كان من المقرَّر أن تعلن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا أول أمس السبت نشر القوائم النهائية للمرشَّحين للانتخابات الرئاسية، لكن ذلك لم يحصل، إذ قررت المفوضية تأجيل العملية ضمن ما قالت إنها إجراءات إدارية وقضائية اتخذتها.

ولم تحدِّد المفوضية موعدًا لنشر القوائم، وأوضحت أن ذلك سيكون بعد تواصلها مع المجلس الأعلى للقضاء، ولجنة شكّلها البرلمان لبحث تطورات العملية الانتخابية، وأشارت إلى حرصها ألّا يقتصر دورها على تنفيذ القانون، في شقه المتعلق بالطعون القضائية، على المرشَّحين.

تأجيل مرتقب

وفق اللوائح المتعلقة بالانتخابات الرئاسية، كان يفترض نشر القائمة النهائية بعد أسبوعين من انتهاء الطعون واستئناف قرارات المحاكم المتعلقة بالمرشَّحين، لكن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات قالت في بيان على موقعها إنه لا يزال يتعيّن عليها أن "تتبنّى بعض الإجراءات القضائية... وأخرى قانونية... قبل المضيّ قدمًا في الإعلان عن القائمة النهائية للمرشَّحين، والانتقال إلى الإعلان عن بدء مرحلة الدعاية الانتخابية".

يخشى العديد من الليبيين أن يؤدي تأجيل الانتخابات لموعد قادم إلى محو العملية السياسية برمّتها.

تقول المفوضية إن القرار يأتي في إطار حرصها على استنفاد جميع طرق التقاضي للتأكُّد من تطابق قراراتها مع الأحكام الصادرة فيها، بما يعزِّز مبدأ المصداقية في تطبيق نص القانون وتنفيذه، ذلك أنها ستتبنّى بعض الإجراءات القضائية من خلال تواصلها مع المجلس الأعلى للقضاء، وأخرى قانونية من خلال تواصلها مع اللجنة المشكّلة من قبل مجلس النواب.

قرار المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تأجيل نشر القوائم النهائية للمرشَّحين للانتخابات الرئاسية، هو إعلان غير صريح عن تأجيل العملية الانتخابية المقرَّرة يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، فالقانون يمنح المرشَّحين أسبوعَين من نشر القوائم النهائية للقيام بحملتهم الانتخابية، وهذا الأمر لن يكون متوفرًا حاليًّا.

بالتزامن مع ذلك، أكّد عدد من المرشَّحين للانتخابات الرئاسية الليبية أنهم لا يمانعون تأجيل موعد الانتخابات بما تقتضيه الضرورات التقنية بشرط أن يكون تاريخ 24 ديسمبر/ كانون الأول الحالي مشمولًا في فترة الإجراءات الانتخابية.

وقبل ذلك اقترح المجلس الأعلى للدولة، وهو هيئة تؤدي دور غرفة ثانية للبرلمان، إرجاء الانتخابات الرئاسية إلى فبراير/ شباط 2022 بسبب "التوتر وانعدام الثقة بين الأطراف والتدخلات الخارجية"، كما اقترح المجلس تنظيم الانتخابات الرئاسية بشكل "متزامن مع الانتخابات النيابية".

كان من المفترض أن تُجرى الانتخابات بعد أن يخرج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، لكن هذا الأمر لم يحصل بعد، فالمرتزقة ما زالوا منتشرين في البلاد بأعداد كبيرة، ومؤخّرًا قال رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، خالد المشري، إن هناك أكثر من 7 آلاف جندي من مرتزقة "فاغنر" الروسية موجودون في ليبيا، ولديهم طائرات، ويحفرون الخنادق في سرت والجفرة، كما يوجد مرتزقة سوريين وسودانيين ومن النيجر وتشاد.

يجعل انتشار المرتزقة في البلاد المرور للانتخابات أمرًا صعبًا، ما يصعّب المهمة كذلك تواصُل التوتُّر السياسي في البلاد والانقسام الحاد بين مختلف الشخصيات والفعاليات السياسية، إضافة إلى الانقسام في مؤسسات الدولة، فلا سلطة مركزية واحدة في ليبيا.

عملية سياسية مهدَّدة

يرى العديد من المتابعين أن أي تأجيل طويل للانتخابات الليبية قد يزيد من خطر انحراف عملية السلام الأوسع في ليبيا عن مسارها، وسيكون التأجيل بمثابة ضربة مريرة لآمال المجتمع الدولي في إعادة توحيد هذا البلد العربي الغارق في الفوضى.

ويخشى العديد من الليبيين أن يؤدّي تأجيل الانتخابات إلى موعد قادم إلى محو العملية السياسية برمّتها، فبقدر ما التأجيل صعب فإن الاتفاق على موعد آخر للانتخابات أصعب منه، ذلك أن هذا الأمر يتطلّب حدًّا أدنى من التوافق بين مختلف الفاعلين في الداخل والخارج.

إلى جانب ذلك، سيعقّد التأجيل الوضع أكثر، في ظل عدم الاتفاق على استمرارية الحكومة من عدمها بعد موعد 24 ديسمبر/ كانون الأول، فالحكومة الحالية تنتهي مهمتها في التاريخ المقرَّر إجراء الانتخابات فيه، ويصعب أن يجدَّد الثقة لها، والسؤال الأهم من سيجدِّد لها الثقة؟

في حال إجراء الانتخابات على الشاكلة التي هي عليه الآن، سيكون الليبيون أمام انقسام جديد في بلادهم، انقسام سيكون أكثر حدةً ممّا سبق.

يخشى الليبيون أن تتبدّد أحلامهم برؤية بلادهم دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات والقانون لا الميليشيات والأسلحة، فأي تأخير في إرساء مؤسسات ديمقراطية منتخَبة تستمدُّ شرعيتها من الشعب، سيؤدي إلى تأزيم الوضع أكثر ويفتح الأبواب لحرب أهلية مرتقبة.

رغم أن المدة الباقية لموعد الانتخابات الرسمي لا تتجاوز 11 يومًا، إلا أن الليبيين إلى الآن لا يعرفون مصير الانتخابات، هل تُجرى في موعدها أو تتأجّل، ما يعرفونه فقط أن التأجيل أو إقرار الموعد مرتبط بإرادة بعض القوى الخارجية والداخلية، ولا اعتبار لمصلحة الشعب في ذلك.

التأجيل.. شرٌّ لا بدَّ منه

صحيح أن تأجيل الانتخابات الرئاسية الليبية خطر على البلاد، ومن شأنه تهديد العملية السياسية بأكملها، ويُعتبر إيذانًا بعودة ليبيا إلى نقطة الصفر، إلا أنه شرّ لا بدَّ منه، إذا ما نظرنا إلى تداعيات إجراء انتخابات في الوضع الذي تعيشه ليبيا الآن.

التسرُّع بإجراء الانتخابات الليبية في ظل مشهد سياسي مأزوم وانقسام حادّ في مؤسسات الدولة، وسيطرة الميليشيات والمرتزقة على مراكز الاقتراع، سيزيد تأزيم الوضع أكثر، فليس المهم إجراء الانتخابات بما حضر بل المهم نتائجها وتداعياتها على البلاد.

طيلة سنوات كان الليبيون ينتظرون بفارغ الصبر إجراء الانتخابات، علّهم ينتخبون شخصًا يضع حدًّا للفوضى والاقتتال في البلاد والممارسات القديمة، وإذا بهم يجدون أمامهم سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر وداعمه السياسي عقيلة صالح قد رشّحوا أنفسهم بدعم من دول أجنبية مختلفة.

في حال إجراء الانتخابات على الشاكلة التي هي عليه الآن، سيكون الليبيون أمام انقسام جديد في بلادهم، انقسام سيكون أكثر حدّةً ممّا سبق، ذلك أنه لن يقبل أي طرف بنتائج الانتخابات، وسيكونون أيضًا أمام سيناريو سيّئ، أبطاله المرتزقة والميليشيات المسلحة الراغبة في تسلُّم السلطة مهما كلّف الأمر.