حرصت إيران على ممارسة دبلوماسية هادئة في العراق بعد إعلان نتائج الانتخابات المبكّرة، ورغم خسارة حلفائها هذه الانتخابات، فإنها رحّبت بنتائجها، وباركت عملية انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، في الوقت الذي فشلت فيه مهمة مبعوثيها من المستوى الثاني في تقريب وجهات النظر بين طرفَي المعادلة الشيعية (الإطار التنسيقي والتيار الصدري)، لخلق تحالف يتمخّض عنه رئيس الوزراء المقبل، والحديث هنا عن مسؤول ملف العراق في فيلق القدس عبد الرضا تنسغيري، ومسؤول ملف العراق في الخارجية الإيرانية حسن دنائي فر.

لم يمضِ أسبوع على مغادرة هؤلاء المبعوثين، وتوارد الأخبار على فشل المساعي الإيرانية في العراق، حتى فاجأ قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني الجميع بزيارته للنجف، ومن ثم ذهابه إلى بغداد، وترؤّسه اجتماع لقوى الإطار التنسيقي الشيعي للتباحُث حول المرحلة المقبلة، وتبعه مسؤول ملف العراق في حزب الله اللبناني محمد كوثراني إلى بغداد.

يشير هذا إلى بدء ممارسة إيران لدبلوماسية الضغط العالي حيال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، من أجل العدول عن فكرة الأغلبية الوطنية، ودمج جميع قوى الإطار التنسيقي الشيعي في الحكومة القادمة، وتحديدًا رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي.

إيران ومعادلة النفوذ في العراق

قد تكون إيران هي الطرف الأبرز في المعادلة السياسية العراقية المقبلة، كونها ستستفيد من ذهاب زعيم تحالف الفتح هادي العامري مع الصدر في حكومة الأغلبية الوطنية، وهو تقارب حصلَ بعد عودة وفدَي الإطار والتيار من طهران اليومَيين الماضيَين.

كما أنها ستستفيد من ذهاب المالكي إلى المعارضة، وهو ما يصرُّ عليه الصدر، ومن ثم إن هذا سيمنح إيران موطئ قدم في الحكومة والمعارضة، حيث تحاول إيران تغيير قناعات الصدر من الذهاب باتجاه هذه المعادلة الحرجة، من أجل عدم إحراجها مستقبلًا فيما لو حصل صدام بين الصدر والمالكي في أية لحظة.

إيران، ورغم بروز العديد من الطروحات التي تتحدّث عن قناعتها بالتضحية بالمالكي مقابل الحفاظ على "وحدة البيت الشيعي"، إلا أن هذا الطرح يؤسِّس من جهة أخرى لفكرة أن بقاء هذا البيت موحّدًا يعني بقاء النفوذ الإيراني في العراق على قيد الحياة، فإيران بالنهاية ليست منظَّمة خيرية، وتفكّرُ بنفوذها قبل حلفائها، وهي تدركُ قيمة الحفاظ على الاستقرار السياسي الهشّ في العراق، لأنها تدرك صعوبة المرحلة التي يمرُّ بها العراق اليوم.

الماراثوان السياسي الذي تشهده كل من النجف وأربيل سيؤسِّس لواقع سياسي جديد.

كما أن هناك تصدُّعات كبيرة داخل قوى الإطار التنسيقي الشيعي، وتحديدًا بين العامري والخزعلي، لأسباب عديدة ليس أقلها تخلّي العامري عن قوى الإطار وذهابه نحو الصدر، فضلًا عن صراع خفي على زعامة تحالف الفتح.

فالعامري، وتحديدًا في مرحلة ما بعد "داعش"، دخلَ في شبكة من العلاقات الاقتصادية الزبائنية مع النظام السياسي من جهة، والفصائل المسلحة من جهة أخرى، كما أنه يدرك أهمية الإبقاء على وزارة الداخلية في يده، ومقابل ذلك يدرك الخزعلي أهمية الإطاحة بالعامري في أقرب فرصة متاحة، من أجل تسيُّد الموقف السياسي للفصائل المسلَّحة، والفوز بموقع متقدِّم أمام إيران في العراق.

تأتي زيارة العامري إلى أربيل من أجل لقاء زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، في الوقت الذي يتواجد فيه قاآني وكوثراني في بغداد، لتعطي صورة واضحة لحجم التفاعل الإيراني الشامل في الساحة العراقية، حيث يسعى قاآني في زيارته الحالية للعراق إلى لقاء الصدر، وتغيير موقفه من المالكي، وبالاتجاه ذاته تأتي جهود العامري لتغيير موقف البارزاني من قيادات تحالف الفتح، وفي مقدّمتهم الخزعلي، وهي جهود قد تغيِّر من التوازنات الحالية، وهو ما تطمح إليه إيران بالنهاية.

إن الماراثوان السياسي الذي تشهده كل من النجف وأربيل سيؤسِّس لواقع سياسي جديد، وهو واقع سيكون أمام 3 سيناريوهات رئيسية، الأول بذهاب جميع قوى الإطار مع التيار، والثاني بذهاب بعض قوى الإطار مع التيار، والثالث بمقاطعة بعض قوى الإطار للعملية السياسية، وهو الخيار الأكثر احتمالًا لمسار قوى الإطار في المرحلة المقبلة.

ويأتي هذا من أجل الحفاظ على "شرعية السلاح" مقابل "شرعية الدولة"، حيث إن الخشية الأبرز لقوى السلاح هي من أن يذهب الصدر بتطبيق شعاراته الانتخابية المتمثلة بنزع سلاح الفصائل، وهي خشية ترجمها العامري في لقائه الأخير مع الصدر، بضرورة الحصول على ضمانات بعدم المساس بهيئة الحشد الشعبي، مقابل الانضمام إلى حكومة الأغلبية الوطنية.

إن محاولة إيران الأخيرة المتمثلة بزيارة قاآني وكوثراني للعراق ستأخذ العراق بأحد الاتجاهَين، إما الفوضى وإما الاستقرار، وهما اتجاهان سيكونان خاضعَين للنقاش العام، فالصدر تناغمَ مع السنّة والكرد في عملية انتخاب محمد الحلبوسي لرئاسة مجلس النواب، وهو تناغُم قد يجد صداه في عملية انتخاب رئيس الجمهورية.

إلا أن هذا التناغم الثلاثي قد يتوقف عند الوصول إلى عملية اختيار رئيس الوزراء، حيث إن الصدر لا يريد الذهاب من دون قوى الإطار، وكذلك الكرد والسنّة لا يرغبون بخلخلة التوازنات الشيعية، وهي مخاوف تعوِّل عليها إيران بالوقت الحاضر.

الأسئلة الأهم التي تطرح نفسها الآن هي: ماذا لو فشلت المهمة الإيرانية الأخيرة التي يقودها قاآني في العراق؟ وكيف ستتفاعل إيران مع سيناريو الفشل؟ وهل ستكون هناك خيارات بديلة يمكن التعويل عليها؟

إن الحديث عن مستقبل المشهد السياسي في مرحلة ما بعد زيارة قاآني سيكون أمام امتحان صعب للغاية، فتنازُل الصدر عن الأغلبية الوطنية سيضع العرب والكرد أمام حرج كبير، كما سيضعه هو الآخر أمام تحدي البقاء في المرحلة المقبلة كفاعل سياسي، وإيران هي الأخرى لن تقبل بمزيد من الإخفاقات في الداخل العراقي، وبين هاتين المعادلتين ما زال الرأي العام العراقي بانتظار انفراج الانسداد السياسي الحالي.