تخشى فرنسا خسارة امتيازاتها في الجزائر

تخشى فرنسا خسارة امتيازاتها في الجزائر

يبدو أن الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا -التي بدأت قبل نحو شهرين- تتجه نحو الانتهاء، وأن العلاقات بين البلدَين ستعود إلى مسارها الطبيعي على المدى القصير، خاصة بعد الخطوات الفرنسية الأخيرة، فهل حققت الجزائر أهدافها حتى تتراجع عن خطوات التصعيد مع باريس؟

لوديان في الجزائر

أخيرًا زار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الجزائر، ليُعلن بذلك أولى الخطوات الجدّية لإذابة الجليد بين باريس والجزائر وإنهاء الخلافات بين البلدَين، زيارة التقى خلالها نظيره رمطان لعمامرة والرئيس عبد المجيد تبون.

واندلعت الأزمة بين البلدَين على إثر تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، شكّك من خلالها في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1830، متسائلًا: "هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟".

وضمن حديثه مع مجموعة من أحفاد "حركي" (عملاء جزائريون عملوا مع فرنسا) في 30 سبتمبر/ أيلول 2021، الذي نقلته صحيفة "لو موند" الفرنسية، أشار ماكرون إلى وجود عمليات استعمار سابقة للاستعمار الفرنسي للجزائر، وتابع بنبرة ساخرة أنه "مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تمامًا الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها"، في إشارة إلى الإمبراطورية العثمانية.

تعدّ الخطوة الفرنسية مهمة جدًّا لتلطيف العلاقات مع الجزائر.

تصريحات قررت الجزائر على إثرها استدعاء سفيرها في باريس محمد عنتر داوود للتشاور، كما منعت الطائرات العسكرية الفرنسية المتّجهة إلى منطقة الساحل من التحليق في مجالها الجوي، حيث تحتاج المقاتلات الفرنسية إلى عبور الأجواء الجزائرية لبلوغ منطقة الساحل والصحراء، كما أقدمت الجزائر على اتخاذ خطوات لتقوية العلاقات مع الحكومة المالية، في وقت تعرف فيه العلاقات المالية الفرنسية توترًا كبيرًا.

وتُعتبر زيارة جان إيف لودريان للجزائر أول خطوة فرنسية جدّية لتسوية الخلاف بين البلدَين، فقبل ذلك كان هناك مجرد تصريحات إيجابية الهدف منها رأب الصدع، إذ قالت الرئاسة الفرنسية في بيان إنها "تأسف للجدل وسوء الفهم الذي تسبّبت فيه" تصريحات ماكرون، فيما دعا لودريان في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني إلى علاقة "واثقة" و"شراكة طموحة" مع الجزائر تتجاوز "جروح" الذاكرة التي يمكن أن "تظهر أحيانًا من جديد". 

 

خلال لقائه بالرئيس تبون، قال وزير الخارجية الفرنسي: "أتمنى أن يعود بلدانا إلى نهج العلاقات الهادئة وأن يتمكّنا من التطلُّع إلى المستقبل"، وأضاف: "نأمل أن يؤدي الحوار الذي نعيد إطلاقه اليوم إلى استئناف المحادثات السياسية بين حكومتَينا عام 2022، بعيدًا عن جراح الماضي التي يجب أن نواجهها، خاصة بالنظر إلى سوء التفاهم الذي علينا تجاوزه".

فتح أرشيف حرب الجزائر قبل موعده

في ثاني الخطوات، أعلنت وزيرة الثقافة الفرنسية روزلين باشلو عن قرب رفع السرّية عن أرشيف "التحقيقات القضائية" للحرب الجزائرية (1954-1962) بعد نحو 60 عامًا، وقالت باشلو لمحطة "بيه إف إم تيه فيه" يوم الجمعة: "أفتح قبل 15 عامًا أرشيف التحقيقات القضائية لقوات الدرك والشرطة حول حرب الجزائر".

وأضافت باشلو أنها تريد أن ينظر الجميع إلى ما حدث "بوضوح"، مذكّرة أن هناك من "يزوِّر الحقائق التاريخية"، وأنه لا يمكن بناء "رواية وطنية على أُسُس كاذبة"، وشدّدت باشلو على أن فرنسا تريد إعادة بناء عدة أمور مع الجزائر، ولكن لا يمكن التقدُّم في هذه العملية إلا على "أساس الحقيقة".

وتتعامل فرنسا مع هذا الأرشيف وفقًا لقوانين تحدِّد ما هو متاح للاطِّلاع (المواد القابلة للتبليغ)، والتي لا يمكن للجمهور الوصول إليها إلا بعد مرور فترة زمنية تتراوح بين 20 و100 عام، وأخرى تظل سرّية للغاية لكونها مصنَّفة في خانة الأمن الوطني.

تعدّ الخطوة الفرنسية مهمة جدًّا لتلطيف العلاقات مع الجزائر، في انتظار أن تشمل كل الأرشيف، إذ يُعتبر ملف الأرشيف الجزائري لدى فرنسا أحد الملفات التي لا تزال محل شدّ وجذب بين البلدَين منذ عقود، حيث طالبت الجزائر، بعد الاستقلال، فرنسا بتسليم جميع الأرشيفات التي نهبتها من بلادها، لكن مطالبها بقيَت معلقة إلى بداية الثمانينيات، حيث بدأت المفاوضات بين الجزائر وباريس من خلال تشكيل لجانٍ مشتركة.

يُذكر أن عملية ترحيل الأرشيف الجزائري من الجزائر إلى فرنسا، بدأت خلال الربع الأول من عام 1961 بشكل سرّي ولأهداف غير معلنة، حيث أعطيت تعليمات لمحافظي الأرشيفات العاملين في الإدارة الاستعمارية بالجزائر، وتمّت عملية الترحيل الأولى، وبعدها بعام واحد، عام 1962، جاء قرار ثانٍ بنقل كل الوثائق المكتوبة بخط اليد أو المطبوعة، مهما كانت الأهمية التوثيقية والتاريخية التي تكتسيها.

تخشى فرنسا، إن تواصلَ التوتر مع الجزائر، أن تخسر نفوذها في هذا البلد العربي الغني بالثروات.

مسّت عمليات الترحيل كل أوجُه ومجالات الحياة الإدارية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية، بالإضافة إلى 1500 علبة من الأرشيفات الجزائرية ما قبل الاحتلال الفرنسي.

يعتمد الطرف الجزائري على النصوص القانونية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والندوة الدولية للأرشيفات، التي تنصُّ "على حق الدول المستقلة في ممارسة سيادتها بأثر رجعي على الأرشيفات التي كُتبت وحُفظت على أراضيها، وعلى ضرورة أن تبقى الأرشيفات في الأرض التي كُتبت وحُفظت فيها لأول مرة".

وكانت الجزائر وفرنسا قد وقّعتا عام 2009 اتفاقية تعاون من أجل الوصول إلى حلٍّ بشأن طريقة تسليم الأرشيف الجزائري الموجود على الأراضي الفرنسية، إلا أن الأمر اقتصرَ على الاتفاق بشأن تسليم نسخ عنه، وذلك بصورة "مرحلية ومؤقتة" وفق المسؤولين الجزائريين.

وترفض العديد من الأصوات داخل فرنسا تسليم الأرشيف الجزائري لأصحابه، بدعوة أن الأرشيف المرحّل من الجزائر إلى فرنسا بعد الاستقلال عام 1962، أصدرته الإدارة الفرنسية التي كانت الجزائر تخضع لها، وبالتالي يعود إلى الأملاك العامة الفرنسية.

مصالح فرنسا

هذه الخطوات الفرنسية الهدف منها عدم خسارة الحليف الجزائري، خاصة أن الإليزيه يُدرك أن النفوذ الفرنسي بالجزائر بدأ يتزعزع، ولا سيما بعد رحيل عبد العزيز بوتفليقة من قصر المرادية وارتفاع أصوات الجزائريين الرافضين لفرنسا.

وتخشى فرنسا، إن تواصلَ التوتر مع الجزائر، أن تخسر نفوذها في هذا البلد العربي الغني بالثروات لصالح دول أخرى في مقدمتها الصين وروسيا وتركيا، فضلًا عن ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتبلغ الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر 2.5 مليار دولار حتى نهاية عام 2017، حسب بيانات الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار.

 

إلى جانب ذلك، تأمل الإدارة الفرنسية إلى إعادة المياه إلى مجاريها مع الجزائر، حتى لا تخسر حليفًا مهمًّا في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، خاصة أن باريس تنوي الانسحاب من هناك في أقرب وقت، وفي حال تواصُل الأزمة مع الجزائر فسيتأخر الانسحاب.

للانتخابات الرئاسية المرتقبة دور أيضًا في توجُّه النظام الفرنسي نحو تهدئة الأزمة مع الجزائر، فماكرون الذي فقدَ ثقة المسلمين والمهاجرين به بعد التصريحات التي أطلقها بحقّ الإسلام والمسلمين، يُحاول الآن استقطاب هذه الأصوات في ظل عدم تمكُّنه من اختراق ناخبي اليمين.

صحيح أن مصالح فرنسا اقتضت على الإليزيه السعي وراء تهدئة التوترات مع الجزائر، لكن لسائل أن يسأل ماذا ربح المواطن الجزائري من هذه الأزمة؟ فالنظام يستعمل هذه الورقة لتأكيد تعرضه لمؤامرات خارجية، حتى لا يُسأل عن سبب فشله في الاستجابة لتطلعات الجزائريين.