يعتبر نور الدين البحيري، أول مسؤول كبير في حركة النهضة تحتجزه وزارة الداخلية

يعتبر نور الدين البحيري، أول مسؤول كبير في حركة النهضة تحتجزه وزارة الداخلية

منذ مساء يوم الجمعة الماضية، لا أحد يعلم شيئًا عن النائب والوزير السابق نور الدين البحيري، لا مكان وجوده ولا أخبار صحيحة عن صحته الجسدية، إذ "اختطفته عناصر أمنية بزي مدني من أمام منزله، واقتادته إلى جهة غير معلومة بعد تعنيفه والاستيلاء على هاتف زوجته"، وفق حركة النهضة التونسية. في المقابل تقول بعض الأخبار إن البحيري يوجد في العناية المركزة بعد نقله من مقر احتجازه إلى مستشفى بمدينة بنزرت (65 كيلومترًا تقريبًا شمال العاصمة)، لكن تم منع عائلته ومحاميه من زيارته في المستشفى، وأجبرت قوات الأمن المتمركزة في المكان زوجة البحيري، المحامية سعيدة العكرمي، على التوقيع على وثيقة تؤكد زيارتها لزوجها في المستشفى مساء أمس الأحد قبل دخولها المنشأة الطبية التي يرقد فيها إلا أنها رفضت وغادرت المكان رفقة هيئة الدفاع عن البحيري مدينة بنزرت، دون أن يعلموا شيئًا عن حياة القيادي البارز في حركة النهضة، محمّلين الرئيس قيس سعيّد ورئيسة حكومته والمكلف بإدارة الداخلية مسؤولية ما يتهدد حياته.

"اختفاء قسري"

تقول حركة النهضة إن نائب رئيسها والقيادي البارز في الحركة نور الدين البحيري، مختفي قسريًا، وفق المواثيق الدولية، التي وقعت عليها تونس في وقت سابق، من ذلك الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي صادقت عليها الدولة التونسية بموجب الأمر عدد 550 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مايو 2011.

يقصد بـ "الاختفاء القسري" وفق الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري: "الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون".

وأعربت الحركة عن "استنكارها بشدة لهذه السابقة الخطيرة التي تنبئ بدخول البلاد في نفق الاستبداد، وتصفية الخصوم السياسيين خارج إطار القانون، من طرف منظومة الانقلاب بعد فشلها في إدارة شؤون الحكم"، ويظهر ما حصل مع البحيري أن نظام سعيّد يتعامل بمنطق المافيا والمليشيات وليس بمنطق الدولة، وفق حقوقيين ونشطاء سياسيين. 

كما حذرت النهضة من "التداعيات الصحية لاختطاف البحيري نتيجة حرمانه من الدواء والرعاية الصحية"، ودعت الحركة في بيان الأحد، إلى "الكشف عن مكان احتجاز نور الدين البحيري وتوفير الرعاية الصحية الفورية له"، يذكر أن البحيري يعاني من أمراض مزمنة.

دافع البحيري خلال عهد بن علي، عن العديد من المساجين السياسيين من بينهم القيادي في التيار الديمقراطي محمد عبو

في الأثناء حمّلت رئاسة البرلمان سعيّد المسؤولية لجهة الكشف عن مصير البحيري، وطمأنة أهله والرأي العام عن سلامته، وتمكين فريق طبي وحقوقي من زيارته والاطلاع على وضعه، كما دعته إلى "التعجيل بإطلاق سراحه"، مذكرة ببيانها السابق "الرافض والمدين للإجراءات غير القانونية التي اتبعت ضد البحيري وضد عدد آخر من النواب". بالتزامن مع ذلك، أعلن عدد من المحامين عن حملة التضامن مع البحيري وزوجته، ودخلوا في اعتصام مفتوح بدار المحامي بالعاصمة منذ مساء الجمعة، احتجاجًا على "اختطاف الرجل وإخفائه"، على حد تعبيرهم.

 

معارض قوي لانقلاب سعيّد

يعتبر نور الدين البحيري، أول مسؤول كبير في حركة النهضة تحتجزه وزارة الداخلية، منذ أن جمد سعيّد عمل مجلس نواب الشعب وأمسك بزمام سلطات الحكم ليلة 25 يوليو/تموز الماضي، في خطوة وصفتها النهضة وأحزاب أخرى بـ"الانقلاب".

يعتبر البحيري معارضًا قويًا لانقلاب سعيّد على دستور البلاد ومؤسساتها الشرعية، إذ شارك في كل الفعاليات المناهضة للانقلاب وكان له حضور إعلامي قوي للتنديد بما يحدث في بلاده والتنبيه بخطورة الوضع في مهد الثورات العربية، وقال حينها مباشرة: "رئيس الجمهورية قيس سعيد، أعلن في ذكرى عيد الجمهورية، إسقاط الجمهورية، ونَصّب نفسه ملكًا وبايًا من بايات تونس، من خلال إعلان مسكه بكل السلطات.. سعيد خان القسم والأمانة".

قال البحيري في موضع آخر: "واهم من يتوقع للحظة أن من افتك حريته وكرامته من أشرس المستبدين والفاسدين بالدماء الزكية الطاهرة وبدموع الثكالى واليتامى وآهات المعذبين على مر عقود يمكن أن يخضع للحكم الفردي القهري وللإذلال فما بالك بتحويل كل وطنه إلى سجن مهما كانت الوعود ومهما كان الثمن".

نتيجة معارضته القوية لانقلاب سعيّد على الدستور، تعرض البحيري لحملة ممنهجة ضده وضد عائلته وفق قوله، إذ سبق أن أكد وجود عدد من صفحات التواصل الاجتماعي من داخل البلاد وخارجها تشن حملة "كذب وافتراء والتحريض ضدي وضد عائلتي"، وهو ما أكدته زوجته قبل يومين قائلةً إن زوجها يتعمد استهداف من سعيّد لأنه يعارض الانقلاب، وقالت العكرمي في حوار مع الجزيرة مباشر: "الرئيس سعيد يذكر في كل خطاباته نور الدين البحيري بالتلميح ويتهمه بالثراء الفاحش والفساد، نظرًا لموقفه من الانقلاب، ويسعى إلى تصفيته جسديًا".

نضال متواصل زمن بن علي وبورقيبة

معارضته للديكتاتورية لم تكن وليدة اللحظة، فقد انتمى المحامي نور الدين البحيري إلى حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي) منذ سنة 1977، وشغل فيها عدة مناصب، خاصة إدارة الجناح الطلابي للحركة في الجامعة.

سنة 1981، أصبح البحيري عضو المكتب السياسي والمكتب التنفيذي ومجلس الشورى لحركة النهضة، قبل أن يصبح مسؤولًا عن القسم السياسي فيها، كما سجن البحيري لانتمائه للحركة بين فبراير/شباط وسبتمبر/أيلول 1987.

ن

بالموازاة مع عمله السياسي، كان للبحيري نشاط جمعياتي، فكان عضو المكتب التنفيذي لمركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة قبل الثورة التونسية، كما أنه أحد مؤسسي المنظمة الوطنية للكفاح ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني وكذلك اللجنة الوطنية لمساندة العراق.

خلال توليه منصب وزير العدل في حكومة حمادي الجبالي، أثار البحيري جدلًا كبيرًا خاصة بعد قرار إعفائه 81 قاضيًا

دافع البحيري خلال عهد بن علي، عن العديد من المساجين السياسيين من بينهم القيادي في التيار الديمقراطي محمد عبو، وكان مكتبه مفتوحًا لكل مساجين الرأي العام في بلاده، إذ استهدف بن علي الإسلاميين واليساريين والقوميين وكل من يختلف معه.

كما كان حزبه - أي حركة النهضة - من أشد المناهضين لحكمي بورقيبة وبن علي، فقد عارضت النهضة عهدي الاستبداد، نتيجة ذلك تم اعتقال الآلاف من قياداتها وأنصارها والزج بهم في السجون وهرب العديد منهم خارج تونس ولم يعودوا إلى بلادهم إلا بعد الثورة، ولم يُعترف بالحركة كحزب سياسي في تونس إلا في 1 مارس/آذار 2011 من حكومة محمد الغنوشي الثانية بعد مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي البلاد إثر اندلاع الثورة التونسية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

جدل كبير بشأن قيادته وزارة العدل

عقب الثورة، انتخب البحيري عضوًا في المجلس الوطني التأسيسي على قائمة حركة النهضة بدائرة بن عروس واستقال من البرلمان عند توليه منصب وزير العدل في أكتوبر/تشرين الأول 2011، في أول حكومة ديمقراطية تشهدها تونس.

خلال توليه منصب وزير العدل في حكومة حمادي الجبالي، أثار البحيري جدلًا كبيرًا خاصة بعد قرار إعفائه 81 قاضيًا، بعد أن "استحال أداؤهم لواجبهم بما يضمن هيبة القضاء والسبب يعود إلى تورطهم في الفساد دون أدنى شك بعد أن تم تفحّص ملفاتهم".

قال البحيري حينها إن قرار الإعفاء تم اتخاذه من أجل إصلاح المنظومة القضائية ووضع حدّ لآثار وإفرازات نظام الاستبداد والفساد ورد الاعتبار للقضاة الشرفاء الذين عانوا من الظلم والإقصاء والتهميش ومساءلة المشتبه في ارتكابهم لتجاوزات أخلت بحسن سير المرفق وشرف القضاء ومست من اعتباره ومكانته.

في المقابل قال خصومه، إن قرار الإعفاء جاء لتصفية حسابات قديمة مع هؤلاء القضاة، ووسيلة لوضع حركة النهضة يدها على القضاء، وظهرت إثر ذلك مقولة "قضاء البحيري" في إشارة إلى كون البحيري يتحكم في القضاء التونسي، الأمر الذي ينفيه البحيري.

كما يتهمه بعض خصومه بالحصول على امتيازات والثراء الفاحش زمن توليه منصب وزارة العدل، إلا أنه ينفي ذلك، ودعا في أكثر من مرة من يتهمه بالفساد إلى تقديم قضية لدى المحكمة التونسية وإثبات صحة ادعاءاته.

بغض النظر عن الجدل بشأن شخصية البحيري، يجمع الحقوقيون والمدافعون عن حقوق الإنسان على عدم قانونية ما يتعرض له البحيري الآن من نظام قيس سعيد، معتبرين ذلك إيذانًا بتحول تونس رسميًا إلى منطق المافيا والعصابات والابتعاد عن دولة القانون والمؤسسات.