الثورة التونسية التي كانت فارقة في الدول العربية والإسلامية وظلّت متماسكة في أحلك الأوقات، رغم كل الأزمات والمؤامرات التي حيكت لها، دخلت منذ 25 يوليو/ تموز الماضي على حين غرة نفق الانتكاسة، على يد من كان طيلة تلك الفترة مضرب المثل بالصدق والنزاهة والثورية.

بيدَ أنَّ "الانقلاب" الدستوري الذي نفّذه أستاذ القانون الدستوري، ظلّ على مدى الأشهر الخمسة الماضية يراود التونسيين على استحياء، ويردّ عن نفسه صفة الانقلاب بتعلّة عدم زجّ الناس في السجون والمحافظة على حرية التعبير والإعلام وتواصُل الحياة السياسية العادية، وكما قال سعيّد نفسه فهو لم ينصب المشانق ولم يعدم الناس بالرصاص.

بل كان الرئيس التونسي قيس سعيّد يستهزئ في جُلّ كلماته وخُطَبه المصوّرة ممّن يصفون ما فعله بالانقلاب، ويتّهمهم بعدم فقههم للقانون، رغم أن ما فعله هو تطبيق حرفي لوثيقة "الانقلاب" المسرَّبة التي نشرها موقع "ميدل إيست آي" في أواخر شهر مايو/ أيار الماضي.

تنكيل لإنعاش أسهم الانقلاب

رغم كل الوعود بالمحافظة على حرية التعبير ومكسب الحقوق والحريات، إلا أن سلطة "الانقلاب" سرعان ما بدأت بالتضييق على الحريات والحقوق ووسائل الإعلام في أكثر من مناسبة، ومع أن سعيّد رفع كل القيود اللاقانونية التي حاصر بها معارضيه بداية، لتوجّسه منهم خيفة على انقلابه المقدّس على "قبة الإخوان"، إلا أن انفضاض الناس من حوله يومًا بعد يوم، وتزايُد حدّة معارضيه وجرأتهم في التصدّي له، جعلا سلوكيات "السلطان الجديد" تتغير وتنزع رويدًا نحو مزيد البطش والقمع والاستبداد.

ومع بدء تقهقر سلطة "انقلاب" الرئيس وتراجع شعبيتها في الشارع، انتشرت بعض الأقاويل من هنا وهناك عن عودة ماكينة "البوليس السياسي" القديمة للعمل مجددًا، وفق تعليمات شفوية ومبادرات لا قانونية تهدف بالأساس إلى التقرُّب من السلطة الجديدة.

إلا أن تلك المقولات لم يكن هناك ما يعززها على أرض الواقع، حتى بعد حادثة صحفي إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، الذي نشرَ في شهر أغسطس/ آب الماضي مقالًا عن تعمُّد بعض الأشخاص السؤال عن منزله واستفسار الجيران عنه تبيّن أنهم من الأمن، قالوا له: "جئنا للاطمئنان عليك" في رسالة واضحة يعرفها التونسيون، التي هي تحذير من مواصلة انتقاد الرئيس وأفعاله وقراراته.

إضافة إلى حادثة محاولة اقتحام منزل الناشط السياسي وأستاذ القانون وعضو مبادرة "مواطنون ضدّ الانقلاب"، جوهر بن مبارك، قبل أشهر، في رسالة كذلك واضحة لعدم مواصلة نشاطه ضد "الانقلاب"، إلى جانب عمليات رصد مقرّ إضراب الجوع الذي ينفّذه عدد من السياسيين في مقرّ حزب حراك تونس الإرادة.

كما عملية الاعتداء على أخ الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، بعد ترصّده قرب محل سكناه، وغير ذلك من الحوادث التي تشير فعليًّا إلى عودة نشاطات البوليس السياسي من جديد لصالح شقّ سياسي واضح، وهو رئيس الدولة ومحيطه، لا سيما بعد جملة من التغييرات والتحويرات على مستوى قيادات الوزارة الأمنية، منذ تولي الوزير الحالي توفيق شرف الدين زمام الوزارة.

الاختطاف والإخفاء القسري

إلا أن جميع ما سبق لم يصل لدرجة ما وقع على المحامي والقيادي في حركة النهضة ووزير العدل الأسبق، نور الدين البحيري، الذي تمَّ اختطافه من أمام بيته من طرف مجموعة من الأمنيين غير المعروفين، وتمَّ اقتياده إلى مكان غير معلوم، دون إذن قضائي ولا أية معلومات من أية جهة رسمية في الدولة.

هذا إلى جانب تغييب الإطار السابق بوزارة الداخلية، فتحي البلدي، الذي لا يزال مكانه مجهولًا إلى اليوم، وهي سابقة خطيرة جدًّا لم تقع في تونس حتى في زمن دكتاتورية ابن علي، والغريب في الأمر أن وزارة الداخلية برّرت ذلك في بيان لها، على أنه تنفيذ إجراء في الإقامة الجبرية ضدّ الاثنين المذكورَين.

إلا أن الإقامة الجبرية لا تتمّ بهذه الصورة، ويكون المشتبه فيه معلوم المكان ويتمتّع بحقوقه المدنية الكاملة، لكن ما حدث لكلّ من البحيري والبلدي يُعتبر إخفاءً قسريًّا لمواطنَين تونسيَّين، دون أية تُهم أو شبهات واضحة أو دراية أية جهة قضائية، وهذا ما يؤكده أهل الاختصاص من المحامين والقضاة والحقوقيين، ما يفتح المجال واسعًا للتأويل.

ولا يختلف اثنان أن ما وقع لا يمكن أن يقع إلا في أكثر الدول تخلُّفًا وقمعًا واستبدادًا ودكتاتوريةً، ولا يمكن أن يقع في بلد ما زال حاكموه يتحدثون باسم الثورة والمبادئ والأخلاق والقانون، رغم أنهم خرقوا القانون وخالفوه في عدة مناسبات، منها التأويل الفاسد لمدلول الفصل 80 من الدستور، ثم الانقلاب على الدستور برمّته بعد ذلك.

ورغم تبريرات وزير الداخلية توفيق شرف الدين، في الندوة الصحفية التي عقدها مؤخرًا، إلا أن أغلب المتابعين للوضع لم يقتنعوا بما وردَ في كلمته، لا سيما أنه أرفقها بنبرة تهديدية لمن شاركوا في الاحتجاج على احتجاز وزير العدل الأسبق نور الدين البحيري، أمام مستشفى بنزرت أين تمَّ إنعاشه قبل يومَين بعد أن تعرّض لسكتة قلبية كادت تودي بحياته.

كما أن التُّهم التي تحدّث عنها وزير الداخلية الذي بدا مذبذبًا ومضطربًا في كلمته، لا ترتقي لمستوى ما وقع من خطف واحتجاز غير قانوني لكل من نور الدين البحيري وفتحي البلدي.

منعرج خطير

أجمع أغلب السياسيين والإعلاميين المتابعين للشأن التونسي في الأيام الأخيرة، على أن سياسة الاختطاف والاحتجاز اللاقانوني أعادت تونس سنوات عديدة إلى الوراء، بل هي بمثابة الإعلان رسميًّا عن تأسيس دولة الدكتاتورية الجديدة بفرض الأمر الواقع على الجميع، رغم أن رئيس البلاد أستاذ للقانون الدستوري، ووزير داخليته محامٍ، ووزيرة عدله قاضية، فكان الأَولى ترسيخ دولة العدل والقانون لا دولة الانقلاب وقانون الغاب، حيث يصبح فيها المستقبل أكثر غموضًا.

إلا أن المحللين السياسيين اعتبروا أن عملية احتجاز كل من البحيري والبلدي تأتي في إطار التصعيد مع حركة النهضة، ومحاولة الترويج للمعركة على أنها ثنائية بين سعيّد والنهضة التي تتعلق بها "شبهات إرهاب وفساد"، وبالتالي حشد عدد جديد من الأنصار للرئيس بعد التقهقر الواضح في شعبيته.

يحدث هذا ونحن على أبواب 14 يناير/ كانون ثاني الذي يحشد له معارضو الرئيس، وينتظر خروج مسيرات مليونية احتفالية بعيد الثورة واحتجاجية ضدّ "الانقلاب"، وهو ما يعني أن الأيام القادمة في تونس سوف تكون حُبلى بالجديد، والذي قد يكون هذه المرة بخلاف التوقعات السابقة.