لا تتوقف أزمة لبنان على إرث السنوات الماضية، وتبعات واحدة من أسوأ الكوارث العالمية التي سلبت العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها حتى الآن، وجعلت 4 من كل 5 لبنانيين في فقر شديد، وسط تدهور سريع للظروف المعيشية وزيادة أسعار المواد الغذائية ونقص الوقود، بل تخطّتها إلى تطويق البلاد وسيادتها وابتزازها لفرض سياسات وساسة بعينهم على لبنان. 

ورقة ضغط على لبنان  

على نحو غير مسبوق، تمارسُ أوروبا الآن ضغوطًا صعبة وتتدخل في لبنان لتصويب مساره بالطريقة التي تناسبها، حيث يفرض الاتحاد الأوروبي ومؤسساته المختلفة مواقفه وقناعاته على الحكومة اللبنانية، وتبلورَ ذلك في تصريحات صادمة للبرلمان الأوروبي تعهّد فيها بفرض عقوبات كبرى على شخصيات سياسية لبنانية بارزة، إذا زعزعت استقرار الحكومة التي تمَّ تشكيلها مؤخرًا في البلاد. 

يضغط البرلمان الأوروبي لإجبار النخبة السياسية على تشكيل حكومة تناسب توجُّهاته، وهي سياسة غريبة على اتحاد كان يتباهى دائمًا أنه لا يعمل عادة في مجال إعادة بناء الدول باعتباره شأنًا داخليًّا، لكنه صار مؤخرًا يهدد بفرض عقوبات على كل من يزاحم الأشخاص الذين يريدهم في الحكومة اللبنانية، أو يعمل على إخراجهم منها. 

أين الجديد؟ 

المثير للغرابة في موقف الاتحاد الأوروربي تبريراته للتدخل باسم التنوع والحفاظ على حظوظ الجميع في المشاركة السياسية، والمعروف أن لبنان من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعًا، لدرجة أنه لا يمتلك هوية سياسية واضحة بسبب سيولة التنوع داخله.

تتساوى بدرجة كبيرة أعداد السنّة والشيعة والمسيحيين، الأمر الذي حال ضد بناء أي نوع من الحكومات المستقرة المستندة على هوية الأغلبية طيلة التاريخ الحديث للبلاد على الأقل، وكانت المطالبات بإيجاد استقرار وهوية سياسية واضحة في حكم المعجزات. 

تناسى الاتحاد الأوروبي وهو يضغط بشكل مستمر لتنفيذ رؤيته، أن طبيعة النظام السياسي اللبناني التي صُمِّمت على الإسراف في التنوع لحقن الدماء وإيقاف الحرب الأهلية لم تحققه أبدًا، فالرئيس أصبح مسيحيًّا مارونيًّا، ورئيس الوزراء سنّيًّا، ورئيس مجلس النواب شيعيًّا، ومع ذلك لم تضمن هذه التوليفة التنوع المطلوب.

يروِّج الاتحاد الأوروبي أن له مصلحة حيوية في الحفاظ على الحكم الرشيد في لبنان.

تشاركت جميع المشارب في الحكم، وجميعها تحالفت لعدم خلق ديمقراطية مستقرة ومؤسساتية، فقط أنتجت نخبة سياسية غير قادرة على المنافسة، بالنظر إلى قدرتها على المساومة للخروج من الأزمات، ولا تستطيع حتى الآن فعل ما هو أكبر من ذلك.

كان الشعب دائمًا خارج المعادلة، وقيم الديمقراطية لم تكن هي الأساس عند خلق النظام القديم، والآن هي أيضًا ليست من أولويات الاتحاد الأوروبي، حيث يختار رجاله أو من يؤمّنون مصالحه في لبنان.   

ماذا يريد الغرب؟ 

يروِّج الاتحاد الأوروبي أن له مصلحة حيوية في الحفاظ على الحكم الرشيد في لبنان، الذي استوعب ملايين اللاجئين الفارّين من الحرب في سوريا وغيرها من النزاعات، وقد تتحول أنظار هذه الكتل بجانب ملايين أخرى من اللبنانيين إلى أوروبا حال تعقُّد الحال أكثر وأكثر، وهو أمر من شأنه التسبُّب في موجة جديدة من اللاجئين وخلق أزمة سياسية للغرب بالتبعية.
 

صورة

يراقب الاتحاد الوضع الاجتماعي لأكثر من 50% من المواطنين اللبنانيين، وأكثر من 70% من اللاجئين السوريين الذين هبطوا تحت خط الفقر، ما يفرض عليه توجيه مساعدات ضخمة وتنفيذ عدد لا يحصى من برامج بناء القدرة على الصمود، التي وضع أساساتها في عدد من البلدان حتى لا تتحول أنظار أبنائها إلى أوروبا. 

حصّن الاتحاد نفسه ببناء ما أصبح يُعرف باسم سياسات التحكم عن بعد، لإبقاء مشكلات لبنان داخله، لا سيما أنه يستضيف أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري و200 ألف فلسطيني يشكّلون وغيرهم حوالي ثلث عدد سكان البلاد، والطلب الأساسي للاتحاد الأوروبي من الساسة الذين يطلبون مساندته، إنجاح سياسته في التحكم بالأزمة من بعيد، وإبقاء الأزمة داخل لبنان على أن يساهم ماليًّا فقط وفي المجالات التي يراها في حاجة للتدخل.  

تركزت أغلب مساعدات أوروبا خلال السنوات الماضية في الدعم الأمني، ​​الذي يركز على الحدود البرّية اللبنانية مع سوريا، وتحسين الأمن في مطار بيروت وميناء طرابلس، وكلفت هذه المساعدات منذ عام 2012 وحتى الآن حوالي 1.6 مليار دولار، أغلبها جاء من فرنسا وبريطانيا. 

نشط الاتحاد بهذه المعونات في جعل لبنان دولة عازلة تتحمّل العبء الإنساني عن أوروبا، وألقت هذه الرؤية بالكثير من الضغوط على بيروت وعرّضتها لمزايدات جديدة في اختيار ساسة بعينهم وفرضهم على التشكيل الوزاري.  

سلّطَ فشل سياسة التحكم عن بُعد الضوء عليها في وسائل الإعلام الدولية المعنية بقضية اللاجئين، وهاجمت تخلي أوروبا عن واجبها الأخلاقي بالقيود المفروضة على الهجرة، واشتدت موجات الهجوم منذ العثور على جثة الصبي السوري آلان كردي على أحد الشواطئ التركية، وحملت المؤسسات المعنية الاتحاد الأوروبي المسؤولية بسبب تركيزه بشكل أساسي على وقف تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز. 

تجاهلَ الاتحاد الأوروبي الانتقادات والأسباب الجذرية للصراع في لبنان، وأصبح يفكر فقط في كيفية تحميل أزمة اللاجئين لدول أخرى، مع أنه قطب رئيسي في نظام اللاجئين الدولي، إلا أنه يتحجّج بالفرص التنموية وتعزيز قدرة كل من اللاجئين والمجتمعات المضيفة على التعافي من المحن والصدمات، للهروب من المسؤولية الأخلاقية وتقاسُم أعباء إعادة توطين المنكوبين في العالم. 

ساهمَ ضغطُ الاتحاد على لبنان بدرجة كبيرة في إضفاء طابع أمني ​​على قضية اللاجئين من الساسة اللبنانيين الموالين للغرب، واعتبروهم أشد صور التهديدات الأمنية والاقتصادية، وهناك من اعتبرهم من أخطر تهديدات ترتيبات تقاسُم السلطة الطائفية التي تقوم على الحفاظ على توازن القوى بين المسيحيين والمسلمين. 

صمتت أوروبا على هندسة الساسة للقضية وجعل اللجوء في لبنان أمر لا يطاق، لإجبار آلاف السوريين على العودة طواعية إلى سوريا رغم الأخطار المحدقة بهم، ولم تعلِّق على إقدام السلطات الأمنية على شنّ عمليات إخلاء متكررة لا تراعي أقل الضوابط التي تلتزم بالحقوق تحت شعار نفس المسمى الأوروبي "بناء القدرة على الصمود". 

عبّر الاتحاد عن دعمه بشكل غير مباشر من خلال إعلانه دعم الإصلاح الأمني ​​والحوكمة والتنمية والتجارة، في سياق تحدي اللاجئين عام 2016 ضمن إطار مؤتمر لندن لدعم سوريا والمنطقة، ووقّع الاتحاد الأوروبي ولبنان ما يُسمّى بميثاق لبنان.

يعدّ الاتفاق غامضًا وأقل مهنية في تسهيل الإدماج للاجئين السوريين في سوق العمل، وتسهيل إجراءات توثيق اللاجئين والسماح لهم بالعمل في القطاعات المحظورة، وتسهيل حصولهم على التعليم والصحة، وكذلك تسجيل الأطفال السوريين المولودين على الأراضي اللبنانية. 

أي حكم رشيد يريده الغرب؟ 

لا يهم الاتحاد الأوروبي الآن إلا تطويع الجغرافيا السياسية في لبنان، لصالح إبقاء أوروبا خارج معادلة اللجوء خلال الفترات القادمة، هربًا من ضغوط الشعبويين واليمين المتطرف، والأخير تحديدًا يستغلّ القضية لتوسيع قاعدة شعبيته في كل البلدان الأوروبية. 

يصمِّم الاتحاد على السير في سياسته، بالضغط لأبعد درجة ممكنة على لبنان، وفرض خطته للإصلاح التي تنطلق من نهج براغماتي منزوع القيم في التحالف مع الكثير من حكومات الشرق الأوسط لصالح الاستقرار.

يجدِّد الاتحاد رغبته في دعم تعافي لبنان، لكن في سياق تحدي اللاجئين وليس أكثر من ذلك، فلا يريد من كل هذه الضغوط على لبنان إلا عدم تقاسُم الأعباء في نظام اللاجئين الدولي، رغم اتّساع الفجوة بين خطاب الاتحاد الأوروبي بشأن بناء القدرة على الصمود ونتائج هذه السياسة على الأرض يومًا بعد الآخر.

يصمِّم الاتحاد على السير في سياسته، بالضغط لأبعد درجة ممكنة على لبنان، وفرض خطته للإصلاح التي تنطلق من نهج براغماتي منزوع القيم في التحالف مع الكثير من حكومات الشرق الأوسط لصالح الاستقرار، دون النظر إلى سجلّاتها المشكوك فيها تجاه الديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان.

يطالب الاتحاد الأوروبي الحكومة اللبنانية بالتعاون الوثيق لإبقاء أزمة اللاجئين داخل حدود البلاد، مقابل حزمة مساعدات مالية، والصمت على سجلّ البلاد المعقّد في مجال حقوق اللاجئين، والضغط بكل قوة على من يرفض هذه الخيارات أو يدير ظهره لها.