يسعى مرشحو الرئاسة الليبية إلى تلقي الدعم الخارجي قبل الدعم الداخلي

أقل من عشرين يومًا على موعد الاستحقاق الانتخابي المرتقب في ليبيا، لكن إلى الآن لم يطرح أي مرشح للرئاسة برنامجه الانتخابي، ولم يبدأ أحدهم حملته لإقناع الليبيين بطرحه وأفكاره التي سيسعى لتطبيقها دون أي اهتمام أو اعتبار لتطلعات الناخبين، لأن الأهم من وجهة نظرهم إقناع الدول الأجنبية الداعمة لهم، إذ يقف وراء كل مرشح دولة أجنبية تدفع به نحو الرئاسة دفعًا، وتوفر له كل الأدوات للوصول إلى كرسي الرئاسة، وبعض تلك الدول تدعم أكثر من مرشح في آن واحد محاولة اللعب على أكثر من حبل حتى يكون لها فرص متعددة للاستحواذ على خيرات ليبيا والتمتع بها.

في هذا التقرير لـ"نون بوست"، سنحاول تتبع ولاء أبرز مرشحي الرئاسة الليبية والدول الداعمة لهم، حتى نفهم توجهات الانتخابات الرئاسية المنتظرة.

دعم روسي لنجل القذافي

قبل سنوات غادر سيف الإسلام القذافي هاربًا من ملاحقات قضائية في أعقاب إسقاط والده عن الحكم، لكن ها هو الآن يعود من مدينة سبها التي تمثل ركيزة أساسية لأي تحالف قبلي في الجنوب الليبي الغني بالنفط والغاز، للترشح لحكم ليبيا.

أثار ترشحه جدلًا قانونيًا، لكن في الأخير تم إقرار الترشح رغم الأحكام والقرارات الصادرة بحقه، داخليًا وخارجيًا، ما يؤكد حجم الدعم الداخلي والخارجي الكبير التي يتلقاه نجل القذافي الطامع في عودة الحكم لأسرته، حيث دخل سيف الإسلام المطلوب أمام محكمة الجنايات الدولية، هذه الانتخابات بعد حصوله على ضوء أخضر من بعض القوى، لتأييده في هذا المسار، وأبرز القوى الداعمة له روسيا، أكبر الخاسرين من سقوط القذافي، إذ تفيد العديد من المعطيات تلقي سيف الإسلام دعمًا روسيًا كبيرًا.

تشير تقارير عديدة إلى التقاء القذافي الابن ثلاث مرات بالسجينين الروسيين ماكسيم شوغالي وسمير سعيفان المعتقلين في ليبيا، في الفترة ما بين وصولهما إلى ليبيا في مارس/آذار 2019 واعتقالهما بعد ذلك بشهرين، وكان ذلك ضمن الخطة المعدة لدعم سيف الإسلام.

مصر التي كانت تدعم حفتر، غيرت البوصلة نحو سيف الإسلام القدافي لدعمه في السباق الانتخابي

روسيا التي كانت تعلق الآمال على تحقيق نصر عسكري على حكومة الوفاق الوطني على يد حليفها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، خابت آمالها وذهبت أدراج الرياح بعد الهزائم المتتالية التي منيت بها قواته، لذلك غيرت الوجهة نحو سيف الإسلام وأعدت خطة حتى يكون هذا الأخير زعيمًا لليبيا، بعد نحو عقد من الزمن على إطاحة الثوار بوالده.

يرى العديد من المتابعين أن ترشح سيف الإسلام لرئاسة ليبيا بمثابة رد روسي على الخطة الأمريكية بإجراء الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة شرعية تتصدى للوجود الروسي في ليبيا وتحد من نفوذه وهذا أمر تريده كل الدول الأوروبية.

مصر التي كانت تدعم حفتر، غيرت البوصلة نحو سيف الإسلام القدافي لدعمه في السباق الانتخابي، إذ لعبت القاهرة دورًا رئيسيًا في ظهور نجل القذافي بشكل علني لأول مرة خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات في مدينة سبها، في الجنوب الليبي، حيث قادت اتصالات مع أطراف دولية، بالإضافة إلى التدخّل لدى أطراف في الداخل الليبي لضمان عدم التعرض لموكبه الذي خرج من مدينة الزنتان في غرب ليبيا.

وتكشف العديد من التقارير زيارة سيف الإسلام القذافي لمصر قبل إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، فقد جرت هذه الزيارة بتنسيق من منسق العلاقات الليبية المصرية السابق أحمد قذاف الدم، وتشير بعض المصادر إلى اعتماد سيف الإسلام على دعم ابن عمه الثري قذاف الدم المقيم في مصر، للنجاح في الفوز برئاسة ليبيا.

إلى جانب ذلك، فاجأت إيطاليا الجميع بتصريحها بأنها لا تُمانع وصول نجل القذافي إلى رئاسة ليبيا عبر الانتخابات، لكن ذلك لا يعني دعمًا إيطاليًا مباشرًا لنجل القذافي، فلروما مرشح آخر تدعمه بقوة للظفر بكرسي رئاسة ليبيا.

تراجع أهمية حفتر ولكن..

تبدو عودة نجل القذافي مربكة للواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يميل حلفاؤه على الأرجح إلى عودة النظام القديم نفسه، وليس أحد أذنابه، لكن مع ذلك يمتلك حفتر إلى الآن دعمًا كبيرًا من قوى دولية كثيرة، على رأسها روسيا أيضًا.

دائمًا ما تتحرك روسيا بخطط بديلة، فإذا لم يتسن لنجل القذافي النجاح فلها مرشح آخر لا يقل أهمية عنه وهو خليفة حفتر، وإن كانت علاقته بموسكو عرفت بعض التراجع خاصة بعد خسارته الكبيرة أمام قوات الوفاق الوطني التي تدعمها تركيا.

لكن الدعم الكبير الذي يتلقاه حفتر مؤخرًا، يأتي من دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يحظى حفتر الذي تتهم قواته بارتكاب مجازر حرب وانتهاكات ضد الإنسانية، بدعم كبير من مسؤولي هذه الدولة الخليجية التي تُعرف بعدائها للربيع العربي وتسعى جاهدة إلى تقويض ما تبقى منه، ويظهر هذا الدعم جليًا في التغطية الإعلامية لأخبار حفتر والترويج له عن طريق المؤسسات الإعلامية الإماراتية.

ليس هذا فحسب، ففي ظل السخط الأمريكي، لم يتردد حفتر في دعوة الإسرائيليين لإنقاذه، إذ أرسل ابنه مؤخرًا إلى تل أبيب لعرض إقامة علاقات دبلوماسية إذا تم انتخابه مقابل دعم عسكري ودبلوماسي، ويُراهن حفتر على دور التطبيع مع "إسرائيل" في تحسين علاقاته مع الإدارة الأمريكية، فضلًا عن ذلك ما زال حفتر يتلقى دعمًا مهمًا من فرنسا، حتى إن تراجع هذا الدعم قليلًا.

دعم تركي مصري للدبيبة

قدم رئيس الوزراء الحاليّ عبد الحميد الدبيبة أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية رغم من أنه ما زال على رأس عمله كرئيس للوزراء، وتشترط مادة في قانون الانتخاب، الذي أقره البرلمان الليبي وسط اعتراضات عليه، توقف من يشغل منصبًا رسميًا عن عمله لمدة ثلاثة أشهر قبل موعد الانتخابات إذا كان راغبًا بترشيح نفسه.

لم يتوقف دبيبة عن عمله وقدم أوراق ترشحه، ويُراهن رئيس الحكومة على ما قام به من تغييرات في الوضع المعيشي للمواطن، منذ أن تولى منصبه في 16 مارس/آذار الماضي، ضمن سلطة انتقالية مؤقتة مهمتها الأساسية قيادة البلاد إلى الانتخابات.

أبرز المرشحين للانتخابات الليبية، مدعومون خارجيًا، دعمًا قويًا، رغبة من تلك الدول في الحصول على امتيازات أكثر في ليبيا

لا يُراهن دبيبة على ذلك فقط، بل على دعم أنقرة أيضًا، إذ يُعد رئيس الحكومة الليبية من المقربين لتركيا، وقد لعبت دورًا كبيرًا في وصوله لهذا المنصب، والمتأمل لتحركات دبيبة خلال فترة ترؤسه الحكومة أو حتى قبلها، يتأكد من متانة العلاقات بين الطرفين.

إلى جانب تركيا، يحظى عبد الحميد دبيبة بدعم مصري كبير، فقد أصبح مرشح مصر الأول للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد توطيد العلاقة بين الطرفين، فمصر تبحث عن مصلحتها في ليبيا وقد وجدتها مع دبيبة الذي أبرم مؤخرًا 14 مذكرة تعاون مع مصر في مجالات اقتصادية مختلفة، إضافة إلى 6 عقود لتنفيذ مشاريع ليبية.

بشير صالح مرشح الإيطاليين

فضلًا عن هؤلاء المرشحين الثلاث، هناك مرشح رابع لا يقل أهمية عنهم وهو بشير صالح الذي يعد أحد أعمدة نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي منذ انقلابه العسكري عام 1969، فقد كان من الخلايا المدنية التي تشكلت مبكرًا في الجنوب الليبي للتخطيط للانقلاب.

قبل ثورة فبراير/شباط 2011، كان بشير صالح الرجل الأمين على توجه القذافي نحو إفريقيا، إذ أدار محفظة إفريقيا للاستثمار التي كانت الذارع المالية لسياسيات القذافي في القارة السمراء، وعقب الإطاحة بالقذافي غادر صالح نحو فرنسا ثم جنوب إفريقيا أين أمضى أكثر من 7 سنوات هناك، ثم توجه نحو الإمارات وهو مقيم في أبو ظبي حاليًّا.

يحظى بشير صالح بدعم قوي من إيطاليا (الحليف التاريخي لنظام معمر القذافي)، فرغم الغموض الذي تبديه القوة الاستعمارية السابقة حيال المشهد الليبي، فإنها تعمل على المحافظة على الامتيازات التي تتمتع بها في هذا البلد العربي، وترى في بشير صالح وسيلة لذلك، خاصة أنه إلى الآن يحتفظ بأسرار أموال القذافي في الخارج.

إلى جانب إيطاليا، يتمتع صالح بدعم إماراتي مهم، فقد أمضى السنوات القليلة الماضية هناك، بدعوة من ولي العهد محمد بن زايد، وخلال تلك الفترة قدم نصائحه لولي العهد الإماراتي، بخصوص الشؤون الليبية والإفريقية.

كل ما سبق يشير إلى أن أبرز المرشحين للانتخابات الليبية، مدعومون خارجيًا، دعمًا سياسيًا وإعلاميًا وماليًا، رغبة من تلك الدول في الحصول على حصة وفيرة من خيرات ليبيا على حساب مواطنيها ومصلحتهم.