.

يأمل ماكرون في توقيع اتفاقيات اقتصادية مع المملكة العربية السعودية خاصة في مجالي الطاقة والاستثمار إلى جانب صفقات تسليح

كان ماكرون قد التقى في أواخر أغسطس/آب الماضي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على هامش مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، فقد طلب الرئيس الفرنسي المساعدة من قطر في عمليات الإجلاء من مطار كابل، وفقًا لمصدر فرنسي مطلع.

ومن المقرر أن يلتقي ماكرون في وقت لاحق اليوم السبت في جدة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ـ الحاكم الفعلي للمملكة ـ ليكون ماكرون بذلك أبرز مسؤول غربي يلتقي ولي العهد السعودي منذ الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

رجل وساطة

يحاول الرئيس الفرنسي في هذه الجولة الخليجية أن يظهر في ثوب رجل الوساطات، إذ يسعى لتقديم نفسه وسيطًا بين مختلف الفاعلين في المنطقة ورجل سلام، رغم فشله في ذلك خلال مرات سابقة خاصة في ليبيا ولبنان ودول أخرى.

هذه المرة سيعمل ماكرون على تقريب وجهات النظر بين لبنان وباقي دول الخليج على رأسها المملكة العربية السعودية، خاصة أن وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي أعلن استقالته من منصبه، وقال قرداحي - في مؤتمر صحفي - إن رئيس الحكومة نقل له طلبًا فرنسيًا بالاستقالة، ليحملها الرئيس الفرنسي إلى الرياض كمدخل للإسهام في حل الأزمة بين لبنان ودول خليجية.

وكان الرئيس الفرنسي قد أعرب عن أمله أن يتمكن من تحقيق تقدم في الملف اللبناني خلال الساعات القادمة، وأضاف أنه سيبذل قصارى جهده لإعادة إشراك دول الخليج من أجل مصلحة لبنان، ومارست فرنسا ضغطًا على قرداحي حتى يقدم استقالته، قبيل اجتماع ماكرون بولي العهد السعودي، حتى يكون لدى ماكرون ورقة يمكنه من خلالها فتح حوار مع المسؤولين السعوديين بشأن لبنان ومستقبل العلاقات بين البلدين.

في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سحبت الرياض سفيرها في بيروت وطلبت من سفير لبنان لديها المغادرة، وكذلك فعلت الإمارات والبحرين والكويت واليمن، على خلفية تصريحات قرداحي بشأن حرب اليمن.

يسعى ماكرون من خلال هذه الوساطة إثبات وجود فرنسا الدولي والإقليمي في المنطقة، والتأكيد أنها دائمًا تبقى قوة وازنة في العالم، في ظل الهزات الكبيرة التي عرفتها الدبلوماسية الفرنسية في السنوات الأخيرة، فمنذ تولي ماكرون كرسي الرئاسة عرفت باريس تراجعًا كبيرًا على المستوى الخارجي.

أهداف اقتصادية

ليس هذا فحسب، فماكرون يسعى أيضًا إلى تحقيق أهداف اقتصادية من وراء هذه الجولة، وقد ظهر ذلك جليًا في الاتفاقيات التي أبرمها مع الجانب الإماراتي، فقد وقعت الإمارات وفرنسا أمس الجمعة اتفاقية لشراء 80 طائرة مقاتلة من طراز رافال، حسب ما أعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان.

كما وقعت أبو ظبي اتفاقية لشراء 12 طائرة مروحية من طراز "كاراكال"، ورأت الرئاسة الفرنسية في بيان صحفي أن "هذا إنجاز كبير للشراكة الإستراتيجية بين البلدين الحليفين"، ووصفت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي الصفقة بـ"عقد تاريخي" بلغت قيمته عدة ملايين يورو، وتعد هذه أكبر طلبية خارجية للطائرات الفرنسية المقاتلة منذ دخولها الخدمة في عام 2004.

من المنتظر أن يتم تسليم الطائرات بدءًا من سنة 2027 وفق برنامج "إف 4" وهو عبارة عن مشروع قيد التطوير قيمته نحو ملياري يورو، ومن المقرر بدء العمل به عام 2024، وتقدمه باريس على أنه "قفزة تكنولوجية وصناعية وإستراتيجية".

تُتهم السلطات الفرنسية بتقديم دعم كبير وسخي لرؤساء وأنظمة رغم سجلهم الحافل بانتهاكات علنية لحقوق الانسان

تهدف الإمارات من وراء هذه الصفقة إلى استبدال 60 طائرة من طراز "ميراج 2000-9" حصلت عليها سنة 1998، وتحتل الدولة الخليجية المرتبة الخامسة من بين الزبائن الأكثر أهمية للصناعات الدفاعية الفرنسية في الفترة بين 2011-2020، مع طلبات شراء بلغت قيمتها 4.7 مليار يورو، بحسب تقرير تم تقديمه للبرلمان بخصوص صادرات الأسلحة الفرنسية.

إلى جانب ذلك، يأمل ماكرون في توقيع اتفاقيات اقتصادية مع المملكة العربية السعودية خاصة في مجالي الطاقة والاستثمار إلى جانب صفقات تسلح، إذ تبدي فرنسا استعدادها لتلبية احتياجات السعودية من الأسلحة والمعدات العسكرية.

ومن المقرر أن يشارك وفد أعمال يضم نحو 100 شركة، من بينها توتال إنرجيز وإي.دي.إف وتاليس وفيفندي، في منتدى استثماري خلال زيارة ماكرون إلى السعودية، يُذكر أن بيع السلاح الفرنسي إلى الرياض زاد بنسبة كبيرة في السنوات الأخيرة، وفق التقرير الخاص بمبيعات المعدات العسكرية الفرنسية لعام 2017.

تعتبر المملكة العربية السعودية ثاني أكبر عميل لفرنسا من حيث التسليح سنة 2017، وتتنوع الأسلحة الموجهة للسعودية، إذ شملت الطائرات المقاتلة من نوع الرافال والزوارق الحربية والذخيرة الخاصة بالدبابات والمدافع.

المصالح قبل حقوق الإنسان

سبق أن قلنا إن ماكرون في زيارته للسعودية سيلتقي العاهل السعودي محمد بن سلمان، كأول رئيس غربي منذ مقتل الصحفي جمال خاشقجي واتهام ابن سلمان بالوقوف وراء ذلك، هذا اللقاء يؤكد أن ماكرون يقدم المصالح على حساب حقوق الإنسان.

رغم النقد الكبير الذي رافق زيارة ماكرون للسعودية واعتزامه لقاء ابن سلمان، فقد أصر الرئيس الفرنسي على إجراء هذا اللقاء، وعلى مدى ثلاث سنوات منذ مقتل خاشقجي سنة 2018، تجنب رؤساء الدول الغربية الاجتماعات المباشرة مع ولي العهد في المملكة في محاولة منهم لتجنب إضفاء الشرعية على الحاكم الفعلي.

يؤكد هذا الأمر أن ماكرون مستعد لإعادة العلاقات رسميًا مع ولي العهد بشكل مباشر وتعزيز شرعيته، بعد أقل من عام على إصدار وكالات المخابرات الأمريكية تقريرًا يفيد بأنها تعتقد أن الأمير محمد بن سلمان وافق على مقتل خاشقجي.

ليس مهمًا عند ماكرون قيم الحرية وشعاراتها حين تأتي ساعة المصلحة مهما تغنت باريس بأولويات حقوق الإنسان، وهو يشبه بذلك محمد بن سلمان الذي لا يهمه حالة القمع المتواصلة التي ينفذها ماركون ضد المسلمين والمجتمعات المسلمة في فرنسا والتي ليس أقلها إغلاق عشرات المساجد بالرغم من أن الرياض تقدم نفسها كزعيمة للعالم الإسلامي.

تُتهم السلطات الفرنسية بتقديم دعم كبير وسخي لرؤساء وأنظمة استبدادية رغم سجلهم الحافل بانتهاكات علنية لحقوق الإنسان، حتى لو أدى ذلك إلى التورط في ازدواجية فاضحة بين ما يطفح به المسؤول الفرنسي من اعتبار قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان موجهًا رئيسيًا لسياسات الجمهورية، والواقع الذي يؤكد دعمه الكبير لأنظمة ديكتاتورية.. لكن أليست باريس ذاتها متورطة أصلًا بانتهاك حقوق الإنسان في فرنسا وخارجها؟