منذ أعلن إريك زمور ترشُّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، والإعلام الفرنسي يهاجمه، واصفًا هذا اليميني المتطرف بالمنحرف الذي يحرِّض على الكراهية والعنصرية الدينية ومعاداة النساء، وأن مجرد تقدمه للرئاسة يُعتبَر كابوسًا للديمقراطية يبثّ الرعب، لكن حملةً كهذه يمكن أن يعكسها زمور لصالحه ويستثمرها كدعاية تمنح اسمه وأفكاره مساحة للانتشار. 

خطاب الكاتب والصحفي المثير للجدل إريك زمور يبدو أكثر تطرفًا من زميلته مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، التي لم تأخذ في اعتبارها أنه سيُأخذ سباقه إلى الإليزيه على محمل الجد، ولخيبتها تجدُ الآن نفسها محاصرة بمرشِّح سيأكل من حظوظها الانتخابية، وقد يقصيها من الدور الأول، ليواجه ماكرون على الأرجح في الدور الثاني.

الإعلام منحه شرعية سياسية

حتى قبل أن يعلن رسميًّا ترشُّحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022، كان هذا الرجل مثار قلق في الأوساط السياسية، بسبب آرائه العنصرية والمعادية للمهاجرين، وقد لعبت وسائل الإعلام الفرنسية دورًا كبيرًا في تمكين زمور من تشكيل وصناعة جمهور خاص به، الشيء الذي منحه الشرعية للانطلاق نحو السياسة، ساعيًا إلى تصدير أفكاره على نطاق واسع خارج حدود فرنسا. 

يعتقدُ هذا الفرنسي المنحدر من أصول يهودية جزائرية، أن الأسماء العربية المسلمة تجعل من أصحابها "أقل فرنسية"، كاسم لاعب كرة القدم زين الدين زيدان، لأنه لا يأتي ضمن قائمة الأسماء الفرنسية المسيحية الرسمية، وكان الأجدر أن يُسمّى "جان زيدان"، كما وصف زمور تصرُّف وزيرة العدل السابقة رشيدة داتي بإطلاقها اسم زهرة على ابنتها بأنه "غير وطني"، ما أثار غضب داتي التي وصفت تعليقاته بأنها "مَرَضية". 

المسلمين في فرنسا ليسوا بالمجبورين على الإقامة في أحياء مخصَّصة لهم، كما لا تُفرض عليهم قيود تحدد لهم حقوق التملك والعبادة والتوظيف.

إذا أصبح زمور رئيس فرنسا سيمنع تسمية المواليد باسم محمد، وفقًا لتصريحاته التي أثارت الكثير من الجدل، وتوعّد بأنه سيغلق من المساجد والجوامع تلك التي يذهب إليها الإخوان والسلفيون، كما سيفعل بالمسلمين نفس ما فعله نابليون بونابارت مع اليهود أثناء الثورة الفرنسية.

لكن المسلمين في فرنسا ليسوا بالمجبورين على الإقامة في أحياء مخصَّصة لهم، كما لا تُفرض عليهم قيود تحدِّد لهم حقوق التملك والعبادة والتوظيف، كما كان الحال مع اليهود قبل أن يأتي نابليون و"يحرِّرهم"، رافضًا أي مقترحات تجبرهم على مغادرة البلاد، بل جعل فرنسا تضمّهم. 

على خطى نابليون.. اختفاء المسلمين 

ما الذي يصبو إليه بالضبط إريك زمور، وهو الذي ينزعج علنًا من تمسُّك الجاليات المسلمة بمحدداتها الثقافية، كالأسماء واللغة والشعائر الدينية، ويقول منذ سنوات إن "الإسلام نقيض لمبادئ الجمهورية وخطر عليها"، محذِّرًا من نشر اللغة العربية كونها وسيلة بيد الإخوان المسلمين في أسلمة فرنسا؟ 

إن فكرة الاندماج والتعايش مع الاختلاف العرقي والديني تحت ظل المبادئ العامة لفرنسا وقانونها، لا وجود لها ضمن رؤية زمور التي يصفها معارضوه بـ"الفاشية"، بل هو يصرُّ على ضرورة انصهار المسلمين والمهاجرين مع أبنائهم داخل بوتقة واحدة، لتشكِّل مجتمعًا فرنسيًّا ذا ثقافة واحدة خالية من التنوع. 

كان هذا هو نفسه مشروع نابليون، حسب ما ورد في كتاب "انتصار البقاء: قصة اليهود في العصر الحديث" للحاخام الأرثوذوكسي بيريل وين: "إن تسامح نابليون وعدالته تجاه اليهود، كانت في الحقيقة قائمة على خطته الكبرى لجعلهم يختفون تمامًا، عن طريق الانصهار التام، الزواج المختلط واعتناق المسيحية. عمليًّا، كان ذلك "حلًّا نهائيًّا" سليمًا لـ"المشكلة" اليهودية". 

"المستحيل ليس فرنسيًّا" هي عبارة منسوبة إلى نابليون، اختارها زمور شعارًا لحملته الانتخابية، التي أطلقها أوائل ديسمبر/ كانون الأول 2021 في تجمع خطابي بباريس، حيث دعا إلى "تغيير مجرى التاريخ" والمضيّ نحو "استرداد فرنسا" من العرب والمسلمين، وهتفَ حشد أنصاره: "نحن في بلدنا" ردًّا على قول زمور: "الرهان هائل، في حال فزت سيكون ذلك بداية استرداد أجمل بلدان العالم.. الشعب الفرنسي يعيش هنا منذ ألف عام ويريد أن يظلَّ سيّدًا في بلده".

نظرية المؤامرة منحته أنصارًا 

رئيس فرنسا "المُحتمل" الحاقد على المهاجرين والمسلمين، يعتقدُ تمامًا بنظرية المؤامرة "الاستبدال العظيم"، وتقوم على فكرة استبدال الأوروبيين البيض بأشخاص من الشرق الأوسط وأفريقيا من خلال الهجرة، وتستند هذه النظرية على إحصاءات متضخّمة وإسقاطات ديموغرافية غير موثَّقة، وهي نفس النظرية التي ألهمت سفّاح نيوزيلندا. 

في الحقيقة وجدت نظرية "الاستبدال العظيم" التي يروِّج لها زمور صداها الواسع، وجذبت له أنصارًا ومؤيدين كثرًا، من أولئك الذين يظنون أن فرنسا آخذة في التفكُّك منذ سنوات، ويخشون من انتشار مظاهر الثقافة الإسلامية، كما يتّهمون المهاجرين بأنهم يمنحون أنفسهم الحق في فرض عادات وقوانين بلدهم الأصلي. 

على طاولة رئاسة فرنسا القادمة ستوضع ملفات عديدة، أولها علاقة الدولة مع المسلمين.

خطابه المحرِّض ضد المهاجرين والمسلمين يضع مصيرهم على كف عفريت، في حال نجح "ترامب فرنسا" في اعتلاء سدّة الحكم، وإذا فشل سيكون على الأقل قد تمكّن نسبيًّا من تطبيع أفكاره العنصرية التي لم يكن الناس يسمعون بها في الماضي، بفضل كثرة الأضواء التي تُسلَّط عليه، إذ حوّلته من نجم تلفزيوني إلى رجل سياسة. 

الإسلاموفوبيا ظاهرة حكومية 

العنصرية هي مشكلة اجتماعية كبيرة في المجتمع الفرنسي، الذي يشهد تراجعًا في مؤشرات التسامح، فبعد الأحداث الإرهابية لعام 2015 تفشّت الإسلاموفوبيا بشكل مريب، لتتحول فيما بعد إلى ظاهرة رسمية حكومية من خلال تبنّي سياسات عدائية تجاه المواطنين والمهاجرين المسلمين. 

تأمل الجالية المسلمة في فرنسا أن تحمل الانتخابات القادمة شخصية يسارية إلى قصر الإليزيه، غير أن التوقعات تشير إلى صعود اليمين، الذي لن يُخمد نيران الحرب عليها بل سيُسعرها، خاصة أن المتطرفين في هذا التيار ينظرون إلى المسلمين على أنهم "سبب مشاكل البلاد ويشكّلون بؤرًا للإرهاب". 

على طاولة رئاسة فرنسا القادمة ستوضع ملفات عديدة، أولها علاقة الدولة مع المسلمين، وهو الملف الذي أصبح محطَّ اهتمام السياسيين والمتتبّعين وتتطرق له وسائل الإعلام بغزارة، ودائمًا ما يثيره إريك زمور ساعيًا إلى دغدغة عواطف ودفن عقول أتباعه المتطرفين، بمن فيهم الجماعات التي تتبنّى الأيديولوجية النازية والانغلاق والعنف.