تونسيون يرددون هتافات ضد الرئيس قيس سعيد في تونس العاصمة يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2021

ترجمة وتحرير: نون بوست

تدخل تونس سنة 2022 وسط أزمة هوية جديدة أعقبت أحداث يوليو/ تموز الماضي، عندما قرر الرئيس قيس سعيد تجميد البرلمان وتولي معظم المهام الحكومية بنفسه.

لم يكن نزول التونسيون إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد تأييدا لقرار تجميد مجلس النواب الذي كان أداؤه مثيرا للجدل أمرا مفاجئا. كان البرلمان قد خسر منذ فترة طويلة -حتى قبل انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2019-  كل ما يتمتع به من تأييد شعبي، في ظل انتشار الفقر وتداعيات أزمة كورونا.

كان البرلمان قد شهد خلال الأشهر الأخيرة قبل تجميده الكثير من الاعتداءات المتبادلة بين النواب. احتدم الصراع داخل المجلس بين أنصار نظام ما قبل الثورة وبين أي طرف يُصنف على أنه إسلامي، وفي المقدمة حركة النهضة أكبر حزب في البلاد.

احتمى أحد النواب بالحصانة البرلمانية للتهرب من تهم التحرش الجنسي، وتجنب نائب آخر المحاكمة بعد اتهامه بالاعتداء على أمن المطار، واعتمد آخرون على الحصانة للإفلات من تهم الفساد والتهرب الضريبي. طوال الوقت، كان التونسيون في الشوارع وأمام البرلمان يطالبون بالتشغيل والتنمية ووضع حد لعنف جهاز الشرطة.

بعد مرور أكثر من خمسة أشهر، بدأت مشاعر التأييد لتلك القرارات تتراجع بشكل لافت. تظهر استطلاعات الرأي في تونس -رغم ما يُقال عن مصداقيتها- تراجع التأييد الشعبي للرئيس، رغم أنه لا يزال الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البلاد. مع ذلك، يبدو أن المكاسب التي حققها سعيد من خلال إقالة رئيس الوزراء في 25 تموز/ يوليو و تعليق عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب، قد ضاعت تماما بسبب استبداده بالسلطة ورؤيته الفردية الضيقة لمستقبل العملية الديمقراطية في البلاد.

يقول يوسف الشريف، المحلل السياسي ومدير مركز جامعة كولومبيا في تونس، متحدثا عن الرئيس التونسي: "يتبنى سعيد نهجا مثاليا في التفكير ويعتقد أن لديه حلولا سياسية ستفيد الشعب. كما يعتقد أنه يمكنهم رؤية ذلك وفهمه".

لا يمكن تحديد الفترة اللازمة لتطبيق رؤية سعيد. لكن الشيء المعلن إلى حد الآن أنه حدد سقفا لا يتجاوز سنة واحدة لإجراء التعديلات الدستورية التي يحتاجها لتنفيذ خططه، وتبدو المواعيد محددة بدقة. ستخضع التعديلات الدستورية المقترحة لاستفتاء من المقرر إجراؤه في الذكرى السنوية الأولى لاستيلائه على السلطة. وفي 17 كانون الأول/ ديسمبر 2022، تزامنا مع الذكرى 12 لحادثة إضرام الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه، سيتوجه التونسيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم وانتخاب هيئة تشريعية جديدة. في غضون ذلك، سيستمر سعيد والحكومة التي عينها بالإشراف على مقاليد الحكم وفق مرسوم رئاسي.

هناك تركيز كبير على الاستشارة الوطنية خلال هذه العملية. ومع ذلك، يرى قلة من الناس أن النتيجة ستختلف اختلافا جوهريا عن رؤية سعيد لما يُعرف بالديمقراطية المحلية التي تحدّث عنها لأول مرة سنة 2011، أي منح السلطة إلى المجالس المحلية التي تقوم بتعيين هيئات إقليمية تُفرز بدورها نوابا على المستوى الوطني.

يظل نجاح أو فشل هذه الخطة الطموحة غير واضح. لكن المؤكد أن إعادة صياغة الدستور قد تستغرق سنوات، وفي غضون ذلك، ستبقى المشاكل الأساسية لتونس على حالها.

تعد الأزمة الاقتصاد من أهم التحديات. يمثل الدين العام في الوقت الراهن أكثر من 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. لا يزال التضخم في ارتفاع مقابل انخفاض قيمة العملة المحلية، وتضاعفت معدلات البطالة، التي كانت أحد المحركات الرئيسية للثورة قبل 11 سنة.

طلبت وزارة البيئة مزيدًا من الوقت لحل المشكلة التي تم التغاضي عنها لأكثر من عقد. وفي نهاية المطاف، وفي ظل تراكم النفايات في جميع أنحاء المدينة وضواحيها، أمر سعيد بنشر قوات الشرطة بصد المتظاهرين وإعادة فتح مكب النفايات.

قبل الثورة، بلغت نسبة البطالة 13 بالمئة، في حين تبلغ حاليا أكثر من 18 بالمئة. وخلف هذه الأرقام، حالة من اليأس الكامل في جميع أنحاء البلاد.

تتخذ البطالة أشكالا عديدة في تونس. في الشوارع الجانبية للمدن وفي الأحياء المهمشة، يقوم كثيرون بالفرز في حاويات النفايات المنزلية بحثا عن الزجاجات البلاستيكية التي يمكن بيعها لإعادة التدوير. يتراوح ثمن الكيس الواحد من العبوات البلاستيكية بين دينارين و3 دنانير (بين 0.70 و1.05 دولار).

في يوم عمل جيد، يمكن أن يبيع جامع البلاستيك نحو خمسة أكياس. تقدر منظمة "إنترناشونال ألرت" أن هناك حوالي 8000 جامع بلاستيك من القمامة في تونس حاليا. في أماكن أخرى، يتسول رجال في منتصف العمر للحصول على نصف دينار لشراء قليل من الخبز، أو ينظرون بيأس خارج المقاهي المهجورة.

إلى جانب الفقر، هناك حلقة لا نهاية لها من عنف الشرطة، وهي أيضا من أسباب اندلاع الثورة، وهي ظاهرة تعصف بأفقر أحياء البلاد وتستمر دون رادع، بغض النظر عن الرؤية السياسية للرئيس الحالي.

في الآونة الأخيرة، تجددت المواجهات بين قوات الأمن وعدد من المحتجين حول مكب النفايات في عقارب، بالقرب من مدينة صفاقس الصناعية.

ما يميز مكب عقارب عن غيره من مكبات النفايات المنتشرة في جميع أنحاء تونس هو الرائحة الكريهة التي تملأ المكان، وانتشار الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز التنفسي وأمراض السرطان التي يقول السكان إنهم يعانون منها منذ أكثر من عقد، وكل ذلك بسبب موقع المكب الذي افتُتح سنة 2008، والذي كان من المفترض أن يُغلق بعد خمس سنوات.

كانت احتجاجات سكان مدينة عقارب كافية لجذب انتباه قيس سعيد، الذي زار الموقع قبل الترشح لانتخابات 2019. قال أنصاره آنذاك إن تلك الزيارة لم تكن استثنائية، لأن سعيد يزور باستمرار المناطق المهمشة.

ووفقًا للمتظاهرين، فقد استمع سعيد لشكاويهم وساندهم في احتجاجاتهم. وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، نفذ سكان عقارب ما شجعهم عليه، وأصروا على تطبيق أمر المحكمة الصادر قبل سنتين، والذي يقضي بإغلاق مكب النفايات.

بعد أن أصبحت في وضع صعب، طلبت وزارة البيئة مزيدًا من الوقت لحل المشكلة التي تم التغاضي عنها لأكثر من عقد. وفي نهاية المطاف، وفي ظل تراكم النفايات في جميع أنحاء المدينة وضواحيها، أمر سعيد بنشر قوات الشرطة بصد المتظاهرين وإعادة فتح مكب النفايات.

بلغت فاتورة رواتب القطاع العام في تونس نحو 17.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى المعدلات في العالم.

تحولت الأحداث بعد ذلك من مجرد احتجاجات بيئية إلى مصادمات مع الشرطة، وقد أحرق المحتجون في عقارب مركز الحرس الوطني، وأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع.

أسفرت هذه المواجهات عن مقتل الناشط الشاب عبد الرزاق الأشهب، الذي يؤكد المتظاهرون أنه توفي جراء استنشاقه الغاز المسيل للدموع، فيما قالت الشرطة إنه مات بعد سقوطه في منزله، على بعد عدة أميال.

تأزم الوضع في مدينة عقارب، وظهر ذلك من خلال نقاط التفتيش المؤقتة التي أقامتها قوات الأمن وإطارات السيارات المشتعلة. وصف سكان المدينة الرئيس بالديكتاتور، واتهموا الأحزاب التي لم تحرك ساكنا بالفساد.

تردد صدى هذه الأزمة في جميع أنحاء تونس. في برج شاكر، بالقرب من العاصمة تونس، لا يزال مكب النفايات الضخم هناك يفسد حياة السكان، رغم أنه كان من المقرر إغلاقه لأول مرة سنة 2013. نُكثت الوعود على امتداد سنوات لتجنب خطر البحث عن مواقع أخرى لرمي النفايات.

كما هو الحال في قطاعات أخرى، ينتشر الفساد أيضا في قطاع التخلص من النفايات. امتد الفساد، الذي كان في السابق حكرا على المقربين من الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، ليشمل كل مفاصل الدولة تقريبًا. في السنوات التي تلت الثورة، تضاعف حجم الانتدابات في الوظيفة العمومية، وهو المرفق الرئيسي الذي يتغذى عليه الفساد، حيث قدمت الحكومات المتعاقبة وظائف للعاطلين بهدف تهدئة الشارع.

بعد سنوات على هذه الوتيرة، بلغت فاتورة رواتب القطاع العام في تونس نحو 17.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى المعدلات في العالم. كانت كل محاولة حكومية لتخفيف حدة الأزمة تؤدي للصدام مع أقوى نقابة عمالية عامة في البلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي ابتعد أكثر فأكثر عن سعيد بعد أن أبدى مساندة غير مشروطة لقراراته في البداية، والسبب هو استبعاده من النقاشات حول مستقبل تونس.

تعتبر النقاشات حول الصلاحيات الدستورية وآليات ممارسة السلطة في أي نظام ديمقراطي أمرا بالغ الأهمية، لكن توفير الوظائف ومحاربة الفقر هي القضايا الأكثر إلحاحا.

بات من الواضح أن سعيّد ليست لديه حلول للمشاكل الاقتصادية الكبرى التي تواجه تونس، مثل غيره من الرؤساء السابقين. في شهر كانون الأول/ ديسمبر، نشرت وكالة "رويترز" نسخة عن مقترحات لميزانية السنة القادمة، اشتملت على خطط لزيادة أسعار الوقود والكهرباء، وتجميد الزيادات في رواتب القطاع العام، وفرض ضرائب جديدة قبل التوصل لاتفاقية مع صندوق النقد الدولي. وكما هو الحال مع أي تدابير تقشفية، فإن الإجراءات ستضاعف معاناة الفئات الأكثر فقرا.

يقول منتقدو سعيّد إنه اكتسب نفوذا كبيرا، لكن ذلك غير صحيح. يحتاج بسط النفوذ إلى انتعاش اقتصادي وزخم سياسي، وهو ما لا يملكه سعيد حاليا. في الواقع، ورث الرئيس الحالي اقتصادا منهارا وشعبا يعاني من الفقر و10 سنوات من الفوضى السياسية وفسادا متغلغلا في مفاصل الدولة وشرطة تمارس العنف وتتحصن بالقانون.

لا تعتبر هذه المشاكل جديدة، فقد تراكمت على مر السنين وازدادت تفاقما. مع بداية سنة 2022، وبعد أكثر من خمسة أشهر من استيلاء سعيد على السلطة، باتت الأزمات المتراكمة منذ 11 سنة تهدد آماله في إجراء إصلاحات دستورية وإقامة نظام جديد.

في عقارب، تحول الاستياء المتراكم منذ سنوات من وعود السياسيين الكاذبة إلى احتجاجات عنيفة وغاز مسيل للدموع، رغم أن سعيد اعتمد في حملته الانتخابية على مناشدة المناطق المهمشة والمحرومة والشباب المناوئ للأحزاب السياسية، ومن غير المحتمل أن تتغير تلك المطالب الملحة أو تختفي خلال المرحلة القادمة.

عموما، تعتبر النقاشات حول الصلاحيات الدستورية وآليات ممارسة السلطة في أي نظام ديمقراطي أمرا بالغ الأهمية، لكن توفير الوظائف ومحاربة الفقر هي القضايا الأكثر إلحاحا.

المصدر: فورين بوليسي