تحاول فرنسا للخروج من مظلة الولايات المتحدة الأمريكية لكن دون جدوى

تحاول فرنسا للخروج من مظلة الولايات المتحدة الأمريكية لكن دون جدوى

يبدو أن حيثيات صفقات الغواصات الفرنسية مع استراليا، ستتكرر مرة أخرى، لكن هذه المرة مع دولة أوروبية، فبعد نحو ثلاثة أشهر من توقيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في باريس عقدًا لبيع باريس غواصات لآثينا، هاهي الإدارة الأمريكية تدخل على الخط وتعطي موافقة على عقد بيع محتمل تشتري بموجبه اليونان أربع فرقاطات.

تدخل واشنطن

واشنطن أعلنت أمس الجمعة أنها وافقت على عقد بيع محتمل تشتري بموجبه اليونان أربع فرقاطات ما يجعلها تدخل في منافسة مباشرة مع باريس التي عقدت في أيلول/سبتمبر الماضي اتفاقًا أوليًا مع أثينا تشتري بموجبه البحرية اليونانية ثلاث فرقاطات فرنسية الصنع.

وأشارت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان إلى أنها وافقت على مشروع اتفاق لبيع اليونان أربع فرقاطات حربية مع عتادها مقابل 6.9 مليارات دولار، كما وافقت واشنطن على تحديث فرقاطات يونانية من طراز "ميكو" بمبلغ يقدر بنحو 2,5 مليار دولار.

سواء تمت الصفقة الأمريكية اليونانية التي أعلنت الخارجية الأمريكية الموافقة عليها، أم لا، يمثل الأمر صفعة جديدة للرئيس إيمانويل ماكرون

قال بيان الخارجية الأمريكية إن العقد "سيرسي على الفائز بمناقصة دولية" لتحديث البحرية اليونانية، ملمحًا إلى أن الاتفاقية التي أعلنها قادة يونانيون وفرنسيون في 28 أيلول/سبتمبر في باريس ليست نهائية.

هذا الإعلان، جاء بعد نحو شهرين من توقيع فرنسا واليونان اتفاقًا دفاعيًا كبيرًا يتضمن التزامات من أثينا لشراء ثلاث غواصات حربية فرنسية، مع خيار لرابعة، في 28 سبتمبر/ أيلول الماضي أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن اليونان ستشتري بموجب اتفاق، ثلاث فرقاطات من فرنسا، في إطار "شراكة استراتيجية" أكثر عمقًا بين البلدين للدفاع عن مصالحهما المشتركة في البحر المتوسط.

صفعة جديدة لماكرون

جاء هذا الاتفاق الثاني في الوقت الذي تقوم فيه البحرية اليونانية بتطوير أسطولها الحربي، في ظل تصاعد التوترات مع أنقرة، وفي الاتفاق الفرنسي اليوناني، كان أمام الجانبين حتى نهاية هذا العام للتوصل إلى اتفاق نهائي، لكن يبدو أنهما لن يتوصلا إلى هذا الاتفاق، بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط.

هذا الأمر يذكر الاليزيه بما حصل قبل أشهر قليلة مع أستراليا، إذ سحبت الولايات المتحدة عقدًا ضخمًا من تحت فرنسا، بعد أن ألغت أستراليا عقدًا لشراء 12 غواصة فرنسية ذات دفع تقليدي بقيمة 90 مليار دولار أسترالي (55 مليار يورو)، ما سبب نزاعًا متواصلًا بين باريس وكانبيرا.

وكانت أستراليا وقعت عقدًا سنة 2016، بقيمة 66 مليار دولار أمريكي مع مجموعة نافال غروب المملوكة للدولة الفرنسية، لبناء 12 غواصة تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء تحت اسم "أتاك كلاس"، لكن الإدارة الأمريكية أفشلت الأمر وسحبت الصفقة لصالحها، بعد إبرام اتفاق أمني جمع أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا.

 

أعلنت الولايات المتحدة وقتها عن تحالف أمني جديد لجنوب المحيط الهادي مع بريطانيا وأستراليا، يلزم منح أستراليا حق الحصول على التكنولوجيا الأميركية لبناء وتشغيل غواصات نووية.

حينها، استدعت باريس سفيريها لدى الولايات المتحدة وأستراليا ووصفت العملية بأنها "طعنة في الظهر" من قبل حليف لها عندما تخلت كانبيرا عن صفقة طويلة الأمد بقيمة مليارات اليوروهات لشراء غواصات فرنسية تقليدية لسفن أمريكية تعمل بالطاقة النووية.

بعد أيام من تلك الحادثة وتصاعد الأزمة بين باريس وواشنطن، أشارت الإدارة الفرنسية إلى عودة المياه إلى مجاريها، لكن يبدو أنهم تسرعوا في هذا الإعلان، فما حصل مع أستراليا في طريقه إلى أن يتكرر مع دولة أوروبية هذه المرة، وهي اليونان كما أشرنا.

سواء تمت الصفقة الأمريكية اليونانية التي أعلنت الخارجية الأمريكية الموافقة عليها، أم لا، يمثل الأمر صفعة جديدة للرئيس إيمانويل ماكرون، صفعة تضاف إلى انتكاسات سابقة ما فتئ الرئيس الشاب يتلقاها منذ توليه منصب رئاسة فرنسا.

ماكرون الذي أنهى قبل أيام زيارة إلى كل من قطر والإمارات والسعودية – أراد من خلالها إثبات وجود فرنسا الدولي والإقليمي في المنطقة والتأكيد أنها دائمًا تبقى قوة وازنة في العالم – ها هو يعاني مجددًا ويتلقى طعنة من الظهر كما سبق أن وصف التحرك الأمريكي الأسترالي في خصوص الغواصات.

تسعى فرنسا جاهدة لقيادة أوروبا للتخلص من الزعامة الأمريكية، وأن يكون لها قرارها الاستراتيجي المستقل عن واشنطن في القضايا الكبرى

يؤكد هذا الأمر، أن باريس لم يعُد يُحسب لها حساب، في ظل حكم إيمانويل ماكرون، خاصة بعد الانتكاسات الكبيرة التي لقيها في أكثر من دولة، بدأ من ليبيا التي دخلها ماكرون بكلّ ثقله لدعم "المتمرّد" خليفة حفتر في جميع الخطوات التي قام بها رغم يقينه التام بتهديد حفتر للاستقرار في ليبيا، وقد خسر ماكرون الرهان وهاهو الان يبحث عن طريقة لتعويض خسارته.

حتى في سوريا، لم يعد لفرنسا أي تأثير يذكر، فبعد أن سعى ماكرون إلى أن تكون بلاده ضمن منظومة الدول المبادرة بالحل السياسي في سوريا، لم يعد له أي كلمة هناك، وفي لبنان أيضًا فتحركات ماكرون لاستغلال تفجيرات مرفأ بيروت، والأزمة اللبنانية الخليجية، لم تأت بشيء.

الانتكاسات تظهر كذلك في مالي، ففرنسا لم تنجح بعد في تحقيق أهدافها التي جاءت من أجلها والرفض الشعبي ازداد وظهر جليًا في الاحتجاجات التي أسقطت نظام الرئيس ولد إبراهيم بوبكر كيتا. وكذا الحال في إفريقيا الوسطى والتشاد، دون أن ننسى الخسارة الكبرى في إقليم "قره باغ"، وما حصل للنفوذ الفرنسي في الجزائر.

استقلالية أوروبا على المحك

صحيح أنها انتكاسة جديدة لماكرون، لكنها انتكاسة للأوروبيين كذلك، فهذا الأمر يُظهر أن أحلام ماكرون بأوروبا مستقلة لها أن تتخذ قراراتها المصيرية بمفردها مازال حلمًا يصعب تحقيقه في الوقت الحالي.

ماكرون الذي كان يضغط بقوة من أجل استقلالية الأوروبيين وفق قوله، هاهو يكتشف أن الأمر صعب المنال، فالولايات المتحدة الأمريكية مازالت تتحكم في خيوط اللعبة وتُوجهه وفق أهدافها والأجندة التي تخدم مصالحها، رغم تأكيد الإدارة الأمريكية شراكتها مع الأوربيين.

 

وتسعى فرنسا جاهدة لقيادة أوروبا للتخلص من الزعامة الأمريكية، وأن يكون لها قرارها الاستراتيجي المستقل عن واشنطن في القضايا الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالمناطق المتوترة في محيطها القريب، سواء في ليبيا أو في الساحل الإفريقي، لكن ظهر جليًا محدودية الدور الأوروبي، بسبب الصراع على الزعامة، أو اختلاف المصالح والأولويات.

الإدارة الأمريكية، على علم بالتحركات الفرنسية للخروج من مظلتها ورغبة باريس في إنشاء جيش أوروبي بدعم من ألمانيا، لا تكون بعده في حاجة للمظلة الأمريكية، لذلك ارتأت توجيه صفعات متتالية لماكرون، حتى تذكره بحجمه.